صفحة soruori1993 الشخصية

soruori1993

ذكر - 44 سنة, اليمن
123 الزائرين

مدونة 11

زخات متناثرة : من رواية «يموتون غرباء

محاضرة وورقة عمل قدمتها بمناسبة الذكرى ال33 لوفاة رائد القصة اليمنبة محمد احمد عبدالولي


  • تابع أحمد الجابري: عاطفة تحتضن ال

    .. لكن هذه الإحالات تكون في معظمها إما أنها جاءت على سبيل الحفاظ على شيء من التراث كما هو الحال مع "هربوا جا الليل" وإما أنها على سبيل إثبات الأفضل كما هو الحال مع قصيدة "رجعوني للعيون الحلوة تاني* فكروني باللي راحوا من زماني.. بالحبايب واللي غايب بالمودة والحناني"..وهذه القصيدة لحنها وتغنى بها العملاق احمد قاسم تحيلنا كلماتها إلى قصيدة "أنت عمري" التي تغنت بها كوكب الشرق أول مرة عام 1958م وكانت أول عمل غنائي بينها وموسيقار الأجيال الأسطورية محمد عبد الوهاب وكان شاعرنا الجابري يومها يدرس في القاهرة .. فنلاحظ من مطلع قصيدته "رجعوني للعيون الحلوة ثاني" تماثلاً مع مطلع أنت عمري "رجعوني عينيك لأيامي اللي راحوا".
    لكن كما قلت يأتي التماثل من باب ان الجابري يريد أن يثبت علو كعبه في كتابة القصيدة.
    وفي قصيدة طائر الأشجان نلاحظ التناص المتماثل مع قصيدة "وامغرد بوادي الدور" من فوق الأغصان بينما طير الجابري فوق الربى طير العنسي في وامغرد ليس مثله مفارق للأوطان كغلى ماذا يهيج صبابات الفراق؟.. وطير الجابري الحزين يشتكي مثله تعب الأيام في الحب ويبكي مرابع الفراق.

    وتناص الجابري مغاير تماماً لكنه يفصح عن مرتكزات يستند إليها الشاعر وهي أنه ملم بشعر التراث.. وتناص الجابري هنا هو التجديد الذي يضاف إلى الإنتاج الإبداعي مستقلاً بذاته وإن كان ثمة تماثلاً في موضوعاته فليس إلا امتدادا لتشابه مضمون الحالة التي فرضت على الشاعرين أن يعانيا منها فذاك (العنسي) كان بعيداً عن أهله من صنعاء ، والجابري بعيداً عن أهله في عدن فما أشد الحزن الذي عاناه هذا الشاعر .. وما أشد وقع آلامه على النفس من بداية القصيدة وبجميع أبياتها ويكفي (طائر الأحزان) الذي خاطبة في الابيات السابقة الى أن قال: (ضاعت الأيام ) من عمري سدى
    لو يقع لي ..أدفن الاشواق أطاويها وأنسى موجعك
    ضاعت الأيام من عمري سدى .. ضاعت وحبي ضيعك
    روح لك بالله بعيد عني ،وجل عن هوصنعك
    وإن هذه القصيدة يمكن أن نسميها قصيدة الغني والتعب والعذاب والضياع والوجع والولع والإحتراق والأحزان والبكاء والأشواق الملتهبة والجوى وتعبر عن كل ما عاشة الشاعر في إرتحالاته من خلال مفرداتها ..
    كنت قد توقفت عن نشر بقية الحلقات المخصصة لدراسة أشعار الجابري الغنائية خلال الثلثين الأخريين من شهر رمضان بسبب سفري للقرية : وهاأنذا استأنف الكتابة عن بقية قصائد الجابري
    شاكراً صحيفة الثقافية على اهتمامها وحرصها نشر مثل هكذا أعمال دراسية وبحثية تأصيلية لتجارب رواد الفعل الإبداعي الذي يعد شاعرنا الكبير احمد غالب الجابري واحدا من أعلامه البارزة .
    وكنت قد تناولت في الحلقات السابقة إسهاماته في كتابة القصائد الغنائية الفصحى والعدنية والتعزية والأخيرة استكملها في هذا العدد .

    (هوى الأيام)
    إن قصيدة (هوى الأيام / يا صبايا فوق بير الماء ) تلخص لحظة تحول في حياة الشاعر بصفة عامة أو في حياته الوجدانية المتجلية في تجربته الشعرية .
    بيد أن هذا التحول ينطوي على شيء يكاد أن يكون ملازمة أساسية يصعب استغناءها عنه .. ملازمة مفروضة عليه فرضاً.. لم تفارق حياته وانصهرت مضامينها في قصائده لا سيما التعزية .. هذه الملازمة هي (التعب) الذي عبر عنه بالضنى .
    قصيدة (هوى الأيام) بمثابة نقطة تحول في حياة وعطاء الشاعر الإبداعي .. وهذا القول ليس بداعاً مني وإنما أبيات القصيدة عبرت عنه بوضوح حيث التعب الملازم له بدأ يضعف أمام الحب الذي بدأ يحس بقوة الحاجة نحوه أي ليس منه وإنما من أخر يحبه هو .
    فإذا كانت قصائده التعزية التي كتبها وهو في تعز وتغني بها أيوب طارش قد جاءت حزينة ، عبرت عن قهر الحب قهر الانسان .. قهر الأيام .. قهر الحياة او الحياة المغبونه بصفة عامة
    غير أن هذه القصيدة من مطلعها تبين ثمة انفراج طرأ في حياة الشاعر .. إنفراج حدا بطبيعت نتائجه إن يحس المرء إنه وإن تقادمت به السنين .. إلا أن ذلك لا يمنعة من تصريح عن رغبته في تسقية عطش الحب / الهوى .
    والأبيات الأولى تفصح عن أسلوب جديد في التعبير يتباين عن ما حملته القصائد السابقة التي ظل يطغى على مضامينها مفردات الألم والتعب بينا في هذه القصيدة يظهر الولع الذي لا يحس بيه إلا من كان يعيش حالة من استقرار ما وأفصح عنه بــ (الهوى العطشان) الذي يعيشه (الكاتب ).
    حب الأيام هو في النهاية حب الحياة .. و لا يفصح عنه إلاَ إذا كانت هناك مبررات عديدة تجبر المرء على أن يطلب إرواء حبه / هواه .
    و من هذه المبررات حدوث شئ من الانفراج في حيات الشاعر دفعته دون إرادة منه إن ينادي (صبايا) مدونات في إحدى زوايا خزائن الذاكرة .. أرتسمت صورهن ذات لحظة قد تكون خلال جولاته بينما كان يقطن في تعز ويراهن فوق الآبار .. وقد تكن الفكرة من وحي العقل والفكر ..حيث قال:
    - يا صبايا فوق بير الماء والدنيا غبش
    - من يسقي في الهوى قلبي ويروي لي العطش .
    - لاجل روحي ترتوي بالحب .. رشني رشاش
    - و سكبين العطر من قطر الندى حالي الورش

    ومع أن الشاعر هنا يعبر عن صورة ما لتجربة معينة الا أننا نستطيع استشفاف أشياء أخرى غالباً ما تصف أشياء على غير ما أراد الشاعر من خلال قراءة الشعر .. أشياء على الرغم من جماليات الجمل الشعرية التي تتردد على أللألسنة بعذوبة وانبهار وكأنها أغنية لكن عند الحفر والكشف عن ما ورائها من أسرار وعند ربط بعض صورها بإيقاعات التحضر والتمدن فإننا سنقف أمام مفارقات مخيفة وخطيرة يقدمها الشعر وليس الشاعر ......... كيف ؟.
    إن ذهاب الصبايا لجلب الماء من ألأبار (غبش) أي قبل رحيل بقايا ألليل ومجيء بداية نور الشروق .. لدليل على مأساة كبيرة .. فلا يذهب في هذا الوقت المبكر من النهار للحصول على الماء إلا لأنه يقل

    في الآبار حتى يكاد ينعدم في النهار . ودليل على أن الناس لم تصلها خدمات المياه الراقية من آبار الإرتواز ... إلى غير ذلك من القراءات .
    وهذا يؤكد أن الشعر الجميل بصرف النظر أكان فصيحا أم عاميا ، ملحوناً أم غير موسيقي .. يمكن أن نستشف منه مشاهدا معينة من إيقاعات الحياة في مرحلة / مراحل مختلفة من حياة كل المجتمعات , ومن هذا ذهب المؤرخين إلى اعتبار الشعر أحد مصادر كتابة أو قراءة التاريخ .
    يحتمل خرجت من جو القصيدة .. إلا إن هذا الخروج محمود مادام يخدم شاعرنا الجابري .. الذي يعد .. هنا . أحد العدسات المصورة لواقع حياتنا بكلمات وجمل قصائده الشعرية .
    من الابيات السابقة سنلاحظ حد وصيف الكاتب والناقد محي الدين على سعيد لشعر الفضول بــ ( الظمأ العاطفي ) سنلاحظ أيضا عند الجابري نفسه الهوى ( هواه ) ما يزال ظامئا ، وروحه كذلك ويطلب من ( موردات الماء ) أن يرونه حتى من قطرات الندى عطراً لذيذ المذاق .
    والأبيات التالية تفصح عما ظل شاعرنا يبحث عنه طيلة حياته ( الحب ) .. الحب بشروطه المكتملة التي منها أنه لا يتحقق إلا بتحقق الاستقرار الاجتماعي والتطور المادي في كل مجالات الحياة ،، .. وأنه الحب لا يتواجد في القلوب إلا إذا كانت الحياة بكافة متمظهراتها أصلاً جميلة ولن تكون كذلك بغير صيرورتها الحقيقية الملموسة إلا إذا كان الجمال في حركية المجتمع كينونته .
    لهذا شاعرنا الكبير غالباً ما يعبر في بواطن قصائده عن هذه القضايا ولكن بصور ذكية جداً نحسبها غنائية .. بينما هي إلى جانب ذلك تحمل في روحها صور معبرة بصدق عما يريده و يتمناه الشاعر.
    وألان لنتأمل في هذا النداء الجميل الذي تكرر ثلاث مرات في بيت واحد وبصور آخادة
    يا هوى الأيام .. يا عمري .. يا ذوب الشموع .
    ثمة فرق بين هوى الأيام وأيام الهوى .. الثانية بسيطة تعني أيام الحب لكن الأولى عميقة الدلالة إذ تعني حب الأيام .. والشاعر يناديها ( يا هوى الأيام ) , وذوب الشموع المقصود به أن العمر ذاب ذوبان الشموع ثم ينفي أن أحداً تعرض مثله لظمأ الروح أو يوجد مثله ولوع
    - ما ظمأ مثل ظمأ روحي ولا مثلي ولوع .
    - لملمين الشوق من قلبي ومن بين الضلوع
    - لو ظمى شرويه من حبي وشسقيه الدموع
    يلاحظ أن الجابري كان يشتغل على اللغة اشتغالاً تجريبياً حتى استطاع بامتلاكه زمام معرفته بها أن يؤنسن المفردات غير المادية ؟

    لملمين الشوق( لم الشوق ) و اللم لا يكون إلا للمبعثر هنا ( من قلبي ) .. فياله من قلب كبير تبعثر الشوق داخله ويحتاج من يلمه .. أولاً : ــ الشوق من داخل قلبه .. ثانياً : ــ الشوق من بين ضلوعه .. ثالثاً : ــ يجمع الشوقين لأجل أن يكون جاهزاً للحظة معينة هي لحظة عطش الحبيب ليسقيه به وإن لم يكفيه سوف يسقيه الدموع .
    وبطبيعة الجابري فأنه ينتقل بحرية كاملة كافية بين الأفكار في القصيدة وهو هنا يشيد ويتسلطن في محكمة الفرض التعبيري الذي يأمر غيره ما يريد .. يضعف ذاته أو ذات كل محب .
    فما أكثر الذي في الحب هو استمرار الأماني الطيبة والوعود تتكرر إلى درجة أنه من كثرة اعتماده على طيب الاماني والوعود التي خانته لطالما ظل يبكى وحده وجرت أدمعه أنهاراً مصفاة من ورود الحياة أروت وارتوت منها كل قلوب العشاق .. إلا هو ظل ظامئا ولا تزداد روحه إلا عطشا فوق عطشها فقط يحضن ( الأيام / الشهور / السنوات ) .. يحتضن الحياة بين نفسه ويغني لهذا الوجود .
    - كم شجاني في الهوى طيب الأماني والوعود

    - وارتوى العشاق من دمعي ندى كل الورود
    - وأنا الظمئان لا أروي وروحي تستزيد
    - احضن الأيام في صدري وعني للوجود
    ثم ما أروع هذه الثقة وهو يعرف ما هية (الهوى) بالنسبة إليه إنه فنه الخاص أو ( رسمته التي يرسمها ) فيزيد لواعج الحب في نفسه .. لكن ما يتعبه هو أنين الهوى .
    الهوى فني – يلوعني .. ويضنيني الأنين
    شفني وجدي وأضنى في الهوى روحي الحنين
    وما أجمل هذا الانتقال المثالي في القصيدة أنه لأجل القلب الظامئ مستعد ان يشتري عمر السنين
    من القلبي يا صبايا وأشتري عمر السنين
    وأعطي عمري في الهوى عمري فد للعاشقين .
    ( أشتى أسافر )
    يا آلله لكم هو شاعرنا حزيناً في هذه القصيدة .. صحيح أنه ليس بالضرورة أن يكون الشاعر هو الذي يريد أن يسافر الى بلاد لا تعرف إلاً أن تحب .
    لكن ما ينبغي أن نقف عنده ( هو ) قدرت الشاعر لأن يعبر عن كثير قلوب تعيش فوق هذا الكواكب .. قلوب لا تعرف شيئاً يسكن داخلها غير الحب.
    قلوب تظل دائماً تحلم بالعيش في وئام وحب .. لكنها حينما تيأس ولا تجد ذلك تفكر بالرحيل من بلادها والسفر إلى بلاد لا تعرف إلا كيف تحب أولا تستطيع أن تعيش حياتها بعيدة عن الحب .
    و قديماً قال الأمام الشافعي :ـ
    وأرض الله واسعة ولكن .. إذا تزل القضاء ضاق القضاء

    وقال ابر فراس الحمداني : ــ
    ولكن إذا حم القضاء على امرئ / فليس له بر يفيه ولا بحر .
    الجابري هنا يبحث عن بلاد .. ( أين شالا بلاد .. ما تعرف لا الحب ) وقد استطاع الفنان الرائع عبد الباسط عبسي أن يغوص في تفاصيل القصيدة ومضمونها فأنتج أغنية هي من روائعه الخالدة .. عاش مع كل جملة كأنها هو المسافر . عاشها بروحه و أحاسيسه .. منذ الموال الذي دخل به إلى القصيدة
    -أشتي أسافر بلاد ما تعرف إلا الحب .
    والبداية تبين كأنها كانت قبل رحيل الشاعر حيثما كان لا يزال يريد السفر إلي بلاد الحب وبعد أن ينتقل إلى
    ( البلاد ) التي سافر إليها .. يحتمل لفي هنالك الحب .. لكن المتعب يظل متعب .. وجد الحب .. ووجد معه في المقابل الفراق ومتاعبه .. والليل والطويل وهمومه .. والتعب والضنى والدموع ما جعله يشكو قائلاً :
    ليل المفارقة طويل ويا تعب حالي
    لو قلت شا شكي لمن من كيد عذالي
    يا عين كفي الدموع مالي الفني ومالي
    سبق أن قلت : بصرف البصر عما إذا كان الجو الشعري يعبر عن نفسية وحياة الشاعر أم لا .. فإن الشاعر الحقيقي هو الذي يعبر عما هو في صدور الناس ، وغايتهم وأحلامهم ..أوجاعهم أحزانهم أفراحهم وأتراحهم .. ولا ينسى وهو يقوم بهذه المهمة أن يشير إلى ألأسباب الكامنة خلف تلك الظروف التي تجبر الناس على حياة غير التي يريدونها أو إلى من يكيدون في الحياة ويعطلون جمالها بأعمالهم وأخلاقهم المريضة ..
    لو قلت شا شكي لمن .. من كيد عذالي ؟
    ولأن الجابري كما قيل وعهد عنه كما يوصف عند كثيرين من مبالغته في الطيبة وتفجر المشاعر ألإنسانية فيه .
    من الطبيعي عندما لا يفهم .. أو عندما يظلم إن مثل هكذا إنسان لا يؤوب في الأخير غير إلى ذاته يجلدها ويعاتبها ويتهمها بما ليس فيها أصلاً
    - يا قلب ما يكلفك ترضى بتعذيبي
    - كفكف دموع الأسى .. يكفي الذي في بي
    -الصبر كم شا يكون من هجر محبوبي ؟
    - العمر ولى سدى قهري على أيامي
    - ايش با يفيد الأسى يرجع لأحلامي
    - شا فرد جناحي على قلبي وشا تغرب
    - أين المحبة وفاء جمعة مع الأحباب
    لا عاد شا ندم ولا شا بكي على من غاب

    أظن هنا أن الجابري كتب هذه القصيدة حينما قرر الهجرة إلى الخليج والجميل أنه وهو يعبر عن هذه الحالة الظرفية أن الشاعر محمد عبد الباري الفتيح الشاعر المعجون بعرق الجذور وعطر الطين وبلابل الحنين رد على الجابري يقول : ــ
    لينه شتسافر وعندليب تذر شبابك ورونقه
    تحي به كم من فلا جديب .. ووكرك الوحشة تحرقه
    يستحلفك غصنيك الرطيب
    أمانتك لا تفارقه.
    والجميل أن القصيدتان كانتا من نصيب العندليب عبد الباسط العبسي (أشتي أسافر ، ولينه شتسافر) لحنهما وشدا بهما .
    أكون بهذه الحلقات قد أنهيت عرض قصائد الشاعر الجابري التعزية , ولم يتبقى في هذا المحور الخاص بالقصائد العاطفية سوى مجموعة من القصائد المتفرقة وتنتمي إلى أكثر من لون يمني أو هي مزيج من كل تلك الألوان الشعرية الغنائية في اليمن . وكذلك المحور الثاني الخاص بالقصائد الوطنية .

    (د) قصائد متفرقة

    اقصد بالقصائد المتفرقة هي تلك القصائد التي إما أنها ليست فصحى كاملة , والمتنوعة أو ليست عدنية عدنية , أو ليست تعزية تعزية , أو أنها مكتوبة بعديد لهجات يمنية ونظرا لقلتها لم أضع لكل منها أقساما خاصة بها , و إنما اخترت لها هذا القسم الذي يشتمل على بقية قصائد الجابري العاطفية الغنائية القائمة عليها هذه الدراسة وهي أشعار كتبتها لتكون إما صنعانية , وإما لتكون مفرداتها مزيجاً من لغة فصحى و لهجة دارجة , أو أكثر من لهجة يمنية في سياق قصيدة واحدة( العدنية – التعزية – الصنعانية – الحضرمية ........... الخ ) .. سأأتي على هذه القصائد بعد الوقوف أمام الملاحظات التالية .
    سر القدرة على التنوع
    عند العودة إلى قراءة اشعار الجابري يقفز سؤال طبيعي هو .. لات ريب أن هنالك سر يقف خلف هذه الملكة الشعرية في القدرة على تنوع كتاباته بأكثر من لهجة.. فما هذا السر؟
    إلى جانب كونه شاعر لغوي من طراز رفيع . ويمتلك حاسة موسيقية مرهفة فالجابري (حد وصف الناقد والشاعر الفقيد الدكتور عبد الرحمن إبراهيم الذي أضاف قائلاً : وعلم من أعلام اليمن البارزة في النصف الثاني من القرن العشرين .. فقد كان من ضمن الصفوة الأولى التي التحقت بالقاهرة من اليمنيين مطلع عقد الخمسينات ، ولم يعد من القاهرة إلا وهو يحمل مؤهلاً جامعياً في الإدارة فهو رجل اقتصاد متمكن وبارز ) (1) وهذا صحيح بدليل نجاحه ودراساته التي ظل يقدمها للشركات الخاصة سواء مع ( هائل سعيد ) في السبعينات أو بعد ذلك في دول الخليج ما يعني أنه شخص متعدد التخصصات والهوايات عمل كمعلم تربوي ناجح عقب عودته الى عدن في التدريس , وأظنه يجيد اللغة الانجليزية ، نكتشف من خلال حديثه لصحيفة الثقافية مبلغ ثقافته الرفيعة , وأن له منهجيته الخاصة في كتابة القصيدة بقوله : الشعر إن لم يكن نظماً راقصاً متوهجاً فليس بشعر ، وإنما هو نظم (2)
    وعنده ما يشبه القاعدة أو الميزان أو القانون الذي ينظم به إنتاجه الشعري و هو :-
    * ( الشعر البديع الخاص = نظم + نغم + وهج + غير متقطع ) ( 3) والوهج هو لحظة إبداع
    * وعند الجابري القصيدة ( يجب تنشد و ترتل حتى يكتمل إبداعها بمعنى ضرورة توافر اللغة الشعرية + الصياغة + البناء + الموسيقي ) (4)
    وقد استوحيت هذه التقنية من حديث الجابري للثقافية (5)وهي مرتكزات يستحضر ها لحظة اشتغاله على القصيدة .
    وبدوره يقودنا هذا الى إدراك السر الذي يقف خلف إقتدراه على كتابة القصيدة الشعرية بأية لهجة يمنية .
    ومن قبيل التذكير أيضاً .. يتميز جيل الجابري سواء في اليمن أو خارجه بأنه من الصعوبة أن يفرض فرد نفسه داخل حقل من حقول دونما تكن ( الموهبة الذاتية ) هي الأصل في حضوره وإثبات قدراته الفردية .. ودون أن تنصقل تلك الموهبة بالدراسة أو الثقافة المتصلة باللون , أو الجنس الإبداعي وخصوصياته , وقواعده .. علاوة على تحصل المبدع و اتكاءه ثقافة موسوعية في مختلف ميادين المعرفة , ودراية بتطورات الأحداث والمتغيرات على كافة الأصعدة المحلية , و القومية والإنسانية , ووعيه بمرتكزات حضور الماضي وشروط اتصاله بالحاضر كـالتراث بمختلف تراكماته , ومفارقاته , وتحولات المراحل التي تكون في أرحامها ذلك النتاج الإنساني التنوعي الواصل إلى حاضرنا بكل متغيراته , ومتناقضاته , وصراعاته , ونتائج احتراكاته التي شكلت ملامح إنتاج الأعمال الإبداعية المضارعة لنا , والممتدة ناحية أفاويق المستقبل .. كل هذه معايير محددة تجر من تتوفر فيه أن يشتغل في حقله الإبداعي رغماً عنه .
    والجابري ثمرة لزرعة نبتت ضمن جيل عرف بجيل المبدعين الحقيقيين .. جيل طفرة في مرحلة ــ كادت تتشكل جوانبها الحضارية لولا الانقلاب السياسي العربي على شروط الانتقال والتحول الحضاري ــ أقول بأنه طفرة لأن جيلنا الذي جاء بعد هذا الجيل دونه في نوعية وكيفية الإنتاج الإبداعي .. حتى ذلك المتمرد على الواقع تراه يخاطب واقعاً افتراضيا يخلقه لذاته كيما يقنعها أنه هو المطلوب منه أنتاجه بينما هو بعيد كل البعد عن الذي ينبغي أن يضطلع به إبداعه .
    جيل الجابري يصعب فيه أن يكون الشاعر شاعراً ما لم يكن شاعراًَ ..أو أن يكون الفنان ممثلاً دونما يكن فناناً موهوبا وهكذا الرسام والملحن والمطرب وكافة مجالات الإبداع.
    ولأنه كان ابن هذه الطفرة فقد أجاد بما كتب من شعر .. قصائده الفصحى التي تناولتها في الحلقتين الأولى والثانية لا تقل عن روائع ما كتب في تاريخ الشعر الغنائي العربي عذوبة ورقة في التعبير .
    وكتب القصية العدنية فكان أحد أعلامها بعد مؤسسها الدكتور محمد عبده غانم ورائدها ــ رائد الشعر الرومانسي في اليمن ــ لطفي جعفر أمان .
    وإنـــي لآسف كيف أن شاعرنا الجابري تنازل عن حقه في كونه المؤسس الأول للشعر الغنائي التعزية ؟ بأغنية اخضر جهيش مليان .
    ولم يقف عطاءه عند هذا الحد من الكتابة .. فقد كتب قصائد أخرى بلهجات متعددة للألوان اليمنية المختلفة ومن هذه الألوان.

    شعر الغناء لصنعاني
    1ــ يا غصن من بان
    هذه القصيدة التي تغنى بها الفنان الكبير : محمد مرشد ناجي أعدها حمينية للأسباب التالية :-
    كتبت على ذاتها القاعدة التي تكتب بها كثير من أشعار الغناء الحميني فالسطر ألأول من القصيدة + السطر الثاني انتهيا بحرف الراء والسطرين في شعر الغناء الصنعاني عبارة عن بيت واحد حسب ما ذهب إليه الدكتور محمد عبده غانم في بحثه عن تقنية الشعر الحميني في كتابه شعر الغناء الصنعاني .
    1- يا غصن من بان يا من قلبي معاكم أسير
    2- قد صار فيكم مولع مغرم وشاعر خطير
    هذا بيت والبيت التالي ليس بيتا ثالثا كما يظن غير العارفين بقواعد الشعر الحميني وإنما تارة قد يكون مبيت وأحرى تقفيلة حسب طبيعة القصيدة وهو هنا مبيت يقول فيه :-
    3- ما عاد عنده أستطاعه يصبر ولو حتى ساعه
    ثم يقفل المقطع من القصيدة بجملة تقفيلة وهي (يا غصن من بان )
    وسنلاحظ أن المبيت تكرر في مقاطع القصيدة بينما التقفيلة تغيرت ولم تتكرر سوى ثلاث مرات فقط ولنراقب الأبيات التالية :-
    أبات ليلى معاني في ذا الهوى مستهام
    الله شاهد بأني ما ذاقت طعم المنام
    يا ذي جرح بالسهد عيني الله بيني وبينك
    شاهد بما كان
    ما عاد عنده أستطاعه يصبر ولو حتى ساعه
    يا غصن البان
    يا من بحبة ضلمني وما رحمني زماني
    من بعد ما خاب ظني أرضي بهجره الشواني
    هذا الذي رد طبعي سقاني من كأس دمعي
    المر ألوان
    ما عاد عنده أستطاعه يصبر ولو حتى ساعه
    يا غصن من البان
    أصبحت ضائع وأمري ماشي معي له دليل
    كم قلت يصبر لصبري لكن ذا مستحيل
    يا ريت يا قلب تنساه باسلم الأمر لله
    ماشي لإنسان
    ما عاد عنده أستطاعه يصبر ولو حتى ساعه
    وبإرجاع القراءة كرة أخرى على أبيات القصيدة سنقف على بعض الملاحظات :
    1ـ التلاعب الفني بالقافية المختلفة ( راء ، وميم ، ونون ،لام ) ماخلا (الهاء) الذي تقفي به عجز وصدر البيت الذي تكرر مرات أربع :
    ما عاد عنده أستطاعه يصبر ولو حتى ساعه
    وهذه الطريقة من الكتابة تكاد تكون شائعة في الشعر الحميني .
    2ــ يتجرد تماما شاعرنا وهو يكتب ألقصيده الحمينية / الصنعانية من ذاتيته وهمومه التي عجز عن كتمانها وإخفائها في كثير من قصائده خاصة التعزية , وعلى تحو أخص تلك التي تغنى بها كلاً من أيوب وعبد الباسط العبسيين .
    3ــ استغلاله لمساحة الحرية في استخدامه قواعد وتقنيات كتابة الشعر الملحون علاوة على مفردات وجمل غالباً ما يكثر إيرادها في شعر الغناء الصنعاني نحو (عليل .. يا ناس ؟ "معه " يا غارة الله " شن " يا ساجي الطرف .. كالبدر .. اسمح برشفه لصادي .. للمه .. حب الغواني .. شايلطف الله معه .. من روشنه )
    كل هذه الملاحظات تنم عن وعي كاف وإدراك لخصوصية تقنية كتابة شعر الغناء الصنعاني مكناه كتابة شعر يندرج تحت أشعار الغناء الحميني كالقصيدة الرائعة التالية.

    2ــ يا غارة الله منه
    كيف قلت أسكت والهوى يوجعه / لمن فؤاده عليل
    سالت دموعه حينما ودعه/ ولا التقت له قليل
    يا ناس ما افعل ؟.. وكيف أصنع معه ؟ / يكفى عذابي الطويل
    إذاً .. ألأبيات الثلاث تعتبر ثلاثة سطور وليست أبيات ثلاث (حد ما ذهب إليه د. محمد عبده غانم ) بل بيت واحد , ة والتالي :
    إن صح ما قيل عنه
    يا غارة الله منه
    يفعل كذا بالقتيل
    وهذه المقاطع أو الفقرات أو الجمل تعد ( تقفيل ) وعلى هذا تسير بقية القصيدة

    لا رق قلبه لقلبي .. و لا هدا لي شجن
    الله يعلم مصابي .. من حرقة الدمع شن
    لو كان غافل لحبي .. ألقى الهوى عند من؟

    (تتكرر ذاتها التقفيلة) ............................................إن صح ما قيل عنه
    يا غارة الله منه
    يفعل كذا بالقتيل

    ثم يغير النسق البنائي السابق حيث يقفل بعد كل بيت بجمل قصيرة موحدة القافية مختلفة المضمون .
    يا ساجي الطرف بادي__ كالبدر من روشنه
    ارزى أمانة قليل
    اسمح برشفه لصادي __ هد الجوى ساكنه
    عطشان ماله دليل
    للمه الغنج والتمادي __ من علمك تحسنه
    ارحم متيم عليل
    إن صح ما قيل عنه
    يا غارة الله منه
    يفعل كذا بالقتيل

    ومن جديد يعود الى النسق البنائي الذي بدأت به القصيدة :
    من رام حب الغواني __ شايلطف الله معه
    كم بات قلبي معاني __ الله ما أوجعه
    إن قلت شانسى ثواني __ أو قلت شاستودعه
    إن صح ما قيل عنه
    يا غارة الله منه
    يفعل كذا بالقتيل
    إذاً فالقصيدة تعد إضافة جديدة متميزة تضاف الى شعر الغناء الصنعاني , وتجعل اسم الجابري حاضراً ضمن رواد التجديد في هذا اللون الشعري العريق في القرن العشرين .
    وحازت القصيدة الشرف في أن يكون الملحن والمطرب لها أستاذا وباحثا ومثقفاً هو ألأستاذ /محمد مرشد ناجي أطال الله في عمره الذي يضيف بلحنها الحميني لحنا جديداً , ويسجل بصوته مساهمة أضافية تسجل حضوره والشاعر في قائمة الذين جددوا وأضافوا وحافظوا على هذا اللون الذي يعد أروع ألوان الشعر الغنائي في الجزيرة العربية شعر الغناء الحميني / الصنعاني .

    الحلقة الثامنة والأخيرة
    على امسيري
    هذه القصيدة التي لحنها وغناها الأستاذ/ محمد مرشد ناجي وتعد من أشهر أغانيه، بل ومن بين ألأغان اليمنية التي لاقت وما تزال تلاقي حضوراًُ ورواجاً بين المتذوقين للأغاني داخلياً وخارجياً .
    إذا أستطاع (المرشدي) بفعل ثقافته الواسعة وقدراته الخاصة أن يعطيها الإخراج الفني في الجملة الموسيقية الذي تستحق و يتناسب معها منذ مطلعها :
    على امسيري .. على امسيري – ألا بسم الله الرحمن
    على امسيري .. على امسيري – ولا مؤذي ولا شيطان
    وكأن المرشدي هو الذي يحث العروسة على أخذ أهبة السير .. وخاصة عند ما يصل إلى البيت الذي يرحب فيه بوصول العروس حيث يخرجه بخفة دم كما يقال وبإيقاع يجسد الصور المشهدية للبيت الشعري :-
    ألا يا مرحبا (بش) وباهلش – وبالجمل ذي رحلبش
    والجميل في شكل لقصيدة هو أن لغتها تعددت – أقصد مفرداتها – فمفرداتها (أمسيري) إذا اعتبرناها (تهامية)
    يمكن تكن كذلك حيث يحل حرفي ( الألف والميم ) غالبا محل (آل) التعريف وأصلها (السير) ومثلها مفردات نحو( أمنهار) تقابل النهار و(أموادي) تقابل الوادي ، وهكذا حلت ( أمسيري) مقابل السير ، والجملة (على أمسيري) أيضاً من الجمل الشائعة في أماكن أخرى غير تهامة خاصة في أبين التي ينسب كثيرين أنها قصيدة أبينية .
    أن الشاعر ومن ثم الفنان عملا علي أنتاج عمل مشترك يضاف إلى قائمة الأعمال الإبداعية التي يكتب لها الاستمرار إلى أطول .مدى زمني بقطع النظر عن البيئة التي استمد الشاعر منها القصيدة
    كما يؤكد الجابري بهذه القصيدة سعة ثقافته واتكاءها على قاموس ومعجم اللهجات اليمنية , ودرايته بعادات وتقاليد المناطق اليمنية فمثلاً (على أمسيري ) جملة غالباً ما تتكرر في تهامة , وأبين . و( بش) و (أهلش) و (ذي رحل بش ) أيضاً يكثر استعمالها في أللهجة الدارجة الصنعانية , وبعض مناطق في البادية اليمنية
    والجدير الإشارة إليه في سطورنا هذه أن هذا الشاعر إلى جانب كتابته القصيدة الغنائية الجديدة الشكل والمضمون العابقين بنفسه الخاص ظل مهووس بالتجديد لأكثر من لون شعري .
    فيأتي بقصيدة جديدة الشكل لكن المضمون قد يكون مصدرها أو منبعها تقليد اجتماعي سائد أو عادة شائعة في مكان ما , وقصيدة على امسيري برهان على ما أقوله هنا إذا تعتبر عن لحظة معينة ومحددة هي اللحظة التي يقوم فيها القادمين من قرية العريس إلى قرية العروس لنقلها إلى بيت الزوج كما في مطلع القصيدة :
    على امسيري .. على امسيري – ألا بسم الله الرحمن
    على امسيري .. على امسيري – ولا مؤذي ولا شيطان
    .. لكن بقية الأقسام تتناول مرحلة الترحيب بوصولها والتغني بهذه المناسبة:
    فراشنا أموادي بالريحان ومن أجلش سرينا ليل
    على صوت الفرح والدان ألا حيا ملا الوديان
    سلام منى لمن أقبل على عيني وفوق الرأس
    قمر لا بان في المحفل سلب عقلي أنا يا ناس
    ألا لصو البخور والعود وهاتوا الورد يا أهل أمبيت
    وهاتوا لا معكم عود أباكم ترقصوا في أمبيت
    ألا يا مرحبا بش وباهلش ، وبالجمل ذي رحل بش
    إذا .. فالقصيدة تكاد تنتمي إلى أكثر من بيئة يمنية وتتجاوز حدود من يذهب إلى اعتبارها أبينية .. وأيان كان سكان أبين يعتبرونها على جري العادة بلهجتهم ــ فكذلك أهالي تهامة , وذمار وساكني صنعاء وكثير مناطق يمنية بفعل تعدد مفرداتها ومضمونها فهي ــ القصيدة ــ تكاد تنتمي إلى أكثر من منطقة , وصارت من قليل قصائد تصلح لأن تغنى , وتستوعب في ( تهامة ، وصنعاء ، ويافع ،.... الخ ) بدليل أنها تجاوزت حدود لهجة مفرداتها في الإعجاب بها عموم مناطق اليمن إلى خارجه من مناطق ودول شبة الجزيرة العربية .
    قصيدة يا عاشقين
    أيضاً لحنها وغناها ألأستاذ (محمد مرشد ناجي ) وتقديراً تعد القصيدة في شكلها وخاصة بعد الاستماع إليها مغناة بمصاحبة فريق تغطية (كورس ) أنها تنتمي الى اللون الحضرمي ومن أبياتها.
    يا بايعين الصبر يا عشقين – أنا با شتري من كم؟ يا عاشقين
    يا عاشقين يا عاشقين
    باعوا الوفا والود ــ خانوا العهد ما وفوا
    صاد قلبي برمية / بعد جفوا
    من بعد ما تم باعوا / ما عاد شيء يذكروه
    أصبحت ضائع سنين يا عاشقين

    قصيدة (دندني )

    وهذه القصيدة أيضاً تنتمي إلى الدان الحضرمي :-
    يا النجوم اللى في السماء ندني / معك معك يا حبيب وأين تبا شلني
    لا دنانير أبا منك ولا أبا جنية / مثل ما إنا احبك يا قمر حبني
    دندني دندني دندني

    عند الاستماع إلى الاغنيه بصوت الفنان الذي لحنها وتغنى بها الموسيقار الدكتور عبد الرب إدريس لا نشعر أنها من كلمات الجابري وإنما كأننا نسمع كلمات لشاعر حضرمي اللسان والمولد والنشأة ..يعرف خصوصية ألدان الحضرمي ومتطلبات موسيقاها التي تتصل بتراكيب لفظية خاصة به .. بل وكأن كلمات القصيدة محضارية .. خاصة عندما يقول الجمل التالية "عانك الله يا قلبي و عاناك معي"
    أنا بغيت الهوى لي . ما بغيت أغتني ..مثل ما أنا أحبك يا قمر حبني
    ذبت في نار وجدي ونار أضلعي – عانك الله يا قلبي و عاناك معي
    كم ضنى السهد جفني والجوى هدني – مثل ما أنا أحبك يا قمر حبني

    لأجل الدقة ثلاث قصائد من إجمالي (39) قصيدة عاطفية غنائية حرت في وضعها تحت الأقسام الثالثة التي جاءت تحت
    محور القصائد العاطفية وتوزعت تحت أقسام ( قصائد الشعر الفصيح – وقصائد شعر الغناء العدني ـ قصائد شعر الغناء التعزي )واضطررت لأن أدرجها ضمن هذا القسم الذي عنونته بـ (متفرقات أشعار الجابري المغناة ) و أعزو السبب في ذلك إلى عدم أطمئناني إلى اللون الذي تنتمي إلية هذه ألقصائد سواء من حيث الكلمات أو من حيث ألألحان وقد أرجأتها إلى حين زيارتي للأستاذ (الجابري) في الزاهدة , أو الأستاذ ( المرشدي ) في عدن لاسيما إذا ما صدر كتاب لهذه ألدراسة بعد أن ألح عليا كثير من الاصدقاء والمعجبين بشعر الجابري بجمع هذه الحلقات الثمان التي نشرتها صحيفة الثقافية مع إضافة وإلحاق بابين يكون الأول خاص بسيرة الشاعر والأخر ملحق بقصائده مؤرخة وممكنة كيما يكون الكتاب أكثر دقة وهو ما أنوى القيام به أما القصائد الثلاث فهي :
    شيى لله
    لحن وغناء بن مرشد :
    مالك كذا يا أهلي يا نور وصلك غلي
    غليت وصلك على –
    يا بوي أنا شي لله
    قلبي مولع بكم – ليش تقطعوا حبكم
    والود باقي لكم – يا بوي أنا شيى لله
    القصيدة الثانية ألا يا طير
    أيضاً لحن وغناء ( محمد مرشد )
    الا يا طير لو تندي الجناح / بشلة يوم وبحمل به الجرح
    إلى المحبوب في صنعا / غزاله في الجبل يرعى
    يعدد في النجوم تسعه / وما حد منهم سمعه
    والقصيدة الثالثة هي ( يا ساحري .. يا هاجري )
    .. صحيح أن مفرداتها فصحى .. بيد أن ما أرجأني عن إيرادها ضمن قسم الشعر الفصيح هو تقنية البناء الخارجي في شكل القصيدة الذي غالباً ما يكون شعر الغناء الحميني أشبه به وأن كنت أميل إلى أن القصيدة (يا ساحري ) ضمن أشعار الجابري الفصيحة لا سيما وأن الذي لحنها الأستاذ المرحوم أحمد بن أحمد قاسم ، وصدحت بها حنجرة الفنانة (نبيهة عزيم ) ويقول مطلع القصيدة:-
    يا ساحري يا هاجري / أنت الذي في خاطري
    يا ساحري يا ها جري
    الطير لو غنى في الربى / وأنشد بالحان الصبا
    هاج الحنان في خاطري
    هلا ذكرت قصائدي / والشوق والأمل الطري
    يهفو إليك بناظري

    استدراك لما قبل الختام

    أكون بنهاية هذه الحلقة قد استعرضت المحور الأول الذي سيكون عنوانه في الباب الأول (الفيض العاطفي ) الذي يعد الشاعر أحمد غالب الجابري عميد القصيدة العاطفية الصادقة في اليمن بكل ما تحمله هذه الجملة من معنى ودلالة .
    حيث قسمت تقريباً (39) قصيدة إلى أربعة أقسام ( فصيح – عدني – تعزي – أخرى"متفرقات " ) وقد وزعت تحت كل قسم من هذه الأقسام القصائد الخاصة به عبر الحلقات الماضية وأشكر كثيراً صحيفة الثقافية على سعة صدرها وصبرها لنشرها عبر ثمانية أعداد من صفحاتها ...مع العلم أنني وجدت قصائد أخرى يحتمل نسيتها أو لم تكن لدي أثناء هذه الكتابة .. سأقوم بضمها للكتاب بعد التحسس لقصائد أخرى أكيد يحتفظ بها شاعرنا الجابري .
    ايضاً أستدرك فأشير أن هذا العمل( لم يتناول بالتحليل والتفكيك كل أبيات كل قصائد الجابري إلا بالقدر الذي يمليه واجب الضرورة الذي تقتضيه مسوغات الدراسة ألاستقرائية والانطباعية لأشعار ه حيث .. وقد بينت ذلك في معرض كتابتي في أكثر من حلقة وأكدت ان العمل يتمحور في الأصل وبداية حول تبويب وتصنيف أعماله الشعرية واستقراء بعض من تجربته الإبداعية ، وإسهاماته في التجديد , والتطوير للشعر الغنائي اليمني , والإضافة إليه .. وأثبت بالمناقشة أنه المؤسس الأول لشعر مدرسة الغناء التعزي قبل كثيرين ممن عرفوا من شعراءها الكبار كـ (الفتيح ، والصريمي والفضول ، والشيباني ، والمخلافي أبو ماهر .. وغيرهم ).
    لهذا لا تزال ثمة جوانب فنية , وسمات كثيرة خاصة بلون مدرسة الجابري الشعرية زاخرة بالمزايا التي تستحق إعادة القراءة .. تجاوزتها لعل غيري يلتفت ناحيتها بالدراسة والتحليل والكشف عن متمظهراتها الجمالية والفنية .
    قبل الأخير .. ثمة حلقات باقية ودراستها مخطوطة تتناول المحور الخاص بـ (شعر الجابري الوطني ) وقد جمعت منها (11) قصيدة احتمال كبير أقوم بنشرها في إحدى الصحيفتين الثورة أو السياسية كيما أعدد مراجع التوثيق والنشر لدراسة شعر الجابري .. مع خالص اعتذاري للشاعر أحمد الجابري على أي قصور ظهر في هذا العمل أتمنى تلافيه متى شرعت في إنزاله في كتاب .
    هوامش :
    1ـ الجابري عاطفة تحتضن الوطن .. عنوان اختاره زميلي الكاتب الناقد والشاعر سلطان عزعزي.
    2ـ ملف خاص أعدته صحيفة الثقافية في عددها 472.
    3ـ كتاب حكايات وأعاني للأستاذ والفنان الكبير محمد مرشد ناجي
    4ـ موسوعة الشعر الغنائي اليمني في القرن العشرين .
    5ــ الجابري في منتدى باهيصمي .... أخبار اليوم .. على الخديري.
    6ــ بعض أشرطة غنائية صادرة عن مؤسسة 13يونيو للتسجيل والتوزيع الفني خاصة ب( أيوب طارش ـ محمد مرشد ناجي ــ عبد الباسط عبسي ).
    7ــ كتاب شعر الغناء الصنعاني للدكتور محمد عبده غانم .

  • أحمد الجابري: عاطفة تحتضن الوطن

    أحمد الجابري: عاطفة تحتضن الوطن

    مدخل:
    قرابة أشهر أربع.. وأنا أتحين فرصة سانحة للكتابة عن شاعرنا الكبير أحمد غالب الجابري على إثر ملف كانت الثقافية قد نشرته في العدد (472).
    ورغم أنني سررت كثيراً بالزيارة التي قام بها كل من معد الملف محمد أمين الشرعبي، ومحمد نعمان الحكيمي، وحمود الجائفي إلى مدينة الراهدة , والالتقاء بشاعرنا الكبير.
    الجهد الطيب الذي بذله معدي الملف لمك يقارب ولا قيد أنملة القيمة الحقيقية لعطائه , ونتاجه الإبداعي.
    جاء الملف دون الذي يفترض منهم أن يبحثوا عنه ليوثقوا جوانب أخرى كثيرة نحو سيرة الشاعر الإنسانية والاجتماعية أو الإبداعية.. وكم سيكون رائعاً أيان أضافوا دراسة أو قراءة تستعرض ملامح تطور تجربته الشعرية , وتحولاتها تبعاً لصيرورة الظروف التي عاشها .. فشعره في القاهرة ـ أثناء دراسته مرحلة الثانوية فالجامعية ـ غيره الذي كتبه عقب عودته إلى عدن , وغير الذي كتبه وهو في تعز ثم بعد ذلك في المهجر.وإغفال هذه الملامح هو ما أجبلني أنقد الزملاء قصدية تنبيههم لعدم إغفال مثل هكذا أمور سآتي عليها لاحقاً.
    وليت الأمر توقف عند هذا الحد فثمة أخطاء ما كان يفترض أن تحدث أثناء الحوار وقع فيها الشرعبي الذي أثبت أنه لم يكن على دراية ومعرفة كافيه بنتاج الجابري الشعري بقوله : " نجد أن أيوب طارش غنى للجابري أكثر من أحمد قاسم ومن أي فنان آخر؟ "
    وهذا غير صحيح على الإطلاق .. حتى وإن صحح الجابري بالإيجاب على سؤال ما.
    لا ريب أن عوامل عدة أحياناً قد تؤدي إلى وقوع المتحاور معه في خطأ كعوامل " الكبر في السن "، أو النسيان ، وعامل غالباً ما يقع فيه الصحفيين ككثرة تقفز المحاور من سؤال إلى أخر وكأن الهدف هو الحصول على معلومة أية معلومة جاهزة في رأس الصحافي ويريد التأكد منها ليس إلا .
    ذلك ما لمسته وبرهن على أن الاستعداد للالتقاء بالشاعر لم يكن كافياً.. بل أن محاوري الجابري لم يكونوا على دراية البتة بأغلب ـ إن لم اقل كل ـ إنتاجه الشعري.
    وكان يكفيهم العودة على الأقل إلى مجلدات موسوعة شعراء الغناء اليمني في القرن العشرين فقط – على رغم ما فيها من أخطاء ونقص في نشر نتاج كل إبداعات الشعراء- لكنها قمينة أن تعرفهم أن ما تغنى به الفنان أحمد بن أحمد قاسم لقصائد الجابري بلغت (19) أغنية تقريباً ، يليه محمد مرشد ناجي بـ (11) أغنية ، ثم يأتي أيوب طارش ثالثاً بـ (8) أغاني كما أبانت الموسوعة .. ثم محمد سعد عبد الله بـ (3) أغانٍ , وتوزعت بقية قصائده الباقية بين فنانين من قصيدة إلى قصيدتين وهكذا.
    لهذا ظللت أتحين فرصة سانحة للكتابة كيما أصحح تلك الأخطاء من ناحية ، ومن ناحية أخرى قراءة بعضاً من إسهامات الجابري في تطوير بُنية القصيدة الشًّعرية الغنائية ، والجدل في أن الجابري يعد المؤسس للقصيدة الشعرية الغنائية التعزية ، بتبْيئية قصائد أخرى أحتسبت على مدرسة ما بينما تنتمي من عديد زوايا واعتبارات قوية للقصيدة التعزية ، ومن ناحية ثالثة حتى أُبرئُ ساحتي الكتابية من تهمة المساهمة في تغييب قامة إبداعية كبيرة خلاقة بحجم وقامة الشاعر الكبير أحمد غالب الجابري الذي لم تتناول تجربته الشعرية أية دراسة منصفة لاسيما وأنها تنوعت , وجددت , وأسست للون غنائي فكان له فضل السبق في تأسيسه.
    # كيف نقرأ تجربة الجابري الشعرية؟#
    إن قراءتي التالية لمجموع القصائد الشعرية .. كتبها الأستاذ أحمد الجابري خلال نصف قرن وبضعة سنوات.. جمعتها إما من كاسيتات الفنانين ، أو من موسوعة شعراء الغناء اليمني في القرن العشرين أو من كتاب حكايات وأغاني للأستاذ محمد مرشد ناجي .

    وعدد القصائد التي في حوزتي(50) قصيدة فقط من إجمالي إنتاج الشاعر الذي لا ريب أنه يتجاوز هذا العدد .
    أثناء الاستغراق في قراءة هذه القصائد لفيت أية قراءة تقييمية أو نقدية لتجربة شاعرنا الإبداعية ستكون قاصرة وغير منصفة لجملة من الأسباب منها:-
    أن ليس ثمة كتاب يضم الأعمال الكاملة الإبداعية يمكن الاعتماد عليها في دراسة ومتابعة تطور تجربة الجابري الشعرية .
    أن ما كتب عن أعماله لايفي ولايُشبع الباحث في أدب الجابري شيئا. إذ .. كل ما كتب عن نتاجه لايلامس الأزمنة الوجدانية التي كان شاعرنا يَعمُر أثناء لحظات دقائقها شكل القصيدة من أبياتها وجملها ومفردات اللبنات التي ابتنت منها كل قصيدة من قصائده . عدا قراءة واحدة من أديب وشاعر جايل الجابري خصوصاً ( الأربعين سنة الأخيرة ) هو الدكتور سلطان الصريمي الذي نشر بضعة حلقات كانت جد رائعة عنه في صحيفة التجمع. غير أن دراسة (الصريمي) تركزت وتمحورت حول كشف الصور الشعرية والأساليب الفنية للجابري .. ولم تتناول التنوع الشعري في إنتاجه .
    لهذا وجدت صعوبة في تبويب وتقسيم أعماله وفي استقراء تطور تجربته الشعرية إلى الحد الذي يمكن معه تقديم قراءة ممنهجة ودقيقة تكون بمثابة مرجع لمن سيلينا من أجيال يستطيع الوقوف والاستفادة من تجربته الشعرية .. ومكمن الصعوبة في أهم بعض المعلومات الأساس واللازمة وذات الصلة بقصائده نحو:ـ
    الزمن الذي كتبت إبانه القصيدة .
    المكان الذي كتبها عليه.
    المناسبة أو الأجواء التي كتبت في ثناياها القصيدة
    إن قراءة تجربة المبدع أي مبدع لا يَستقيمُ تقييمها ما لم يقف الباحث أو الناقد أو القارئ الكاتب على معرفة ثلاثية مرتكزات الاستقراء النقدي (زمان، ومكان، ومناسبة القصيدة). أو أن تكن ممن صاحبه خلال فترة حياته .ولأنه لا شيء من هذا القبيل توفر لنا.. فان استقراء تجربته الشعرية ستغدو غير منصفة له بأي حال من الأحوال , وسيكون الصعوبة إعطاء تقدير استقرائي قريب عن جوهر ومضمون البواعث التي خلقت هذا النص.. حتى تتدون مثلثية مرتكزات الاستقراء لكل قصيدة من قصائده.. يحتمل لهذا السبب جاءت دراسة الصريمي أفضل قراءة حتى الآن في استقراء وتحليل بعضاً من سيرة الجابري الإبداعية لكونه من مجايليه .
    من كل ما سبق ألتمس العذر من شاعرنا الكبير إذا ما وقعت في خطأ الاستقراء أو تبيئة قصائده التي نسبتها إلى غير ما شيع عنها أنها تنتمي إلى هذا اللون الشعري الغنائي أو ذاك .
    تلك كانت بعض ملاحظات حول ضرورة أن يدرك الباحث أهمية أن لايتجاوزها في فعل الإستقراء لنتاج الجابري المتنوع تنوع التضاريس , والمجتمع اليمني، والمتباين تباين الأمكنة التي أحتضنته في ارتحالاته تحت ظلال الحزن بحثاً عن بلاد لا تعرف إلا شيئاً واحداً فقط هو "الحب".
    لهذا أجدني ملزماً في هذا الإستقراء القيام بإعادة توزيع إنتاجه الشعري إلى محورين سأتناول في المحور الأول قصائده العاطفية وفي المحور الأخر قصائده الوطنية.. مذكراً أن هذه القراءة أرتكزت على (50) قصيدة فقط من إجمالي قصائده.

    أولاً: قصائد الفيض العاطفي
    من إجمالي قصائده الخمسين هناك (39) قصيدة عاطفية ..ذهبت إلى تصنيفها في أربعة أقسام هي ( القصائد الفصحى، والقصائد العدنية، والقصائد التعزية، والقصائد الأخرى).
    (أ) قصائده الفصحى المغناة :
    تميز شاعرنا الكبير في أنه وهو يكتب قصائده لتغنى خاصة القصائد الفصحى أن تكون طربية دون أن تفقد إنتمائها للفصحى. وبالعودة للقصائد الفصحى المغناة فإن أشهر قصائده هي تلك التي تغنى بها الفنانين الكبار كـ (أحمد بن أحمد قاسم) الذي غنى له من القصائد الفصحى ثلاثة قصائد هي:-
    *- كيف أنساها ليالي.. ويقول مطلعها:-

    كيف أنساها ليالي بات يرعاها خيالي/ ويغني القلب فيها بأهازيج الجمال
    يا ليالي ... يا ليالي
    كيف أنسى يا حبيبي عهد حُبي /والهوى النشوان في روحي وقلبي
    جنحت ألحانه في كل درب/ في حنايا الشوق في قلب المحب
    يا ليالي ... يا ليالي
    لا توجد مفردة غير فصحى.. كما لا نستطيع أن نقول أن القصيدة صنعانية (حمينية) ولا أيضاً هي عدنية أو حضرمية.. الخ. إذ لكل لون شعري غنائي من هذه الألوان قواعده الخاصة به التي تميزه عن اللون الأخر.. حتى وإن جاء اللحن حديثاً بصوت أحمد قاسم أو عدني فهذا لا يعني بالضرورة أن القصيدة عدنية.. كون الأخيرة تتألف غالباً من كل الألوان الغنائية المعروفة في اليمن أومن بعضها.وأحياناً من اللالوان الوافدة من خارج اليمن ( مصري/ شامي / هندي ) فالأغنية العدنية ربما تكونت من كل تلك الألوان الطربية .
    إذاً فالقصيدة فصحى هي وقصيدتين آخريتين غناهما أحمد قاسم .
    يقول في مطلع *الثانية :ـ
    حنانيك رفقاً فلا تقتلي / صبابات عمر الهوى الأول
    فبعدك عني وقد كان لي/ من الوصل شيء ولم تجملي
    تجاوزت في البعد و المنتأى/ وما النأي هكذا أن تفعلي.
    *أما مطلع القصيدة الثالثة :-
    أحببتها يا ليتها عادت وعاد الحب لي / لكنها ولت وألقت بالهوى لم تسأل
    *هناك قصيدة رابعة فصحى عنوانها (يا زائري )
    لحنها وتغنى بها الفنان وديع هائل.. قصيدة صغيرة لكنها جداً رائعة :
    يا زائري يا طائري أيقظت كل مشاعري / أسعدتني وغمرتني بشذى الوصال ألعابري

    (الحلقة الثانية)
    قصيدة لا تخجلي( إليها ):
    قصيدة " لا تخجلي" كما ورد اسمها في الموسوعة أو ( غليها ) كما ورد في كتاب ـ حكايات وأغاني ـ الأستاذ المثقف والفنان المبدع محمد مرشد ناجي .."القصيدة شغلت الصحافة العدنية وأثارت جدلاً بين الكتاب والقراء والشعراء سآتي على حكايتها لاحقاً ".
    تؤكد هذه القصيدة موهبة وقدرة الجابري على بناء مفردات القصيدة القوية دونما توجد صعوبة في فهم القصيدة، كما تؤكد ثقافته وإلمامه ومعرفته بالقصائد العربية الغزلية وكأننا نستمع إلى شاعر عباسي أو أندلسي وهو يقول:
    لا تخجلي.. ودعي الخمار.. دعيه لا تتصنعي
    أيسوءُ أني قد طلبت أنا الهوى بتسرعي
    وخشيت أهلك إن دروا أن قد أتيت هنا معي
    أشار المرشدي في كتابه أن القصيدة وصلته في مايو 1960م من الجابري الذي كان يدرس في القاهرة , والى جانبها رسالة أقتطف منها هذه السطور .
    " ولا تظن أنني أدعو كقضية مجردة في بلادنا , وضمن نطاق الظروف التي تحيط بالمرأة والرجل على السواء , بل أدعو على احترام الرجل للمرأة والحب , وهي دعوة لا يمكن الكتابة عنها في هذه المناسبة كما أن قضية السفور في حد ذاتها قضية تحتاج إلى كثير من التوضيح , ولى موقف معين منها , وباختصار ليست معزولة عن قضايا أخرى لها الأهمية الأولى عند الرجل والمرأة .. المهم أنني أتمنى أن تنال رضاك " ( )
    يقول المرشدي : كان أول من أطلعته على ( إليها ) صديقي الشاعر الأستاذ محمد سعيد جرادة .. وقد استشاط غضباً وكتب على ظهر الورقة ما يلي :
    " عزيزي .. سأكون شاكراً لو أعطيتني هذه القصيدة اليوم لأرد على هذا الشاعر بقصيدة من نفس رويها , وميزانها .. أرجو أن تعيرنيها "
    المهم أن القصيدة " ثار عليها من ثار وأيدها من أيد و أصبحت حديث الناس في كل مكان واستمر الجدل حولها في صحافة عدن لشهرين أو يزيد ووصل الأمر إلى حد المهاترات واتهم الأستاذ محمد الصباغ القصيدة بأنها " تشجع بناتنا على الخروج من قواعد الأدب وتشجع الخطيئة والدعوة الصريحة إلى الفساد الصارخ المستهتر بالمثل والأخلاق ............. الخ ".( )
    رائعة الجابري وأيوب "عاشق الليل"
    من القصائد التي تماهى الفنان الكبير أيوب طارش في صناعة ترانيم كلماتها وفي تأديتها قصيدة "ياعاشق الليل".
    وكيف لن تكون رائعة أيوب وهي أقرب قصائد الجابري إلى قلبه حد ماجاء على لسانه في معرض حواره مع الشرعبي( ) .
    ما أزال أتذكر أنها كانت أفضل كلمات , وقصائد وألحان ألبوم صدر نهاية عقد الثمانينات إلى جانب أغنيتين للفضول (وافي العهود , والوطن المضياف) وأغنية تراثية "غزال رامة لحيدر آغا" و خفيف الروح لحسين البار.. ولجمال إخراجها , وتوزيعها موسيقياً لم يجددها أيوب طارش في الألبوم الذي تلى هذا الألبوم مباشرة بعد بضعة شهور تقريباً بالعزف على العود.. لنتأمل في هذه الأبيات منها:-

    ياعاشق الليل.. ماذا أنت تنتظر؟ / نامت عيون العذارى.. واختفى القمر
    تسامر النجم.. والأطياف حائرة / تحوم حولك ما تدري... فما الخبرُ؟

    عرائس اللحن ضاعت.. أين سامرها ؟ / وأين منها الهوى والليل والوتر؟
    أمست لياليك حيرى لا يحركها / شوق ولا موعد يأتي ولا خبرُ.
    كثيراً ما تعكس الأعمال الإبداعية صورة الواقع وتكشفه على حقيقته بأكثر من وجه.. بل وتكشف الخلفية التي بسببها قد تفقد الأعمال الكبيرة حقها من الانتشار والذيوع والشهرة.
    إن قصيدة "يا عاشق الليل " لا تقل في شكلها الفني البنيوي عن كثير قصائد عربية غنائية أشتهرت سواء في كلماتها أو في لحنها وتأدية أيوب لها.
    لكن في زمن الافتقار للذائقة الجمالية , وسيطرة أفكار الربح والخسارة، والثقافة الهابطة والموسيقى الفارغة من (مضمون الروعة وإرتقاء درحات الانزياح الروحي).
    في زمان انسحاب قيم الجمال تموت داخل ذواتنا (كل الأشياء الجميلة).. وليست فقط قصيدة الجابري والفنان الذي لحنها وتغنى بها.
    ولأن الترويج الإعلامي للإبداع اليمني مفقود..مفقود.. مفقود.. فمن الطبيعي أن لا يُعرَّفُ بإنتاجنا الذي يفوق إنتاج أغلب دول عالمنا العربي (ليس التراث والإنتاج الشعري الغنائي فحسب) بل وسائر إنتاجنا الفكري الأدبي من شعر وسرد.. ولن أولاً أطيل بأكثر من ذلك.. يكفي أن أسوق هذه المفردات التي انتقيتها من القصيدة :
    ما عاد للأمس غير الآه تعصره / ثوباً من الشوق فيه القلب منصهر
    ماذا تفيد دموع العين تذرفها / أيرجع الدمع ما أودى به القدر
    هي الحياة جمال حين نعشقها / ويستطيب بعين العاشق السهر
    ومن القصائد الفصحى تغنى أيوب طارش بقصيدة دينية بعنوان (شهر الصيام).
    وكذلك قصيدة أخرى رائعة لا أعرف الذي لحنها وتغنى بها يقول مطلعها:-
    كوني كما شئت يا حسناء واتئدي / فإن مثل فؤادي قط لن تجدي
    أخيراً: فيما يخص قصائد الفصحى الجابرية هنالك القصائد الوطنية غير العاطفية التي تناولتها في هذه الفقرة. وهي قصائد فصيحة سنأتي عليها لاحقاً أثناء استعراض قصائد الجابري الوطنية.. وبالإجمال أتمنى من الباحثين والدارسين الأكاديميين إيلاء قصائد الجابري الفصحى من الدراسة ماتستحقه لكونها لاتقل روعة عن كثير روائع شعر الحب في تراثنا العربي.

    ( بـ ) شعر الغناء العدني
    سيكون من الخطأ بل والخطأ الكبير أن تنسب مجموع من قصائد أشعار الجابري إلى مدرسة شعرية غنائية معينة نحو شعر الغناء العدني الجديد.
    إذ.. ليست كل قصائده المغناة (عدنية).. ربما كانت أكثرها عدنية لكن ليست كلها .
    أيضاً ثمة أشعار غالباً ما تحسب على أنها عدنية من قبل كثيرين كـ ( مُعدي , ومقدمي برامج السهرات الغنائية التلفزيونية، والإذاعية ) ، بل أن بعض الكتاب يقعون في هذه الأخطاء لمجرد أن هذه القصيدة أو تلك قد تغنى بها الفنانين الكبار المؤسسيين للأغنية العدنية كـ " أحمد قاسم" أو الأستاذ محمد مرشد ناجي، أو فنانين من مدينة عدن.

    بالنسبة لي " إن ما يحدد أصل أو نسب( انتماء) الأغنية لهذا اللون الغنائي ليس الإيقاعات أو الألحان فحسب بل ما يسبق التنسيب لبيئة الأغنية وهو القصيدة بكل مكوناتها .
    فقد تنسب إلى مدرسة غنائية معينة بينما هي غير ذلك ـ مفرداتها , و كلماتها , و أفكارها ومضمونها الثيميائي ــ تنتمي إلى بيئة أخرى.

    لهذا أثناء عملية فرز الـ "51" قصيدة من إجمالي إنتاج الجابري وجدت أن القصائد ( الفصيحة / فصيحة) هي (8) قصائد تقريباً ذكرتها في قسم شعر الغناء الفصيح.
    لكن بعد تمحيص وتدقيق استخرجت ما يمكن أن نقول عنه بأنه من أشعار الغناء العاطفي (العدني عدني) فوجدتها (14) قصيدة.
    وقد توزعت بين فنانين هما أحمد قاسم الذي تغنى بـ (11) قصيدة، ومحمد سعد عبد الله الذي تغنى بـ (3) قصائد.
    وعندما يسأل أحدنا وأين (المرشدي ) ؟ .. سأقول له انتظر حتى نكمل بقية حلقات هذه القراءة الشبه منهجية .
    ولذا تغنى احمد قاسم بنصيب الأسد من قصائد الجابري وبدأ معه منذ نهاية عقد الخمسينات عندما كانا الإثنان يدرسان في القاهرة فانطلقا من أغنية .. الميه والرملة :ـ
    الميه والرملة / تشهد على حبِّي / نبله على نبله / مغروزة في جنبي
    با ذكرك بالبحر/ والليل في صيرة / وأخاف عليك الجسر/ يفلت من الغيرة/ الميه والرملة.
    النجم ما يهوى / يكبر على النظرة / والحب ما يسوى / يا عيني بالمرة الميه والرملة.
    ثم كتب له بعد ذلك أغانٍ شهيرة نحو:
    يا مركب البندر يا مركب البندر / سنتين بستني سنتين بستني فيك حبيب الروح
    وأغنية :
    يا قمري بنا شو سويت أنا / استاهل ضَنى/ خاف الله وتوب/ ليه يالهجر ذوب/ تتحمل ذنوب.

    وأغنية:-
    كانت وكان الحب/ يجمع هوانا زمان
    أصبحنا من غير حب/ كان يا ما كان

    وأغنية:-
    حياتي أنت يا روحي/ ويا أحلى مادام أهواك
    ذا أنت الحب أول حب/ وآخر حب يا روحي
    وذا اللي عمري مش ممكن/ أذكر أننا أنساك
    حياتي أنت يا روحي/ قدر أكبر من الأيام.
    وتتالت كذلك قصائده لأحمد قاسم مثل أغاني "غصب عني يا حبيبي" ، " ويقولوا الناس و يحكو لي كلام ويطول ومالوش حد" ، وأغنية " رجعوني للعيون الحلوة ثاني/ فكروني باللي راحوا من زماني/ بالحبايب واللي غايب بالمودة والحناني"
    وأغاني أخرى نحو " أمره إلى الله" و " شبكني الحب " و " خصامك زاد".

    أما محمد سعد عبد الله الذي عرف واشتهر بأن أكثر أغانيه كانت من كلماته وألحانه، أما أغانيه من شعراء غيره فهي قليلة وتكاد تكون معدودة منها ثلاثة أغان كتب كلماتها شاعرنا (الجابري) وتعد من روائع أغاني محمد سعد.
    الأولى: أغنية جوال.. يقول مطلعها :-
    قلبي مع الشوق في بحر الهوى جوال
    وأنا مع الشوق في بحر الهوى جوال

    بامشي لآخر مدى عمري وانا جوال
    ما همني الشوك يد مني، ولا.. النار
    جوال.. باكمل المشوار
    والثانية: أغنية حساس
    ليش استويت حساس أكثر من اللازم
    من شان كلام الناس تصد وتخاصم
    من كلمة تزغل.. زعل.. تجرح شعوري دوب
    لكن مهما حصل با قول عليك حبوب
    والثالثة : من زمان أشتي
    من زمان أشتي أقل لك.. بس خايف من زمان
    كنت ناوي أشتكي بك.. أشتكي غدر الزمان
    تلك كانت أشهر الأشعار العاطفية المغناة والمنسوبة إلى اللون الغنائي العدني عدني.
    وهنا أشير أن اللون الغنائي العدني يعتبر اللون الوحيد الغنائي المركب من عدة ألوان غنائية أخرى يمنية وغربية فكلمات أشعاره غالباً ما تكون أقرب إلى اللهجة المصرية والشامية وألحانه عبارة عن إيقاعات وتراتيل مكونه من متأثرات الألوان الغنائية اليمنية المتعددة والهندية والعربية. لهذا حسبت فقط (14) قصيدة للجابري السابقة على أنها عدنية عدنية من تشابه أو اقتراب مفرداتها مع ومن مفردات اللهجة المصرية، وسنتعرف على تفاصيل أكثر إثر الانتهاء من قراءة الحلقة القادمة الخاصة بالأشعار التعزية.. لا سيما وأن هنالك ثمة لبس في اعتبار بعض قصائد على أنها (عدنية) بينما هي تعزية تعزية ولنا القرائن التي تؤكد هذا التبيئ .

    الحلقة الثالثة
    شعر الغناء التعزي
    قصيدة .. أخضر جهيش :
    قد يطول هذا المحور الخاص بشعر الغناء التعزي والسبب لما فيه من جدل حول أن الجابري هو مؤسس الاغنية وهو ما أجزم به " أن شاعرنا الجابري يعد المؤسس الأول لشعر الغناء التعزي" لسبب بسيط هو أن دقة تاريخ كتابة قصيدته الشهيرة التي لحنها وغنى بها الفنان الكبير محمد مرشد ناجي وهي قصيدة "أخضر جهيش" يعود إلى وقت مبكر حيث يعتبرها الجابري أول قصيدة له تلحن ويتغنى بها الفنان (المرشدي) ومن المعروف أن الشاعر الدكتور سعيد الشيباني أيضاً كتب قصيدة "ياطير يارمادي" وتغنى بها نفس الفنان.. لكن تاريخ "أخضر جهيش" يعود لـ(1957) وتاريخ "بالله عليك ياطير يارمادي.. تفرد جناح تروي بلادي" يعود إلى عام( ) ومع أن الأديب (محمد عبد الوكيل جازم) يقول أن عمرها يعود لعام (1958).. إلاَّ أن الجابري يعد الأسبق.
    قصيدة " أخضر جهيش" تعزية اللون من عدة جوانب منها:-
    مفرداتها (جهيش، علوه (عليه)، ليتنا (ليت أنا)، شاسير خلاله (سأسير جواره)، شتخبره (سأستخبره)، ننحنا لمن؟ (نحن لمن)، خلي تنشر (سار بعد الظهر). وغيرها من المفردات.
    هذه المقردات منها مايدل على أنها من خارج عدن (جهيش) وهي سنابل الذرة بمختلف أنواع فصائلها تشوى فوق الجمر ثم تصفى وتؤكل. وعدن ليس فيها (جهيش) بل أن هذه المفردة لاتتكرر كثيراً في مناظق أخرى.. تعز وبعض المناظق المتاخمة لها من محافظات إب والضالع ولحج والحديدة التي تستخدمها حينما تكون حبوب الذرة خضراء قبل أن تيبس وتجف أو تحصد.
    كما أن كلمات (علوه) وليتنا، وشاسير، شاتخبره... الخ مفردات دارجة في اللهجة التعزية. وبما أنها كتبت أي القصيدة – قبل قصائد الشيباني فيكون بذلك شاعرنا الجابري هو الشاعر المؤسس لشعر الغناء التعزي بصرف النظر عن الذين تبوا قبله قصائد تعزية.. فإلى حين اثبات أعمالهم قبل الجابري.. هناك سأتراجع عن قولي هذا. ومن الظلم أن يتنازل الشاعر نفسه عن هذا الحق الفكري لمجرد أنه كان يعيش في عدن أو لأنه من مواليدها..
    بما أن مفردات القصيدة ومضمون أفكارها ينتمي إلى مكان آخر غير عدن نحو
    (أخضر جهيش مليان حلا عديني بكر غبش شفته الصباح بعيني
    يملي الجرار ريق الندى رحيقة يروي ظما من ضاع علو طريقه .
    أن خيال شاعر لم يكن في عدن وهو يشبة فتاة قلبه بالسنابل الخضراء الرطبة النظرة
    المركوب بالماء امتلاءاً وكأنها مثل سنابل العدين المعروفة بسمكها عن سنابل ووديان اليمن الأخرى.
    فجهيش الجابري (فتاة قلبه) رآها مبكراً (غبش) وهي تملي الجرار بريق الندى رحيق الجهيش تروي ظما من ضاع عليه الطريق.
    إن قوةوتزاحم الصور الجمالية –هنا- لم تولد في شارع من شوارع عدن أو بحرها أو أحيائها وإنما ولدت من ريف قروي يسكن في مخيلة الشاعر هو ريف تعزي. حتى الجمل في الأبيات التالية لاتستخدم بكثرة سوى في تعز
    ياليتنا ظله (شسير خلاله) عند الطريق (شتخبره لحاله)
    ( قلبي كُرب) وزاد من كريبه كيف يصطبر والناس تشوق حبيبه.

    ياريت عدن مسير يوم:
    أيضاً هذه الأغنية كيف تحسب على اللون العدني.. إذ .. كيف يسافر المقيم في عدن إلى عدن؟
    كانت عدن قبلة اليمنيين جميعاً قبل ثورتي سبتمبر وأكتوبر.. وكان السفر إليها محفوف بمخاطر ومشقة الطريق.. ومع أن الجابري من مواليدها إلاَّ أن والده من قرية (الهجر) بفتح الهاء والجيم) بمديرية القبيطة- قرية قريبة من الراهدة- وقد نما وتربى الجابري وهو يستمع إلى حكاية السير من والده إلى عدن ومن الذين كانوا يكثرون السفر إليها وخصوصاً ريف تعز: وبهذا التشكل تمخضت عبقريته الشعرية عن قصيدة تلقفتها الآذان، ورددتها الأفواه، وحفظتها القلوب حتى صارت مضرباً كالأمثال (عدن..عدن.. ياريت عدن مسير يوم شسير به ليله ما شرقد النوم).. وحتى في هذه القصيدة يؤكد على إنتماء القصيدة إلىمكان غير عدن بقوله:
    وجه المليح طلعت قمر على الجاح
    يضوي الصباح من بسمته ويرتاح
    والجاح جبل في الأعبوس يطل على سهل الراهدة .. وليس في عدن بالإضافة إلى أن (قضية) ما تعبر عنه القصيدة (الغياب) هو في عدن بإعتبارها حاضنة الغائل عن قريته.
    نوح الحمام تبكي بنار عذابه
    من يوم سرحب أسأل على غيابه
    محلى السمر جنبه وعود أخضر
    لو قد نسى قوله له لمو تكبر
    وقضية الغياب ليست غياب عن عدن بل غياب عن مكان قروي في عدن والشاعر يعبر هنا عن نار البعد وعذاباته، منذ سرح الحبيب إلى عدن، بل أنه يغوص في تفاصيل دقيقة جداً عندما يختزل في بيت شغري بسيط أبعاداً ذاتية خفية حيث يحكي في بيت صغير حكاية خلاصتها أن الحبيب الذي سافر إلى عدن: طال غيابه، وانقطعت أخباره، ولم تعد تأتي منه رسائل وها هي المرأة المقيمة في القرية تتمنى لو أن الطريق إلى عدن مسير يوم.. كانت سوف تسير نصفه .. ستختار الليل لتصل إلى الحبيب.. لكنها وهي عاجزه هنا عادت تخاطب الحمام الطليقة الباكية، وتنادي نفسها "ما حلى السمر جنبه وعود أخضر"، وهنا يعرض آثار الغياب شاعرنا مقتحماً أغوار النفس التي يقرأ في ثناياها الصورة المخيفة من أثر الإبتعاد .. فأحياناً ينسى المفارق قريته أحبته حد القسوة أما نتاج ضياع في المدينة وإما نتاج تغير في نمط حياة الغائب جعله يتكبر على قريته.
    وهذا ما كشفه الجابري في قوله:
    لو قد نسي قول له لمو تكبر؟
    ومرة أخرى أضيف: أن مفردة "سرحت" مفردة دارجة يكثر إستعمالها في تعز وتعني "سافرت"، غادرت، هاجرت، رحلت.
    وكذلك مفردة "لمو" تعني "لماذا".
    إن كلمات ومفردات وأفكار وموضوع القصيدة يضعها في وبين الأغاني التعزية وبذلك يكون الجابري أول من كتب القصيدة الغنائية التعزية، ثم الشيباني سابقين بذلك الفضول وغيره من شعراء الأغنية التعزية بسنوات ليست قليلة.

    هربوا جا الليل :
    ما قلته في إحتساب قصيدة "أخضر جهيش" التي تغنة بها المرشدي، وقصيدة "ياريت عدن مسير يوم" التي غنى بها أحمد قاسم هو نفسه الذي أؤكد عليه في قصيدة "هربوا جا الليل" أيضاً غنى بها أحمد قاسم .. من حيث مفرداتها وموضوعها ومصدرها .. والغريب أن الجابري المولود في عدن يثبت في هذه القصيدة قدراته الفردية –الذكاء – الغير عادية .. ما يدل على أن لديه ذاكرة فائقة، ونهم كبير منذ نعومة وعيه .. ظل رغم نموه في عدن يعيش في أجواء القرية التعزية .. داخل أسرته وأهله نستشف هنا مدى كثرة المغادرين تعز ومناطقها إلى عدن – كان الجابري يحفظ منهم الزوامل التغزية والقصص المروية فكان على إتصال دائم بكل ماله علاقة بتعز إلى درجة أنه ألتقط مطلع زامل تعزي وأضاف إليه أبياتاً من من مخيلته الإبداعية .. حتى أن حناجر الرعية وعمال الفرحة أيام الحصاد في كثير من المناطق لم يعودوا يتذكرون من الزامل القديم إلا المطلع فقط الذي يقول:
    والله ما روح إلا قاهو ليل، واعشي واصبح وابن عمي الليل.
    لكن الجابري الذي كتب القصيدة كاملة جعل كل من يعمل في الحصاد دون استثناء في جميع قرى محافظة تعز خصوصاً قرى مديريات الحجرية وبفضل كلماته يزملون بها .. القليلون جداً الذين يعرفون أنها هن شعر الجابري، والكثيرون يظنون أنها من التراث التعزي.
    كما أن هذه القصيدة محسوبة على شعر الغناء العدني- العدني، مع أنها لا علاقة لها بشعر الغناء العدني بأدنى صلة بدليل ما يلي:
    هن حيث مفردات القصيدة كلها تندرج تحت اللهجة الدارجة التعزية.
    والله ما أروح (أعود) .. الا .. قاهو ليل (قد هو ليل) .. قادرينا (قد ذرأنا) .. هربوا جاالليل (إهربوا إلى منازلكم فقد جاء الليل) .. مو يفيد (لا فائدة)، نصرب (نحصد) .. السوم (طرف الحول أو حافته) .. هذا من حيث المفردات نلحظ أن جميعها تعزية.
    ومن حيث موضوع القصيدة لا ينتمي إلى عدن بصلة إذ هو عبارة عن زامل يردد في أمكنة وزمان معين .. فالأمكنية هي حقول الحصاد وهي في الريف الذي يتكلم أهله بتلك المفردات أي ريف تعز،وأما الزمان فهو وقت الحصاد الذي يلي شهر آب أي شهري أيلول سبتمبر وتشرين الأول أكتوبر، حيث يحصد الناس سنابل الدهن والذرة.. وهذا الزمان والعمل لا يوجد في مدينة عدن وإنما في ريف تعز.
    وعلى ضوء ما سبق فإن القصيدة تعزية وليست عدنية حتى وأن تغنى بها أحد رواد الطرب العدني الفنان أحمد قاسم.
    فرحتي يا رب قا ذرينا الحب والجهيش في آب – هربوا جاالليل.
    العيوب تحلم .. والنعيم أقدم .. هيا يا ابن العم – هربوا جالليل.
    أخلص بشأن الأغاني الثلاث (أخضر جهيش)، و (ياريت عدن مسير يوم)، و (هربوا جا الليل) أنها قصائد تعزية في مفرداتها الدارجة وفي أغراضها الشعريةالمستهدف منها التعبير عن نمط معين وأزمنة معينة في بيئة معينة.

    الحلقة الرابعة
    أيوب والجابري

    أحتل أيوب طارش المرتبة الثالثة بعد أحمد قاسم والمرشدي حيث تغنى للجابري بقصيدتين فصيحتين هما (يا عاشق الليل)، (شهر الصيام)، وأنشودة وطنية هي (لم كل هذه القناديل تضوي لمن؟)، أما بقية القصائد الخمس الأخرى فإنها تندرج تحت عنوان شعر الغناء التعزي.
    والباحث الدار سفي أدب شعر الجابري سيكتشف التحول في وحدانية الشاعر منذ مغادرته مدينة عشقه الأول عدن إلى تعز، ومن أول قصيدة كتبها الجابري بعد أسبوع تقريباًمن وصوله إلى مدينة تعز.
    #أشكي لمن؟#
    ثمة خلفية من الضروري الإشارة والمرور عليها قبل مناقشتنا رحلة الجابري وأبوب طارش لما لها من تأثيرات في تجربة الجابري الشعرية بعد إستقراره العام 1972م في تعز.
    وهذه الخلفية هي ان الشاعر ولد في مدينة التواهي العام 1937م، أكمل تعليمه الإبتدائي في مدرسة التواهل، ثم الإعدادي في (الروزميت) بكريتر وسافر في الخمسينيات إلى جمهورية مصر العربية.
    وتحديداً العام 1953م حيث أنهى الثانوية العامة في القاهرة.. وبعدها ألتحق بجامعة ا لقاهرة كلية التجارة قسم إدارة أعمال .. وتخرج منها بشهادة بكالوريوس عام 1966م ، وكان من زملائه حسب إفادة – الشاعر علي مهدي كلتي (3) – "كان من زملائه (عاطف عبيد) رئيس وزراء جمهورية مصر كان يسبقه بسنة دراسيةواحدة .. وعندما عاد إلى عدن ألتحق بمهنة التعليم في ثانوية خورمكسر ثم أنتقل بعد الإستقلال إلى المعهد التجاري التابع ل "Institute Technical".
    وخلال هذه الفترة من دراسته في اقاهرة حتى عودته إلى عدن أنتضجت إمكانياته الفكرية والثقافية وأحلامه الوطنية كجيله، لا سيما ,انه عاصر عدداً من الشعراء الكبار ورواد التنوير الأوائل أمثال د.محمد عبده غانم، ولطفي جعفر أمان، ومحمد محمود الزبيري، ومحمد سعيد جرادة، ود. سعيد الشيباني وغيرهم.
    وكما أفاد الجابري نفسه في الملف الذي نشرته الثقافية عنه: أنه يعزو الفضل في تشجيعه ودعمه إلى لطفي جعفر امان، وعبد الله فارع فاضل، وخلال هذه الفترة كتب الجابري قصائدة الشعرية التي زاحمت شعر (لطفي جعفر أمان) الذي شكل مع أحمد قاسم ثنائياً رائعاً ومتميزاً فكان ثاني شعر يتغنى أحمد قاسم بكلماته بعد (أمان) هو شعر الجابري الذي وصلت عدد أغانيه المختلفة العدنية والتعزية والفصحى وألوان يمنية أخرى ووطنية قرابة العشرون أغنية، ويليه الفنان المرشدي ب 11 قصيدة.
    إن الشاعر الذي ذهب إلى القاهرة في عصرها الذهبي ثقافيا ومدنية، وتجرع منها جرعات أحلام الحرية والإنعتاق والقومية .. وتعصرن بمتغيرات ووعي تلك الفترة وهناك أحتك بأبناء اليمن الطامحين لحياة أفضل والذين كانوا بمثابة زبرة وخلاصة أبناء اليمن المتعلمين يومها.
    من كل ذلك التراكم والإحتكاك تشكلت تجربة الجابري الشعرية بإستلهامه.. وظهرت أثاره في شعر أغانية العدنية وخاصة في اغانٍ مثل "الميه والرملة" ورجعوني للعيون الحلوة، وشبكني الحب وغيرها من قصائده التي ذكرتها في قسم شعر الغناء العدني آنفاً.
    عاد الجابري إلى عدن وعمل في التعليم ثم حدث الإستقلال وهنا بدأت إيقاعات الحياة تأخذ مجرى آخر، وتدخل في منعطفات جديدة وأخذت الأمور تفرض متغيرات على حياة مجتمع جديد ومتغيرات مخيفة.. ثمة صراع بين رفاق النضال "ثمة موت" وبصيغة آخرى ذهبت الثورة تاكل أبناءها.. وتغيمت أجواء الحياة وتلبدت بضباب الرؤية.. ثمة مفاهيم جديدة ترسم مسار الحياة السياسية نتائجها مبهمة ومرفوض العمل بها بصرف النظر عن سلامة إجراءاتها أو الخطأ بفرضها، كان من أسبابها هجرة وهروب رأس

    المال ونكوث بريطانيا عن التزاماتها المالية ناحية الدول المستقلة فكان التأميم، الذي طال ممتلكات غالب محمد الجابري مبقي له الشيء البسيط.
    يغادرمربيه الحياة مبكراً يتوفى أستاذه ومشجعه لطفي جعفر امان ثم توفى والده ولم يجد الجابري قيمة لمؤهلة الجامعي في ظروف بالغة التعقيد صار الفتى المدلل الذي أبتعثه والده إلى القاهرة على نفقته الخاصة صار الثوري الرديكالي لايعرف عن ثوروتيه ورديكاليته، وكل من لايتفق معه فهو رجعي ومتخلف وربما عميل أو عدو..
    في ظروف كهذه يفقد الشاعر قيمته أولاً كشاعر، وجامعي متخصص في إدارة الأعمال ثانياً، وثالثاً يفقد استاذه الذي سجن بعد إن كانت قصائد تذكي حماس الثوار ويموت بعدها ويلحقه أبيه الذي كان سنداً له وهنا يقصد تعز.. حتى مؤهله الجامعي تركه في عدن.
    خلال الأسبوع الأول له في تعز ذهب إلى صديقة الشيخ محمد علي عثمان الذي قال له وهو يستقبله:
    في واحد أسمه أيوب طارش يشتي منك أغنية وأنت معروف أنك تكتب الأغنية منذ عام 57م وأيوب يتمنى أن تكتب له لأن عنده ظرفاً معيناً، ولأن الفضول سحب منه أغنية "وافي العهود" ويشتي أغنية ثانية على نفس الوزن والقافية بدل وافي العهود.
    يقول الجابري في حواره لـ "الثقافية": وكنت أنا قادماً من عدن إلى تعز فكتبت له "أشكي لمن" بنفس الوزن والقافية.
    إستقراء لحظة تحول التجربة
    عند العودة إلى كلمات القصيدة نكتشف مدى التحول الذي تمخضت عنه التجربة الشعرية الجديدة عند الجابري في كتابة القصيدة الغنائية في الظروف الجديدة التي باتها في تعز وبعدها في هجرته إلى دول الخليج العربي.
    ما الذي نكتشفه من أول لقاء بين أيوب والجابري عام 72م في أغنية أشكي لمن؟
    من الحديث السابق الذي طلب فيه الشيخ محمد علي عثمان من الجابري قصيدة لأيوب سنكتشف أن قصيدة الفضول من مطلعها يقول:
    طاب اللقاء واحبيب القلب وافي العهود
    نلاحظ على الرغم من ان قصيدة الجابري أشكي لمن؟ جاءت على ذات الوزن والقافية غير أن موضوعها يختلف جملة وتفصيلاً عن موضوع قصيدة وافي العهود.
    فليس الجابري بالذي يقلد أحد أو يقتبس فكرته من أحد ولا أدري هل كتب القصيدة في اول جلسة مع أيوب أم بعدها أم إثر حديثه مع الشيخ محمد علي عثمان؟ الأهم أنه كتبها خلال أول اسبوع له في تعز.
    وعودة إلى بدء نستطيع قراءة تجربة الشاعر منذ مطلع القصيدة "أشكي لمن" ونستطيع إستقراء الخلفية التي أرتكزت عليها هذه القصيدة فقد عبر الجابري عن كل أوجاع قلبه وعن أحزانه وعن فراقه عدن وأحبابه وعن الظروف التي عاشها وأجبرته على مغادرة مدينة (الميه والرملة) الشاهدة على حبه وعن فقدانه أبيه، ومعلمه ( لطفي أمان) بكلمات حزينة فتسائل منذ بداية البيت الأول:
    أشكي لمن وانجيم الصبح قلبي الولوع _ لاذقت راحة ولا جفت بعيني الدموع
    من يوم غاب خلي واعذابي انا _ والشوق ذايب في قلبي في حنايا الضلوع

    كان حزنه بليغاً وقاسياً وهو يقول:
    لا ذقت راحة ولا جفت بعيني الدموع
    أو في هذه الجمل من أبيات القصيدة:
    كم قرح في السهد جفني واعتراني الضنى؟ أفنيت عمري سدى

    أبكي زمان مضى، أسأل عليَّ دموعي والليال شهود، اسنب الليل، فرق الأحبة قدر مابعده إلا الضنى، يكفيك ياقلب.
    ثم يأتي الأمل الذي غالباً مايكون حاضراً في قصائد الجابري بعد أن يبوح بما يعاني منه:
    كفكف دموعك وخلي العمر يفرح بنا_ لاتبك ماضي ولا تسأل على أمسنا
    خليك سالي عسى بكره يكون الرجوع
    وعسى هنا هي الأمل الباقي وتعني الوجوب والتأكيد على الرجوع في ذات يوم من الأيام أي الرجوع إلى عدن حتى وإن كان المعنى أشمل من ذلك لكن الأصل في وعي الجابري العودة إلى عدن.
    إذاً أستئنف شاعرنا بهذا التعاون المثمر مع ايوب طارش رحلة جديدة.. رحلة فرضتها ظروف ما سواء لأيوب أو لشاعره الجديد.. لأيوب من حيث أنه وجد شاعراً طليقاً في سبك الشعر الغنائي لايقل عن الفضول في شيء.. شاعر تغنى بقصائده عمالقة الأغنية العدنية واليمنية مثل احمد قاسم، والمرشدي، ومحمد سعد عبد الله، ومحمد عبده زيدي وغيرهم.. شاعر له قدراته وملكاته الخاصة ورؤاه و تعبيراته عن وجدانيته برقة نادرة.
    أما بالنسبة للجابري فقد وجد في أيوب عزاءه الوحيد في معاناته التي حملها بين جوانحه من عدن إلى تعز.. وفي أن هذا الصوت قادر على إلتقاط ما في نفس الجابري من آهات وتأوهات.. وكأن أيوب كان في تلحينه لـ "أشكي لمن وأنجيم الصبح" يقرأ أغوار الجابري، ويعبر عنها بذلك اللحن والأداء البديع.
    وبإحلال هذه القصيدة كل قصيدة الفضول.. كتب لها أن تتأخر مايزيد عن خمسة عشر سنة حيث ظهرت نهاية الثمانينات بتوزيع موسيقى في شريط محل أسمها "وافي العهود" وبعد موت صاحبها الفضول.
    مما سبق في هذا القسم "شعر الغناء التعزي" للجابري نكون قد أوضحنا جملة من الحقائق التي كانت ملتبسة بشأن بعض القصائد المحسوبة على لون غنائي غير لونها الحقيقي، وبالتالي أعدنا الإعتبارات للشاعر من خلال تأكيدنا أنه المؤسس الحقيقي لشعر الأغاني التعزية قبل الشيباني والفتيح والفضول والصريمي ومريد وغيرهم.
    ربما كان هنالك من سبق الجابري في كتابة القصيدة الغنائية التعزية إلا إن الموجود من نتاج الأغاني قبل المرشدي وأحمد قاسم وأيوب طارش ومحمد أحمد بشر الذي كان وظل ومات مغموراً لم أعثر بين أغانيهم مايدحض زعمي من ان الجابري هو مؤسس الأغنية التعزية بأغنية المرشدي "أخضر جهيش" فيكون الجابري الشاعر المؤسس بالكتابة الشعرية، والفنان محمد مرشد ناجي باللحن والتأدية الغنائية، وسأكون سعيداً حينما يدحض باحث هذه الحقيقة بشرط أن تناقش ما أوردته من مبررات في هذا القسم.
    كما أن أغنية وقصيدة "أشكي لمن" تؤرخ لنقطة التحول الجديدة في رحلة تجربة الشاعر الجابري وكذا لأيوب طارش في إثبات عبقريته التلحينية موهبته وقدراته بالقول من أن الفضول كان يتدخل في ألحان أيوب وتعديلها "بدليل أن أيوب هوذا يلحن للجابري وقرابة خمسون شاعراً عشرات القصائد" تعد من روائع شعر الغناء اليمني في القرن العشرين.. صحيح أن أيوب والفضول شكلا ثنائياً رائعين بيد أن ايوب كذلك شكل مع آخرين كالمخلافي عثمان أبو ماهر وعبد الحميد الشائف وأحمد الجابري ثنائيات آخرى وبصماتها الإبداعية واضحة في إنتاج وتركه وتركه أيوب طارش الغنائية.

    الحلقة الخامسة
    ما وراء شهادة أيوب طارش
    سجل أيوب طارش لصحيفة الثقاية شهادة عن الجابري أنقلها هنا بتصرف بقوله:
    " إضافة إلى أنه "أي الجابري" أديب فهو مؤدب بالأصل.. تلمس طيبته وسكينته من أول لحظة تقابله فيها.. كتب القصيدة الغنائية قبل الفضول بأعوام ولكنه لم يحظى بالدراسات والإهتمام بالقدر الذي يليق به الآن أو قبل وهو جدير فعلاً بذلك.. وقصائد الجابري كانت تلامس وجداني منذ الوهلة الأولى، وتدخل قلبي دون إستئذان فأقضي مع كلماته الساعات والساعات كي اصيغ لها لحناً يناسبها".
    وفي معرض هذه الشهادة أكد أيوب طارش أن الفضول وصف الشاعر الجابري بـ"أنه شاعر رقيق".
    أشياء عدة وراء كلمات أيوب في هذه السطور سنأتي عليها عبر فقرات هذه الدراسة المتواضعة.. إلا أن ماينبغي التأكيد عليه هو إنسانية وأخلاق وطيبة الشاعرالتي أنعكست على تجربته الشعرية كلها سواء في المرحلة الأولى من 1957م حتى عودته مكن القاهرة العام 1966م , والمرحلة الثانية التي بدات من هذا العام وانتهت العام 1972محيث بدأت مرحلة ثالثة من أغنية "أشكي لمن" ومرحلة رابعة هي المرحلة التي بدأت بعد خروجه من تعز الى دولة خليجية .
    وتكاد في المرحلة الثالثة تنحصر قصائده بتلك التي لحنها وغناها أيوب طارش و عبد الباسط عبسي ما عدا قصائد قليلة تقريبا مثل قسمة ونصيب و"عاشق الليل" وقصائد أخرى اتمنى لو أعرفها .
    تتسم جميع قصائد المرحلتين الثالثة والرابعة بالرقة البالغة وعبرت بصدق عن ارتحال العمر تحت ظلال الأحزان بحثاً عن الحب والحنان .. فتكاد تكون هذه المعاني هي الصبغة التي تلونت قصائده بها في هاتين المرحلتين من بعد 1972م وهذا أيضاً هو الذي نلمسه من وراء شهادة أيوب طارش حيث (طيبته وسكينته ...... وقصائد الجابري كانت تلامس وجداني منذ الوهلة الأولى ) فطغت معاني الصبر والحب والأمل، الحزن والضناء و البكاء على كثير أعماله من قصيدة "أشكي لمن"، وما تلتها من قصائد نحو:
    خذني معك
    تناولت هذه القصيدة التي موضوع الغياب في أولى درجاته التي تبدأ من ليلة الوداع حيث الحبيبة تقول : لمن سيفارقها "خذني معك" وقد ظهرت الأغنية في فترة كان الغياب أو الاغتراب موضوع اشتغال الأدباء خاصة الشعراء في عقد السبعينات فعبروا عنه وانعكاساته على جوانب اجتماعية وسياسية واقتصادية .
    ولنتابع كيف صار الجابري ينتقي مفردات مختلفة عن تلك التي كان ينتقيها في تجربتيه السابقتين في القاهرة و عدن.
    خذ من عيوني ماتشا شفديك بروحي يارشا
    كيف شفرقك وانت الذي سكن بقلبي بالحشا خذني معك
    ولعت قلبي في الهوى واضنيتني في ذى الجوى
    هالك بحبك ماعليك ظامي حبيبك ما ارتوى

    ضاعت الأيام
    على مدى فترة ليست قصيرة ظلت أغنية "ضاعت الأيام" منسوبة عند كثير من العوام على أنها من كلمات الشاعر عبد الله عبد الوهاب نعمان "الفضول" خلا القليل من المهتمين بأمر معرفة صاحب العمل الإبداعي كالكتاب والشعراء.

    والقصيدة نزلت في البوم غنائي ضمن قصائد "هل عادك حبيب، وحبنا عطره فريد "ضوء القلوب" وعاصي الهوى و الثلاث من قصائد الفضول , وساعي البريد لـ (عبد الولي محمد الحاج ) , وقصيدة ضاعت الأيام أو طائر الأشجان او ايش معك كما اشتهرت بين الناس".
    وأستطيع الجزم أن هذه القصيدة احتلت مكانة في نفوس وصدور محبي فن أيوب طارش لا تقل عن مكانة قصائد الفضول هذا إن لم يكن تأثيرها العاطفي اقوي .
    و يحتمل السبب كما قال أيوب طارش "لأن شعر الجابري يلامس الوجدان منذ الوهلة الأولى" ولأنه شاعر رقيق كما وصفه "الفضول".
    ويحتمل بالإضافة إلى هذا أن الشاعر كان جد صادق الإحساس في التعابير الشعرية و عن همومه نبضات وجدانه , ولأنه في كل الأحوال شاعر متمكن من زمام السيطرة على أدوات كتابة القصيدة الشعرية.. فهو يعرف متى و كيف يلتقط القصيدة ؟
    فالشعر عنده " لا يكتب بالحبر وإنما ينقش بالضوء، ويولد بالمعاناة، وينتهي بالوضوح والتدفق النظمي غير المتقطع" كما جاء في حواره بعدد الثقافية 472.
    وكما عرف هو الشعر على غلاف مجموعته الشعرية التي صدرت بعنوان (أغلى من القمر) التي تضم اثنتي عشرة قصيدة (سألني احدهم: ما هو الشعر؟ قلت له: ليس للشعر تعريف, ولكن له وجود, فالشعر انفعال الدهشة, نحس به ولا ندركه والشاعر إنسان يحس بالبكاء فلا يبكي, ويشعر بالسخط فلا يغضب وهذه دوافع الانفعال بالشعر, فإذا
    ما تعلقت عيناك في الهواء أمام لوحة زيتية على جدار او امتدت يداك, دونما وعي منك, إلى ديوان شعر, او شعرت بارتخاء في عضلاتك المشدودة لرائحة عطر أخاذ من زجاجة.. فاعلم انك لا تصنع هذا بوحي إرادتك وإنما هي الدهشة تجعلنا هكذا أما إذا كنت غير هذا او ذاك.. فرداً عادياً لا تثيره العيون, تهزه الأنامل ولا تحفر في قلبه روائح العطر فلا تنتظر مني شيئاً لأنني لا أبيع في حانوت ولا أقامر في ملهى).

    وصدر إهداء مجموعته بالقول :)الإهداء: إلى أستاذي الشاعر لطفي جعفر أمان الرجل الذي علمني كيف اصنع الحروف عالماً, بلون القمر الفضي ليمتد بي عبر كل محيط وفوق كل سماء, اعترافاً مني بالجميل".
    ومن تعريفه للشعر ومن إهدائه الجميل وشهادة أيوب له بتلك الكلمات ندرك خاصة في هذه القصيدة أن الشاعر الذي احتضنت عاطفته الوطن كله ظل في وعيه الباطني وعاطفته المبطنة غير مقتنع بالصورة التي تظهر جل الأشياء في هذا الوطن.. ليست الحياة هي التي كان ينشدها تكنها الناس هي هذه .
    وعندما يتلفت الشاعر إلى ما حوله ، ويستنكر ما يراه لا يملك غير الكلمات بها
    يعبر عن همومه إلى حد اللجؤ إلى جلد ذاته وكأنها المتسبب وهو يعاتبها.
    لهذا جاءت كلمات هذه الأغنية أكثر الأغاني قرباً من قلوبنا.. وفيها من الحزن ما يروي ظمأ الاحزان .

    ايش معك تتعب مع الأحباب يا قلبي وتتعبنا معك
    لا الظنأ يروي ظما روحي ولا الدنيا بعيني توسعك
    وجمال القصيدة "أن القلب" في هذه المفردات كائن مستقل عنَّا وله حياته الخاصة .. لكن ثمة علاقة قائمة بين المرء ككائن كلي , وبين قلبه ككائن كلي أخر , وقد يكون من مقتضى هذه العلاقة عند الجابري فك الارتباط عن الحياة مقابل الخلاص من التعب أو الضنى لذا بدأ تساؤله "ايش معك.." بدليل يخاطب قلبه ككائن في البيت الرابع.
    خذ حياتي لاتعذبني بأشجانك، وتضني مضجعك
    شفني وجدي فكم أضنى الجوى روحي واشجى مسمعك
    علَّني حبك واضناني بلامعنى وأحرق أضلعك

    ليتني اقدر على النسيان ياقلبي وتنساني معك

    وقد وصل الجابري في هذه القصيدة كما يقال إلى درجة "التسلطن" أو الذروة حد ماكتبه (د. سلطان الصريمي) لأنه أنتقل من مخاطبة القلب إلى مخاطبة الطير"
    طائر الاشجان مايشجيك في تيك الربى؟ من لَّوعك ؟
    تشتكي مثلي ضنى الأيام في حبك وتبكي مربعك
    من لأحراقي وأشواقي يطفيها ويمسح أدمعك ؟
    أيش معك غير الذي عندي يكفيني ويكفي ما معك ؟
    أحياناً نلاحظ التناص يكاد يكون قوياً في عديد من قصائد الجابري.
    بيد أن هذا التناص لايمكن أن يكون على سبيل الإقتباس أوالسرقة فالتجربة الابداعية التي تعتمد سواء في أي من أنواع الشعر أو السرد الحكائي غالباً ما تتوقف أو تنتهي عند قليل من النتاجات الابداعية كون صاحبها لا يكتب عملاً إبداعياً إلا بفضل فكرة اقبسها من هذا العمل أو سرقها من ذاك العمل . ومع أن هذا الإقتباس مشفوع له مادام مبيناً غير أنه عند الشاعر الجابري غير ذلك تماماً.
    نلاحظ تناصات الجابري مغايرة وإن كانت تحيلنا إلى تماثلات في قليل من الأحيان في بعض انتاجاته الشعرية.. لكن هذه الإحالات تكون في معظمها إما أنها جاءت على سبيل الحفاظ عل

  • قصة

    [b]
    متوسدة وجه الليل

    منصور السروري ..

    ثمانية اسابيع على الرغم من انقضائها منذ غادر القرية.. غير أن تفاصيل مشاهد ذلك اليوم الأخير لاتزال ماثلة بين عيني هند.. خاصة عندما تقف أمام شيء ترك بصمته عليه مقترنة بلمسته داخل خزانة وعيها.. كلما مرت جوار تلك الأشياء تسمع تنهداته فيها وعلى نحو أخص عندما تخلد إلى الفراش.. تتداعى كل تفاصيل الليلة اليتيمة حيث أصبح فيها مودعاً للقرية.. تلك الليلة ظلت كعادتها صامتة.. مثلما هي الآن تحس بها تماماً.. ان يده اليمنى الآن تمتد تحت رأسها، وهاهي ذي اصابعه تروح وتغدو متخللة ثنايا شعرها تارة وأخرى تنحدر عند شفتيها.. إنها الآن تقبل الإبهام، ثم السبابة والوسطى ثم الخنصر والبنصر، تنقلب هند على جانبها الايسر.. تقترب أكثر منه تلف يدها حول الوسادة.. تضمها إلى صدرها.. تقبّلها.. اللعنة على هذه الوسادة كيف خدعتني فقبّلتها.. على أنها عبدالباقي.. تجر نهدة.. ثم تعود من جديد مستلقية على ظهرها.. مرة ثانية.. تحس أن ذراعه تمتد تحت رقبتها، وأصابعه الخمس تلهو بين ثنايا شعرها.. ثم تنعطف خلف أذنها.. تثير رغباتها العارمة الجوع إلى ضمة داخل حضنه.. لكن سرعان ماتهدأ فورة هذه الرغبة مؤقتاً على إثر مجيء وقع صوته من تلك الليلة اليتيمة.. حيث ذهب يرسم في الأفق الحالك السواد مشروعات سيقدم على البدء بتنفيذها حال عودته إلى المدينة.. تجر هندة نهدة اعمق من سابقاتها اللامعدودة.. ومن جديد تنزلق ذاكرتها فتقع مرتطمة فوق سقيفة الدار النائف على كل منازل وبيوت القرية..
    ليلتئذ توسدا وجه السماء.. التف الاثنان تحت ملاءة حتى لاتؤذي لدغات البعوض تلك اللحظات المتدفقة بالشفقة التي أخذت تفيض وتفيض بصمت بينهما ساعتئذ.. وثمة سحب منفوثة في الفضاء الشاسع تسير ببطء ناحية جبال سامع والحجرية.. تجر هند نهدة طويلة.. جرت معها رغبة يائسة اثر تذكرها استراقات اصابعه الناعمة لمكامن الاثارة من بدنها.. فرحلت مع ذاكرتها.. كانا كلما تعانقا وتبادلا همس القبلات يتسلل القمر من بين السحب ويختلس الفرجة لكن سرعان مايفتضح من ضوء ابتسامته التي نزلت تبارك حبهما الأبدي وتوثق رباط اللهفة التي كأنها شرعت تواً في تلك الليلة اليتيمة.. لم تكن هند تعير ادنى الاهتمام لمايخلفه المطر في الطبيعة من جمال سوى في ذلك العصر الذي التصق بتلك الليلة.. ذهب القمر يسكب نوره الذهبي على اسطح الربى الصخرية الناتئة، الملساء فتنعكس عليها ألواحاً فضية متناثرة وترتسم داخل الحقول صفائح لمرايا ارتصت متجاورات وغير متجاورات.
    تلك الليلة.. لماذا تتكرر كل ليلة ؟.. لماذا وحدها تلك الليلة مازالت التفاصيل كلها متماثلة مع فارق كبير.. في ارتداء رغباتها لـ«عبدالباقي» كي تحضنه أو يحضنها - منكسرة ويائسة.. ومايؤجج وجدانها انها لمست فيه تحولاً وتغيراً واضحين عن المرات السابقة التي كان عليها عبدالباقي.. حينها كم تمنت ان يؤجل السفر لبضعة أيام أُخر ومازالت تتساءل: عن السر الذي وقف وراء ذلك التحول في سلوكه ؟
    صحيح أنه بعث الاطمئنان داخلها.. بيد ان المثير للقلق هو في ملازمته للصمت، وشرود ذهنه، وإكثاره من امتصاص سموم الدخان، والاختلاء بنفسه أوقاتاً طويلة.. هذا ليس عبدالباقي المألوف كلاماً مع الصغير والكبير، المتقد ذهنه مع كل الحركات، الساهر أغلب الليالي مع ابناء القرية خارج المنزل حتى الثلث الأخير من الليل..
    ان أرومته تغيرت دفعة.. ومع ذلك فهذا التغيير كان يروقها كثيراً، لاسيما في تلك الليلة اليتيمة حيث تعمقت في سويدائها شفقة ورحمة نحوه كأنها لم تعهدها غير في تلك الليلة التي اصبح فيها مسافراً.. وبينما هي تحلّق داخل سواد الغرفة.. تتوحد مرة ثانية مع وعيها على إثر صوت ثريا «أمه».. هاتي ماء يا امه.. حاضر حبيبتي .. تناولها كأس الماء.. ثم تتأكد من أن فارس لايزال مغطى تحت الناموسية.. تنهض وفي يدها مصباح وبهدوء تخبط بعوضه كانت محبوسة بين خيوط الناموسية.. وقبل أن تعود إلى فراشها أحكمت الغطاء فوق ثريا ولسانها يلهج بأن يحفظ الله أبناءها من مرض الملاريا الذي داهم البلدة وحصد العشرات دون هوادة وهاهي المقبرة لايكاد يمر عليها الاسبوع دون ان تستقبل واحداً أو اثنين اسبوعياً.. يارب تستر.. وتحفظ كل طفل من الملاريا.. هكذا ابتهلت هند هامسة في نفسها.. واستلقت من جديد متوسدة وجه الليل، ووجه عبدالباقي القابع وسط العتمة.
    ان أجمل ماراقها في عبدالباقي اثناء إقامته في القرية ملاعبته «فارس وثريا» لعبة القط والفار، وطوراً لعبة الذئب «الذئب.. «الذئب.. الذئب.. يابابا..» لاتخافوا يااولادي وتارة يقوم بدور الجمل فيحبو على يديه وركبتيه على قاعة الغرفة.. بينما الاثنان يتسابقان على من يمتطي ظهره أولاً.. وقد لاحظت هند إنه كان يحرص في كثير من الأحيان على أن تمتطيه ثريا أكثر من فارس.. فكان رده : أن فجوة الجفوة بيني وبين ثريا اكبر.. وينبغي ردمها.. وقد ناقشت فارس قبل ذلك ففهم.. أخذت هند المصباح وأضاءته.. تفقدت فارس وثريا النائمين .. اجترت نهدة ومن جديد توسدت وجه الليل.. هنا.. تدفقت ذاكراتها ناحية ذلك العصر قبيل هطول المطر حيث ذهب الثلاثة في نزهة إلى الوادي ظلت تراقبهما من فوق الدار.. انحدرا تجاه شعاب الجبل.. وعند أوبتهما لاحظت اشراقاً يذرع سحنة وجهه.. وثريا لاتكاد تفارق حضنه.. سألته عن سر تطور هذه العلاقة بينهما.. وهي التي لم تحاول حتى الاقتراب منه وترفض ان تقبله.. حتى عندما كان يلعب معها.. تظل أكثر عناداً على عدم تقبيله.. ؟.. أجابها: استلقيت طرف الساقية.. حاولت ان استعيد طفولتي ولو مؤقتاً معهما.. أغمضت عيوني وذهب خيالي بعيداً بعيداً.. وفجأة أحسست بشفتين صغيرتين دافئتين فوق خدي الأيسر.. تظاهرت بالنوم فوقعت قبلة ثانية فوق خدي الايمن.. لم استطع مقاومة فرحتي.. غير مصدق.. ثريا قبلتني دون توسل أوطلب.. فماكان مني الا ان ضممتها إلى صدري واخذت اشبعها قبلاً.. ثم أرميها في الهواء وأتلقفها.. وكانت كلمة بابا مثل نوتة موسيقية تعزف لأول مرة.. لهذا أنا سعيد.. سعيد جداً.. وبغتة .. صمت، ورويداً رويداً قطب وجهه ودبت القتامة تتسلقه فأردف بسخريته يغني خمس كلمات على وزن أغنية ساحلية .. خسارة.. ياخسارة .. خسارة.. ياخسارة.. غداً سوف أسافر » ثم يستتلي : المسكينة ماصدقت انني ابوها اخيراً.. وغداً ستلعن هذه العلاقة التي كانت أخذت تبتدىء تواً .. لكن سرعان ماستعود الجفوة بيننا من جديد.
    لاتزال الاجراس تقرع غرف الذاكرة المغلقة.. وترسم كل تفاصيل تلك الليلة.. طريقته في الحديث.. قهقهاته.. تحرشات اصابعه فوق مناطق اثارة رغباتها الصائمة.. وتتذكر حتى النساء الآتي جاءت توصيه ان يتفقد ابناءهن وان ينصحهم ان «يوقعوا رجال على أنفسهم.. فالدنيا ماترحمش أحداً.. والغلاء يزيد».. كما تتذكر كل رسائل القرية كرامة ارسلت بخطاب لخالد.. وغصون ارسلت بقارورة سمن لزوجها.
    تنتقد هند ذاكرتها على اجترارها تفاصيل ثانوية غير مهمة بالنسبة لها هذه الليلة.. تنصرف صوب غرفة داخل الدماغ كانت مغلقة.. لم يحدث ان حاولت فتح بابها منذ سبعة عشر عاماً.. صاح الديك معلناً ابتداءً الساعة الأولى بعد منتصف الليل.. صحيح أن النوم يعاف جفنها في أغلب الليالي كالعادة خاصة منذ سافر عبدالباقي قبل ثمانية اسابيع.. بيد أنها لم تفكر في أي لحظة ان تقترب من تلك الغرفة الموصودة في ذاكرتها.. فماالذي حدا بها ان تفتحها هذه الليلة .. هل كانت غبية عندما اختارت عبدالباقي من بين من تقدموا للزواج بها.. ؟ ماذا لو أنها اختارت عصام ابن غالب صاحب المال والاراضي ..؟ ماالذي جعلها ترفض احمد الذي يمتلك صيدلية في المدينة وعمارة مكونة من ثلاثة طوابق في كل طابق ثلاث شقق فخمة وداخل كل شقة خمس غرف وصالتان وحمامان ؟.. بل لماذا رفضت الاقتران بطارق.. ؟الذي توظف في العاصمة براتب يزيد على راتب زوجها بنحو عشرة اضعاف.. ويسافر كل عام إلى خارج البلاد المرة والمرتان والثلاث المرات لقد بنى منزلاً في القرية يعد الأجمل، وصرفت له سيارة تظل العيون ملتصقة فوقها دون ان تشبع من النظر إليها.. ويقال انه على وشك الانتهاء من تشطيب منزل جديد في أرقى احياء المدينة.. مااسم هذا الحي ياهند.. مااسمه ؟ على اسم قارورة ماء.. ايوه.. حدة.
    لقد سمعت زوجته قبل أيام تتحدث إلى شريفة انه سيأخذها حال الانتهاء من تشطيب البيت فتسأل روحها: لماذا اخترت عبدالباقي من بين كل هؤلاء ؟.. هل كان الحظ ؟ المكتوب ؟.. أم كنت غبية ؟ لم يضربك احد على القفا ليجبرك على هذا الاختيار.. لقد كنت الوحيدة التي اعطيت فرصة التفكير قبل ان تقرر اسرتك الموافقة.. ولو أنك امتنعت لما أجبرت على الاقتران به زوجاً.. تطرد هند من رأسها الارهاصات الشيطانية الغريبة وهي تتعوذ بالله من شر هذا الوسواس الذي خنس إلى داخل رأسها على غير دأبها كل ليلة : هل يعقل ان أكون على هذا القدر من السخافة ؟.. تتساءل هند مع هند .. هند الأولى جسد وهند الأخرى روح هائمة تسافر من الحاضر إلى الماضي.. الأولى تعيش الحاضر ومنفصلة عن الماضي بينما الثانية طليقة تنتقل بين الماضي والحاضر.. الأولى الآن اعضاؤها منفعلة تحس بها عندما تتفقدها.. فتجد أطرافها كأنها قابضة على الهواجس ان تتطاير.. وجفناها ملتصقان بالحاجبين، وحدقتا عينيها في غاية الاتساع.. نبضات قلبها متسارعة متسارعة.. واصابع قديها متوترة، متشنجة.. وجدت هند الثانية هند الأولى على هذه الحال فأمرتها ان تسترخي.. ثم شرعت تطرد عنها تلك المقارنات المجحفة.
    صحيح أن عبدالباقي أفقر أقرانه في القرية.. لكنه عندما تقدم لخطبتك كان الأفضل.. كأنك تتناسين ان بنات القرية طالما تمنينه زوجاً.. هل نسيت أنه كان موضوع حديثهن فوق بئر الماء وعند اجتماعهن في مهمة كنقل الحطب أو حصد الزرع ؟
    ان عبدالباقي كان ومازال زينة مجالس القرية.. إذا حضر مجلساً تظل القرية تتحدث عنه أياماً وأياماً.. حتى عاقل القرية الذي يستحيل اثنائه عن رأيه يتراجع عنه إذا كان عبدالباقي له رأي مخالف كل النزاع بين طربوش وطاهر اكبر شاهد على قدرته الفذة في الاقناع بعد أن أمضى الاثنان العقد ونصف العقد وهما يدوران في قاعات المحاكم دون جدوى من حل.. وللتأكد ان الخلافات قد انتهت بينهما.. هاهي رحاب بنت طربوش قد تزوجت منذ شهر بخالد بن طاهر.. لا.. لا يا هند .. انك لم تكوني مخطئة عندما فضلتيه على الطارقين باب قلبك.. هكذا انهت هند الثانية توبيخاتها للأولى التي كادت ان تؤخد على حين غرة.
    لم تعد تدرك عدد صيحات الديك ؟.. تدق ساعة الحائط ان مامضى من منتصف الليل ثلاث ساعات.. بدأت تثاءباتها تتلاحق.. تصنع المبرر المقنع في ان عبدالباقي ليس من الذين يتجاهلون مسئولياتهم أو التزاماتهم نحو عياله.. انه احرص الناس على عدم اهانة ابناث.. انه يعلم أننا معتمدون عليه في كل شيء.. كل شيء.. وليس لنا معيل غيره إذاً.. إذاً.. راتبه من المؤكد أنه قد ورّد أو اوقف.. وإلا لما تأخر في ارسال المصروفات ثمانية اسابيع.. لقد عاد أحمد صالح من المدينة امس وقال انه خزّن معه.. وأخبره أن المصاريف سوف تصل إلى القرية بعد اسبوع وانه يعاني من مشاكل في العمل.. بسبب كتاباته المهاجمة المنتقدة.. اذاً هو في ورطة.. الله يخارجه.. هكذا اسدلت هند الستار على أرقها المتوسد وجه الليل.. فارتخت اعضاؤها.. وفترت اطرافها.. وانبسطت حدقاتها المتقلصة فخار بدنها ووهن ذهنها واستأذنها وعيها لأخذ قسط من الراحة، فاستسلمت لمفارقة الروح مؤقتاً ولم تعد تدرك عند أي محطة في الذاكرة وقفت. [/b]

    • ‏15 أغسطس 2009
    • لا تعليق
    • لا تقييم
  • زفوك يابلدي الى الجحيم

    الاشجار تنتزع الجذور , وتعصب اغصانها حول رأسها وتتأهب للرحيل
    والجبال تركع لترفع الاوتاد المثبته أقدامها في بطن الارض
    وهي ذي تتلفت يمنة ويسرة لتحدد الى أي الجهات ستطير ؟
    وهاهي ذي تتزحزح لتطير
    كل جماد يتأهب للفرار
    ما خلا نحن المصنوعيين من ماء الجماد
    ......................
    لماذا يا وطني يتسابقون يزفونك الى الجحيم ؟
    يذبحونك على مركبة عواطفهم
    يصلبونك فوق مشانق احلامهم
    أه .......ياوطني المصلوب
    فتقوا عهر بلادتهم فوق زكاة صلاوتك
    ومضوا بدواثتهم يتقاسمون اشلاء جسد ك المتشظي
    حتى هربت كل الاشجار من اوديتنا
    وطارت الجبال من فوق اراضينا
    والهواء من سمائنا

    سمائنا التي بكت بمرارة انسلاخ
    ديار بلاد كانت موعودة ان تصبح قريباً جنة
    وطني .................................
    ا أأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأهه
    لم يغتصبك معتد
    وانما ثعالب أستنسلت من االضباع ؟
    واستنسخت من السباع

  • قصة .. ياأستاذ.... يااستاذ

    منــصور الســروري

    1

    أخذ يسير بتهاد ووقار غير معتاد داخل فناء المدرسة ناحية مكتب المدير.. يقرأ واجهات المبنى المدرسي النظيف..
    كل شيء كان جديد جديد.. فأثار مخلفات المقاول الذي بنا المدرسة والنجار الذي ركب الأبواب، والحداد الذي اشتغل النوافد والدرابزينات الحديدية على السلالم وجوانب الممرات ما تزال تشع باللمعان من أثر الرنج الأسود الجديد ومعجونه فوقها.. كانت ساحة المدرسة مثل فتاة بكر لم يطمثها من قبل يد العبث.

    ارتسمت في حوائط ذهنه صورة الساحة لوأنه كان مديرها فستكون بعد كذا شهر مقسمة على هيئة لوحة لصورة معلقة فوق جدار ما كأنها التقطت من أعلى نقطة إرتكاز في فناء المدرسة على إرتفاع مائة متر فجاءت الصورة في ذهنه .. ملعب كرة قدم المستطيل المحدود بصفين من أحجار البلوك الأبيض اللون وخلف الصف ممر الى جانبه ثمة دوائر موزعة على طوله بداخلها أشجار السرو الخضراء وملعب آخر لكرتي السلة والطائرة وبجانب الممرات المبلطة بالبلاط الحجري الأسود المؤدية الى مداخل أروقة المدرسة ثمة جزر خضراء من أشجار الغرقد تخرج من بينها أغصان اللبلاب المتحلزنة والمتسلقة خيوط الحبال الخضراء ناحية حواف الاسطح الثلاثة للمدرسة التي بنيتى على شكل حرف يو بالانجليزية.

    يتذكر مدرسة الحورش عام 1992م حينما كانت أشبه بحديقة جنائنية.. فكانت أجمل مدارس الأمانة، ومرت برأسه مدرسة رابعة العدوية بنظافتها وجمالها.. "ياليت تكون هذه المدرسة مثلها" هتف بأمنيته وخطى باتجاه المكان الذي يقود فيه مدرس طابور الصباح.

    يقف أمام الطابور.. لم يكن جميع المدرسين قد حضر.. كما ليس ثمة مشرفين إداريين أيضاً موجود.. فكان الطلاب لذلك يقفون بفوضوية في صفوف معوجة ومنكسرة غير مستقيمة.. لا يؤدي تمارين الصباح منهم سوى الذي يقف في المقدمة , والبقية لا تتمايل يميناً ويساراً بأجسامها سوى بحركات من الممكن قياسها بالسنتيمترات , ولا يكادصف يخلو من طلاب لا يتنادمون الحديث فيما بينهم ، أو يضحكون.

    المدرس يصرخ خلف الميكروفون (فوق4،3،2،)(تحت, 4،3،2)كانت التمارين في وادٍ والطلاب في أودية أخرى ما خلت أبدانهم هي وحدها التي في الساحة.

    الأقل منهم ينم هندامه المدرسي النظيف والانيق عن أنه طالب علم ، والأكثر مظهرهم لا ينبو عن أنهم طلاب مجتهدون في شيء.

    حتى أثناء تأدية إذاعة الصباح لم يكونوا منصتين فليس في فقرات الاذاعة مايثير وجلب رغبة النفس ويلفت الانتباه اليها .. لم يجد معلومة مفيدة يمكن تجبر طالباً على الاصغاء إليها.

    أما مظهرهم وهم يرددون النشيد الوطني في الطابور فكأنهم كأنهم يستحوون أن تخرج من أفواههم كلماته لم يكونوا يرددونه حتى في صدورهم.

    سار بين الطلاب في السلالم، والرواق.. يرقب التلاسن، والوعد والوعيد بينهم يحس وكأن المدرسة تكاد تتزحزح لتطير من مكانها حتى دخل الصف.

    الجميع غير عابئ بوجوده.. عدا قلة لا يتجاوز عددها الخمسة طلاب أخذت عيونهم تتطلع نحوه بتقدير يشكرون عليه في نفسه.

    الأكثر.. هذا يجري هنا وهناك، وآخر يتنقل من طالب لآخر وثالث ومثله بضعة طلاب جالسون على كراسيهم، يضربون إيقاعات على كتبهم فوق الطاولات إيقاعات قوية لأغان لبنانية وخليجية من أغان هذا الزمن فيديو كليب.

    ظل واقف بصمت.. يراقب الافعال الغريبة داخل الصف.

    ايش اسمك يا أستاذ؟
    سؤال صدر من أكثر من طالب من أنحاء متفرقة داخل الصف ظل صامتاً.. يرسل نظرات ناحيتهم هي أقرب الى الحزم منها الى الليونة .

    ايش با تدرسنا يا أستاذ؟
    لم يرد على الأسئلة.. أخذ ينقل نظراته بحزم أشد بين من كانوا يثيرون الفوضى وصدره يكاد من الغيظ يتميز .

    * ثمة هدوء بدأ يتسرب بعد خمسة دقائق ذهبت أدراجها.. يفتح حقيبته.. يخرج علبة طباشير ملونة.. يأمر طالب مسح السبورة .. يكتب تاريخ اليوم الدراسي بالهجري والميلادي ولما كان يجيد كتابة قواعد الخط العربي فقد كتب البسملة وعنوان الدرس بخط جميل فتبادر إلى ذهنة ثمة همس ياسلام خط جميل عم له الفصل صمتاً نسبياً .. بسبب أنه سحر جلبة الفصل بهذا المدخل خطه الجميل.

    - أيش اسمك يا أستاذ؟

    - ايش باتدرسنا يا أستاذ؟

    كضم إنفجاره فوق الطالب الذي يسأله السؤال.. وأشار إلى السبورة ناطقاً بجملة صغيرة وهو يرسم ابتسامة مستأجرة.

    إقرأ العنوان يا ذكي!!
    ينطق طالب دون استئذان في الحديث: يا عيال إنه المدرس الجديد.. ولحقه آخر يا أستاذ. هل ستدرسنا الاجتماعيات.

    يهز برأسه نافياً ويردف قائلاً:

    نعم أنا مرسل إلى المدرسة لتدريس مادة اللغة العربية.. وقبل أن أعرفكم باسمي.. استغرب كيف لم تفهموا من عنوان الدرس أني مدرس اللغة العربية ؟ صمت.
    وهو يراقب بعض الحركات من طلاب يتبادلونها بلغة الإشارات المفضوحة اسمي" عبدالمنعم..........

    منعم.. كلمة صدرت عن طالب بسخرية .. جعل الأستاذ نفسه كأن لم يسمعها وأردف مواصلاً حديثه إليهم :

    ــ لقد مر من الفصل الدراسي شهران، وأنتم لم تأخذوا سوى درس أو درسين من كل فرع من فروع مادة اللغة العربية، لهذا أرجوا أن تساعدوني على توفير الجو الهادئ أثناء الشرح.. لا تخرجوا من حصتي لأي سبب كان ، أو تتأخروا عنها , لا تقصروا فيما أكلفكم القيام به من أنشطة , أو واجبات ، ولن أتعرف عليكم جميعاً في هذه الحصة، دعوني أتعرف على كل واحد منكم من خلال المناقشة ومع الايام سأعرف كل واحد منكم .. وشرع يشرح الدرس الأول له.

    وهو يكتب الفقرة الأولى على السبورة.. يلتف سريعاً لمراقبة الطلاب.. فإذا بطالب يقفزكالسارق متسللاً من مقعدة إلى مقعد آخر .. يحذره.... يا ولد ...........

    لكنه عندما شرع يكتب الفقرة الثانية رأى الطالب نفسه يعود إلى مقعده السابق .. فيستوقفه ويخاطبه:

    ما أسمك يا بطل.؟
    لم يرد.
    لا تخف قلي ما أسمك؟
    فلم يرد.. وكأن السؤال لم يكن موجه إليه.!!
    يوجه السؤال: أين رئيس الفصل؟ يقف طالب قائلاً: أنا رئيس الفصل يا أستاذ.

    ما أسم هذا الطالب ؟ ينقل بصره بينهما .. ينظر نحو الطالب يقطب جبينه ويقلب عينيه ويقرض شفته السفلى كمن يشير إشارات وعيد وتهديد إلى رئيس الفصل.
    اذهب.. إحضر الاخصائي الاجتماعي أو وكيل المدرسة.
    ويطلب من الطالب أن يظل واقفاً.. ثم أردف مواصلاً درسه ثمة طلاب تهمس فيما بينها.. هذا الأستاذ (ضعيف شخصية) يحس كأن طعنة غادرة انغرزت بظهره حتى وصلت إلى قلبه وصدره.. ودون شعور قال للولد: اطلع برع الفصل!

    يرفض الطالب.
    عاد رئيس الفصل وقال: نعم أيا أستاذ يقول لك المدير أنت تربوي تصرف بطريقتك الخاصة.

    لفي الطالب أطول وأعرض منه وأي احتكاك معه قد لا تحمد عقباه، كما أن مساحته لم تعد مقبولة بعد أن وصلت حد التحدي لعدم الخروج من الفصل .

    إن المسامحة هنا ستقدمه على أنه انهزم في معركته مع أول طالب في أول حصة , وأول يوم دارسي.

    يا إما تخرج من الفصل أو سأخرج أنا.
    أخرج أنت.. هذا الصف صفي.
    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. يا ابني اطلع من الفصل ولا تحرم زملائك الحصة أنتم متأخرين في المقرر الدراسي ـــ واخذ يتحدث بهذه الطريقة كأنه يستفز بقية الطلاب ويحرضهم للوقوف بجانبه لعل احدهم ينهض ليخرج الطالب ــ
    يا ابني اخرج واغضب الشيطان الرجيم الذي يقرأك........ ثمة ضحك على إثر نطقه اغضب الشيطان الرجيم.
    اطلع أنت.
    كان الشيطان قد ركب الطالب الذي لا يعرف اسمه حتى اللحظة حدق في الطلاب علهم يقفون إلى جانبه فيأمروا زميلهم الإمتثال للأمر والخروج.. لكن دون جدوى لكان الطالب بالنسبة إليهم بمثابة ملك الموت .

    حزم كتبه الأستاذ في حقيبته وخرج ناحية الإدارة وجد المدير يدخن السيجارة وأمامه كأس شاي أخضر وحوله بضعة مدرسات وراح يشرح له الحكاية بالتفصيل كما حدثت.

    ولما لم يجد منه جواباً سوى أن رد عليه : يا أستاذ قوي شخصيتك ( تكلم بلكنة ليست صنعانية كاملة ولا تنتمي للهجة يمنية معينة ).

    أقوى شخصيتي.. هكذا إذاً.. جر نهدة واستتلى.
    يا مدير إذا لم نتعاون في تربية أمثال هؤلاء الطلاب فسوف تخرج السيطرة عليهم ، وسيتطاول الطلاب على أساتذتهم وقد تحدث مشاكل وخيمة فيما بعد لا يعلم نتائجها إلا الله.. حتى أنت لن تكون في معزل من شر أمثال هؤلاء الطلاب
    بينما هو يتحدث إليه.. كان المدير كأنه لا يسمعه فالسيجارة بين شفتيه، وبديه تعبث ببعض الأوراق كأنه ترتبها ، وعينيه تنتقلان بين المدرسات وفي فراغات الغرفة .

    ولما وجد المدير غير عابئ بما يطرحه خرج صوب حجرة المدرسين تدور في رأسه الأفكار وتتزاحم داخله المفارقات.. ينقضي ثقيلاً الوقت حتى خرج الطلاب للراحة.

    ذهب يشاهد سلوك الطلاب أثناء الراحة.. يتذكر السنوات التي كانها في سن هؤلاء الطلاب .. كانت الاستراحة اليومية بحد ذاتها حصة وطنية كاملة .. كانت المدارس تفتح مسجلة تبث خلال النصف الساعة بعضاً من الأناشيد الوطنية

    بلادي بلادي بلاد اليمن أحييك يا موطني مدى الزمن

    وكيف أنه وجيله حفظوا معظم الأناشيد الوطنية من خلال فترة الاستراحة.

    أما هؤلاء .. هو ذا ينظرهم .. يجرون مهطعين مقنعي رؤوسهم إلى لا هدف .. مزحهم أشبه بمصارعة حرة فوق الحلبة .. ركل ولكم .وصراخ وتصفير .. هيئاتهم لا يدري ما الجمل المناسبة لإعطائها حقها في الوصف .

    وجرس المدرسة يصيح معلناً انتهاء الاستراحة .. يقرر العودة إلى المنطقة التعليمية لإعادة توزيعه وهو الذي حدث فعلاً.

    2

    بضعة أسابيع تنقضي وبينا هو ذات يوم يمر في أحد الأحياء قاصداً صديقاً له فإذا بطلاب من ذلك الفصل الذي دخله ذلك اليوم في الشارع ينادونه.

    يا أستاذ .... يا أستاذ..........................أمك.
    ظل يسير وكأنه ليس الذي ينادونه .

    يا أستاذ .... يا أستاذ..........................أمك

    ثمة حزازة في صدره وهو يسمع تلك البذاءات.. سأل نفسه هل هنت إلى هذه الدرجة؟.

    كان تلامذتي في القرية والمدارس التي درست فيها يقدسونني أيما تقديس .. فما الخطأ الذي ارتكبته في حق هؤلاء حتى يسبونني؟.يسأل نفسه وهو يسير .. بينما العيال ينادونه

    يا أستاذ .... يا أستاذ..........................أمك

    يا أستاذ .... يا أستاذ..........................أمك

    هل أنا على خطأ؟.. أم إدارات المدارس هي التي على خطأ ؟.. أم المجتمع كله ؟

    يجر نهدة وهو يخطو ناحية منزل الأستاذ احمد الدبعي وفي ذهنه صورة من الزمن الجميل تقول له :

    على أيامكم كان الطالب إذا رأى أستاذه في شارع ما يحاول ألا يواجهه ويختفي حتى لا يراه ليس خوفا من الأستاذ وإنما هيبة له .

    وهو يطرق باب منزل صديقه.. وبين عينيه ترتسم صورة مستقبل العهد الأتي .. يقابله عنوان مكتوب يعبر عنه بكلمة فوق لسانه .. كلمة واحدة .. كارثة.. يا لها من كارثة.

    يفتح له الأستاذ أحمد الباب.. وبينما هو يرحيب به والابتسامة الشاحبة تعلو شفتيه ولكنها خضراء في عينيه وقلبيه

    بقول له: هل علمت ماذا حدث لمدير المدرسة الذي كنت عنده قبل فترة ؟

    لا .. ماذا حدث له؟
    ــ اليوم ضربته عصابة من بعض أولياء الأمور وطلاب .

    ــ اليوم .

    ــ نعم اليوم .

    [b]

    منــصور الســروري

    1

    أخذ يسير بتهاد ووقار غير معتاد داخل فناء المدرسة ناحية مكتب المدير.. يقرأ واجهات المبنى المدرسي النظيف.. كل شيء كان جديد جديد.. فأثار مخلفات المقاول الذي بنا المدرسة والنجار الذي ركب الأبواب، والحداد الذي اشتغل النوافد والدرابزينات الحديدية على السلالم وجوانب الممرات ما تزال تشع باللمعان من أثر الرنج الأسود الجديد ومعجونه فوقها.. كانت ساحة المدرسة مثل فتاة بكر لم يطمثها من قبل يد العبث.

    ارتسمت في حوائط ذهنه صورة الساحة لوأنه كان مديرها فستكون بعد كذا شهر مقسمة على هيئة لوحة لصورة معلقة فوق جدار ما كأنها التقطت من أعلى نقطة إرتكاز في فناء المدرسة على إرتفاع مائة متر فجاءت الصورة في ذهنه .. ملعب كرة قدم المستطيل المحدود بصفين من أحجار البلوك الأبيض اللون وخلف الصف ممر الى جانبه ثمة دوائر موزعة على طوله بداخلها أشجار السرو الخضراء وملعب آخر لكرتي السلة والطائرة وبجانب الممرات المبلطة بالبلاط الحجري الأسود المؤدية الى مداخل أروقة المدرسة ثمة جزر خضراء من أشجار الغرقد تخرج من بينها أغصان اللبلاب المتحلزنة والمتسلقة خيوط الحبال الخضراء ناحية حواف الاسطح الثلاثة للمدرسة التي بنيتى على شكل حرف يو بالانجليزية.

    يتذكر مدرسة الحورش عام 1992م حينما كانت أشبه بحديقة جنائنية.. فكانت أجمل مدارس الأمانة، ومرت برأسه مدرسة رابعة العدوية بنظافتها وجمالها.. "ياليت تكون هذه المدرسة مثلها" هتف بأمنيته وخطى باتجاه المكان الذي يقود فيه مدرس طابور الصباح.

    يقف أمام الطابور.. لم يكن جميع المدرسين قد حضر.. كما ليس ثمة مشرفين إداريين أيضاً موجود.. فكان الطلاب لذلك يقفون بفوضوية في صفوف معوجة ومنكسرة غير مستقيمة.. لا يؤدي تمارين الصباح منهم سوى الذي يقف في المقدمة , والبقية لا تتمايل يميناً ويساراً بأجسامها سوى بحركات من الممكن قياسها بالسنتيمترات , ولا يكادصف يخلو من طلاب لا يتنادمون الحديث فيما بينهم ، أو يضحكون.

    المدرس يصرخ خلف الميكروفون (فوق4،3،2،)(تحت, 4،3،2)كانت التمارين في وادٍ والطلاب في أودية أخرى ما خلت أبدانهم هي وحدها التي في الساحة.

    الأقل منهم ينم هندامه المدرسي النظيف والانيق عن أنه طالب علم ، والأكثر مظهرهم لا ينبو عن أنهم طلاب مجتهدون في شيء.

    حتى أثناء تأدية إذاعة الصباح لم يكونوا منصتين فليس في فقرات الاذاعة مايثير وجلب رغبة النفس ويلفت الانتباه اليها .. لم يجد معلومة مفيدة يمكن تجبر طالباً على الاصغاء إليها.

    أما مظهرهم وهم يرددون النشيد الوطني في الطابور فكأنهم كأنهم يستحوون أن تخرج من أفواههم كلماته لم يكونوا يرددونه حتى في صدورهم.

    سار بين الطلاب في السلالم، والرواق.. يرقب التلاسن، والوعد والوعيد بينهم يحس وكأن المدرسة تكاد تتزحزح لتطير من مكانها حتى دخل الصف.

    الجميع غير عابئ بوجوده.. عدا قلة لا يتجاوز عددها الخمسة طلاب أخذت عيونهم تتطلع نحوه بتقدير يشكرون عليه في نفسه.

    الأكثر.. هذا يجري هنا وهناك، وآخر يتنقل من طالب لآخر وثالث ومثله بضعة طلاب جالسون على كراسيهم، يضربون إيقاعات على كتبهم فوق الطاولات إيقاعات قوية لأغان لبنانية وخليجية من أغان هذا الزمن فيديو كليب.

    ظل واقف بصمت.. يراقب الافعال الغريبة داخل الصف.

    ايش اسمك يا أستاذ؟
    سؤال صدر من أكثر من طالب من أنحاء متفرقة داخل الصف ظل صامتاً.. يرسل نظرات ناحيتهم هي أقرب الى الحزم منها الى الليونة .

    ايش با تدرسنا يا أستاذ؟
    لم يرد على الأسئلة.. أخذ ينقل نظراته بحزم أشد بين من كانوا يثيرون الفوضى وصدره يكاد من الغيظ يتميز .

    * ثمة هدوء بدأ يتسرب بعد خمسة دقائق ذهبت أدراجها.. يفتح حقيبته.. يخرج علبة طباشير ملونة.. يأمر طالب مسح السبورة .. يكتب تاريخ اليوم الدراسي بالهجري والميلادي ولما كان يجيد كتابة قواعد الخط العربي فقد كتب البسملة وعنوان الدرس بخط جميل فتبادر إلى ذهنة ثمة همس ياسلام خط جميل عم له الفصل صمتاً نسبياً .. بسبب أنه سحر جلبة الفصل بهذا المدخل خطه الجميل.

    - أيش اسمك يا أستاذ؟

    - ايش باتدرسنا يا أستاذ؟

    كضم إنفجاره فوق الطالب الذي يسأله السؤال.. وأشار إلى السبورة ناطقاً بجملة صغيرة وهو يرسم ابتسامة مستأجرة.

    إقرأ العنوان يا ذكي!!
    ينطق طالب دون استئذان في الحديث: يا عيال إنه المدرس الجديد.. ولحقه آخر يا أستاذ. هل ستدرسنا الاجتماعيات.

    يهز برأسه نافياً ويردف قائلاً:

    نعم أنا مرسل إلى المدرسة لتدريس مادة اللغة العربية.. وقبل أن أعرفكم باسمي.. استغرب كيف لم تفهموا من عنوان الدرس أني مدرس اللغة العربية ؟ صمت.
    وهو يراقب بعض الحركات من طلاب يتبادلونها بلغة الإشارات المفضوحة اسمي" عبدالمنعم..........

    منعم.. كلمة صدرت عن طالب بسخرية .. جعل الأستاذ نفسه كأن لم يسمعها وأردف مواصلاً حديثه إليهم :

    ــ لقد مر من الفصل الدراسي شهران، وأنتم لم تأخذوا سوى درس أو درسين من كل فرع من فروع مادة اللغة العربية، لهذا أرجوا أن تساعدوني على توفير الجو الهادئ أثناء الشرح.. لا تخرجوا من حصتي لأي سبب كان ، أو تتأخروا عنها , لا تقصروا فيما أكلفكم القيام به من أنشطة , أو واجبات ، ولن أتعرف عليكم جميعاً في هذه الحصة، دعوني أتعرف على كل واحد منكم من خلال المناقشة ومع الايام سأعرف كل واحد منكم .. وشرع يشرح الدرس الأول له.

    وهو يكتب الفقرة الأولى على السبورة.. يلتف سريعاً لمراقبة الطلاب.. فإذا بطالب يقفزكالسارق متسللاً من مقعدة إلى مقعد آخر .. يحذره.... يا ولد ...........

    لكنه عندما شرع يكتب الفقرة الثانية رأى الطالب نفسه يعود إلى مقعده السابق .. فيستوقفه ويخاطبه:

    ما أسمك يا بطل.؟
    لم يرد.
    لا تخف قلي ما أسمك؟
    فلم يرد.. وكأن السؤال لم يكن موجه إليه.!!
    يوجه السؤال: أين رئيس الفصل؟ يقف طالب قائلاً: أنا رئيس الفصل يا أستاذ.

    ما أسم هذا الطالب ؟ ينقل بصره بينهما .. ينظر نحو الطالب يقطب جبينه ويقلب عينيه ويقرض شفته السفلى كمن يشير إشارات وعيد وتهديد إلى رئيس الفصل.
    اذهب.. إحضر الاخصائي الاجتماعي أو وكيل المدرسة.
    ويطلب من الطالب أن يظل واقفاً.. ثم أردف مواصلاً درسه ثمة طلاب تهمس فيما بينها.. هذا الأستاذ (ضعيف شخصية) يحس كأن طعنة غادرة انغرزت بظهره حتى وصلت إلى قلبه وصدره.. ودون شعور قال للولد: اطلع برع الفصل!

    يرفض الطالب.
    عاد رئيس الفصل وقال: نعم أيا أستاذ يقول لك المدير أنت تربوي تصرف بطريقتك الخاصة.

    لفي الطالب أطول وأعرض منه وأي احتكاك معه قد لا تحمد عقباه، كما أن مساحته لم تعد مقبولة بعد أن وصلت حد التحدي لعدم الخروج من الفصل .

    إن المسامحة هنا ستقدمه على أنه انهزم في معركته مع أول طالب في أول حصة , وأول يوم دارسي.

    يا إما تخرج من الفصل أو سأخرج أنا.
    أخرج أنت.. هذا الصف صفي.
    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. يا ابني اطلع من الفصل ولا تحرم زملائك الحصة أنتم متأخرين في المقرر الدراسي ـــ واخذ يتحدث بهذه الطريقة كأنه يستفز بقية الطلاب ويحرضهم للوقوف بجانبه لعل احدهم ينهض ليخرج الطالب ــ
    يا ابني اخرج واغضب الشيطان الرجيم الذي يقرأك........ ثمة ضحك على إثر نطقه اغضب الشيطان الرجيم.
    اطلع أنت.
    كان الشيطان قد ركب الطالب الذي لا يعرف اسمه حتى اللحظة حدق في الطلاب علهم يقفون إلى جانبه فيأمروا زميلهم الإمتثال للأمر والخروج.. لكن دون جدوى لكان الطالب بالنسبة إليهم بمثابة ملك الموت .

    حزم كتبه الأستاذ في حقيبته وخرج ناحية الإدارة وجد المدير يدخن السيجارة وأمامه كأس شاي أخضر وحوله بضعة مدرسات وراح يشرح له الحكاية بالتفصيل كما حدثت.

    ولما لم يجد منه جواباً سوى أن رد عليه : يا أستاذ قوي شخصيتك ( تكلم بلكنة ليست صنعانية كاملة ولا تنتمي للهجة يمنية معينة ).

    أقوى شخصيتي.. هكذا إذاً.. جر نهدة واستتلى.
    يا مدير إذا لم نتعاون في تربية أمثال هؤلاء الطلاب فسوف تخرج السيطرة عليهم ، وسيتطاول الطلاب على أساتذتهم وقد تحدث مشاكل وخيمة فيما بعد لا يعلم نتائجها إلا الله.. حتى أنت لن تكون في معزل من شر أمثال هؤلاء الطلاب
    بينما هو يتحدث إليه.. كان المدير كأنه لا يسمعه فالسيجارة بين شفتيه، وبديه تعبث ببعض الأوراق كأنه ترتبها ، وعينيه تنتقلان بين المدرسات وفي فراغات الغرفة .

    ولما وجد المدير غير عابئ بما يطرحه خرج صوب حجرة المدرسين تدور في رأسه الأفكار وتتزاحم داخله المفارقات.. ينقضي ثقيلاً الوقت حتى خرج الطلاب للراحة.

    ذهب يشاهد سلوك الطلاب أثناء الراحة.. يتذكر السنوات التي كانها في سن هؤلاء الطلاب .. كانت الاستراحة اليومية بحد ذاتها حصة وطنية كاملة .. كانت المدارس تفتح مسجلة تبث خلال النصف الساعة بعضاً من الأناشيد الوطنية

    بلادي بلادي بلاد اليمن أحييك يا موطني مدى الزمن

    وكيف أنه وجيله حفظوا معظم الأناشيد الوطنية من خلال فترة الاستراحة.

    أما هؤلاء .. هو ذا ينظرهم .. يجرون مهطعين مقنعي رؤوسهم إلى لا هدف .. مزحهم أشبه بمصارعة حرة فوق الحلبة .. ركل ولكم .وصراخ وتصفير .. هيئاتهم لا يدري ما الجمل المناسبة لإعطائها حقها في الوصف .

    وجرس المدرسة يصيح معلناً انتهاء الاستراحة .. يقرر العودة إلى المنطقة التعليمية لإعادة توزيعه وهو الذي حدث فعلاً.

    2

    بضعة أسابيع تنقضي وبينا هو ذات يوم يمر في أحد الأحياء قاصداً صديقاً له فإذا بطلاب من ذلك الفصل الذي دخله ذلك اليوم في الشارع ينادونه.

    يا أستاذ .... يا أستاذ..........................أمك.
    ظل يسير وكأنه ليس الذي ينادونه .

    يا أستاذ .... يا أستاذ..........................أمك

    ثمة حزازة في صدره وهو يسمع تلك البذاءات.. سأل نفسه هل هنت إلى هذه الدرجة؟.

    كان تلامذتي في القرية والمدارس التي درست فيها يقدسونني أيما تقديس .. فما الخطأ الذي ارتكبته في حق هؤلاء حتى يسبونني؟.يسأل نفسه وهو يسير .. بينما العيال ينادونه

    يا أستاذ .... يا أستاذ..........................أمك

    يا أستاذ .... يا أستاذ..........................أمك

    هل أنا على خطأ؟.. أم إدارات المدارس هي التي على خطأ ؟.. أم المجتمع كله ؟

    يجر نهدة وهو يخطو ناحية منزل الأستاذ احمد الدبعي وفي ذهنه صورة من الزمن الجميل تقول له :

    على أيامكم كان الطالب إذا رأى أستاذه في شارع ما يحاول ألا يواجهه ويختفي حتى لا يراه ليس خوفا من الأستاذ وإنما هيبة له .

    وهو يطرق باب منزل صديقه.. وبين عينيه ترتسم صورة مستقبل العهد الأتي .. يقابله عنوان مكتوب يعبر عنه بكلمة فوق لسانه .. كلمة واحدة .. كارثة.. يا لها من كارثة.

    يفتح له الأستاذ أحمد الباب.. وبينما هو يرحيب به والابتسامة الشاحبة تعلو شفتيه ولكنها خضراء في عينيه وقلبيه

    بقول له: هل علمت ماذا حدث لمدير المدرسة الذي كنت عنده قبل فترة ؟

    لا .. ماذا حدث له؟
    ــ اليوم ضربته عصابة من بعض أولياء الأمور وطلاب .

    ــ اليوم .

    ــ نعم اليوم .

    منــصور الســروري

    1

    أخذ يسير بتهاد ووقار غير معتاد داخل فناء المدرسة ناحية مكتب المدير.. يقرأ واجهات المبنى المدرسي النظيف.. كل شيء كان جديد جديد.. فأثار مخلفات المقاول الذي بنا المدرسة والنجار الذي ركب الأبواب، والحداد الذي اشتغل النوافد والدرابزينات الحديدية على السلالم وجوانب الممرات ما تزال تشع باللمعان من أثر الرنج الأسود الجديد ومعجونه فوقها.. كانت ساحة المدرسة مثل فتاة بكر لم يطمثها من قبل يد العبث.

    ارتسمت في حوائط ذهنه صورة الساحة لوأنه كان مديرها فستكون بعد كذا شهر مقسمة على هيئة لوحة لصورة معلقة فوق جدار ما كأنها التقطت من أعلى نقطة إرتكاز في فناء المدرسة على إرتفاع مائة متر فجاءت الصورة في ذهنه .. ملعب كرة قدم المستطيل المحدود بصفين من أحجار البلوك الأبيض اللون وخلف الصف ممر الى جانبه ثمة دوائر موزعة على طوله بداخلها أشجار السرو الخضراء وملعب آخر لكرتي السلة والطائرة وبجانب الممرات المبلطة بالبلاط الحجري الأسود المؤدية الى مداخل أروقة المدرسة ثمة جزر خضراء من أشجار الغرقد تخرج من بينها أغصان اللبلاب المتحلزنة والمتسلقة خيوط الحبال الخضراء ناحية حواف الاسطح الثلاثة للمدرسة التي بنيتى على شكل حرف يو بالانجليزية.

    يتذكر مدرسة الحورش عام 1992م حينما كانت أشبه بحديقة جنائنية.. فكانت أجمل مدارس الأمانة، ومرت برأسه مدرسة رابعة العدوية بنظافتها وجمالها.. "ياليت تكون هذه المدرسة مثلها" هتف بأمنيته وخطى باتجاه المكان الذي يقود فيه مدرس طابور الصباح.

    يقف أمام الطابور.. لم يكن جميع المدرسين قد حضر.. كما ليس ثمة مشرفين إداريين أيضاً موجود.. فكان الطلاب لذلك يقفون بفوضوية في صفوف معوجة ومنكسرة غير مستقيمة.. لا يؤدي تمارين الصباح منهم سوى الذي يقف في المقدمة , والبقية لا تتمايل يميناً ويساراً بأجسامها سوى بحركات من الممكن قياسها بالسنتيمترات , ولا يكادصف يخلو من طلاب لا يتنادمون الحديث فيما بينهم ، أو يضحكون.

    المدرس يصرخ خلف الميكروفون (فوق4،3،2،)(تحت, 4،3،2)كانت التمارين في وادٍ والطلاب في أودية أخرى ما خلت أبدانهم هي وحدها التي في الساحة.

    الأقل منهم ينم هندامه المدرسي النظيف والانيق عن أنه طالب علم ، والأكثر مظهرهم لا ينبو عن أنهم طلاب مجتهدون في شيء.

    حتى أثناء تأدية إذاعة الصباح لم يكونوا منصتين فليس في فقرات الاذاعة مايثير وجلب رغبة النفس ويلفت الانتباه اليها .. لم يجد معلومة مفيدة يمكن تجبر طالباً على الاصغاء إليها.

    أما مظهرهم وهم يرددون النشيد الوطني في الطابور فكأنهم كأنهم يستحوون أن تخرج من أفواههم كلماته لم يكونوا يرددونه حتى في صدورهم.

    سار بين الطلاب في السلالم، والرواق.. يرقب التلاسن، والوعد والوعيد بينهم يحس وكأن المدرسة تكاد تتزحزح لتطير من مكانها حتى دخل الصف.

    الجميع غير عابئ بوجوده.. عدا قلة لا يتجاوز عددها الخمسة طلاب أخذت عيونهم تتطلع نحوه بتقدير يشكرون عليه في نفسه.

    الأكثر.. هذا يجري هنا وهناك، وآخر يتنقل من طالب لآخر وثالث ومثله بضعة طلاب جالسون على كراسيهم، يضربون إيقاعات على كتبهم فوق الطاولات إيقاعات قوية لأغان لبنانية وخليجية من أغان هذا الزمن فيديو كليب.

    ظل واقف بصمت.. يراقب الافعال الغريبة داخل الصف.

    ايش اسمك يا أستاذ؟
    سؤال صدر من أكثر من طالب من أنحاء متفرقة داخل الصف ظل صامتاً.. يرسل نظرات ناحيتهم هي أقرب الى الحزم منها الى الليونة .

    ايش با تدرسنا يا أستاذ؟
    لم يرد على الأسئلة.. أخذ ينقل نظراته بحزم أشد بين من كانوا يثيرون الفوضى وصدره يكاد من الغيظ يتميز .

    * ثمة هدوء بدأ يتسرب بعد خمسة دقائق ذهبت أدراجها.. يفتح حقيبته.. يخرج علبة طباشير ملونة.. يأمر طالب مسح السبورة .. يكتب تاريخ اليوم الدراسي بالهجري والميلادي ولما كان يجيد كتابة قواعد الخط العربي فقد كتب البسملة وعنوان الدرس بخط جميل فتبادر إلى ذهنة ثمة همس ياسلام خط جميل عم له الفصل صمتاً نسبياً .. بسبب أنه سحر جلبة الفصل بهذا المدخل خطه الجميل.

    - أيش اسمك يا أستاذ؟

    - ايش باتدرسنا يا أستاذ؟

    كضم إنفجاره فوق الطالب الذي يسأله السؤال.. وأشار إلى السبورة ناطقاً بجملة صغيرة وهو يرسم ابتسامة مستأجرة.

    إقرأ العنوان يا ذكي!!
    ينطق طالب دون استئذان في الحديث: يا عيال إنه المدرس الجديد.. ولحقه آخر يا أستاذ. هل ستدرسنا الاجتماعيات.

    يهز برأسه نافياً ويردف قائلاً:

    نعم أنا مرسل إلى المدرسة لتدريس مادة اللغة العربية.. وقبل أن أعرفكم باسمي.. استغرب كيف لم تفهموا من عنوان الدرس أني مدرس اللغة العربية ؟ صمت.
    وهو يراقب بعض الحركات من طلاب يتبادلونها بلغة الإشارات المفضوحة اسمي" عبدالمنعم..........

    منعم.. كلمة صدرت عن طالب بسخرية .. جعل الأستاذ نفسه كأن لم يسمعها وأردف مواصلاً حديثه إليهم :

    ــ لقد مر من الفصل الدراسي شهران، وأنتم لم تأخذوا سوى درس أو درسين من كل فرع من فروع مادة اللغة العربية، لهذا أرجوا أن تساعدوني على توفير الجو الهادئ أثناء الشرح.. لا تخرجوا من حصتي لأي سبب كان ، أو تتأخروا عنها , لا تقصروا فيما أكلفكم القيام به من أنشطة , أو واجبات ، ولن أتعرف عليكم جميعاً في هذه الحصة، دعوني أتعرف على كل واحد منكم من خلال المناقشة ومع الايام سأعرف كل واحد منكم .. وشرع يشرح الدرس الأول له.

    وهو يكتب الفقرة الأولى على السبورة.. يلتف سريعاً لمراقبة الطلاب.. فإذا بطالب يقفزكالسارق متسللاً من مقعدة إلى مقعد آخر .. يحذره.... يا ولد ...........

    لكنه عندما شرع يكتب الفقرة الثانية رأى الطالب نفسه يعود إلى مقعده السابق .. فيستوقفه ويخاطبه:

    ما أسمك يا بطل.؟
    لم يرد. لا تخف قلي ما أسمك؟
    فلم يرد.. وكأن السؤال لم يكن موجه إليه.!!
    يوجه السؤال: أين رئيس الفصل؟ يقف طالب قائلاً: أنا رئيس الفصل يا أستاذ.

    ما أسم هذا الطالب ؟ ينقل بصره بينهما .. ينظر نحو الطالب يقطب جبينه ويقلب عينيه ويقرض شفته السفلى كمن يشير إشارات وعيد وتهديد إلى رئيس الفصل.
    اذهب.. إحضر الاخصائي الاجتماعي أو وكيل المدرسة.
    ويطلب من الطالب أن يظل واقفاً.. ثم أردف مواصلاً درسه ثمة طلاب تهمس فيما بينها.. هذا الأستاذ (ضعيف شخصية) يحس كأن طعنة غادرة انغرزت بظهره حتى وصلت إلى قلبه وصدره.. ودون شعور قال للولد: اطلع برع الفصل!

    يرفض الطالب.
    عاد رئيس الفصل وقال: نعم أيا أستاذ يقول لك المدير أنت تربوي تصرف بطريقتك الخاصة.

    لفي الطالب أطول وأعرض منه وأي احتكاك معه قد لا تحمد عقباه، كما أن مساحته لم تعد مقبولة بعد أن وصلت حد التحدي لعدم الخروج من الفصل .

    إن المسامحة هنا ستقدمه على أنه انهزم في معركته مع أول طالب في أول حصة , وأول يوم دارسي.

    يا إما تخرج من الفصل أو سأخرج أنا.
    أخرج أنت.. هذا الصف صفي.
    أعوذ بالله من الشيطانالرجيم.. يا ابني اطلع من الفصل ولا تحرم زملائك الحصة أنتم متأخرين في المقرر الدراسي ـــ واخذ يتحدث بهذه الطريقة كأنه يستفز بقية الطلاب ويحرضهم للوقوف بجانبه لعل احدهم ينهض ليخرج الطالب ــ
    يا ابني اخرج واغضب الشيطان الرجيم الذي يقرأك........ ثمة ضحك على إثر نطقه اغضب الشيطان الرجيم.
    اطلع أنت.
    كان الشيطان قد ركب الطالب الذي لا يعرف اسمه حتى اللحظة حدق في الطلاب علهم يقفون إلى جانبه فيأمروا زميلهم الإمتثال للأمر والخروج.. لكن دون جدوى لكان الطالب بالنسبة إليهم بمثابة ملك الموت .

    حزم كتبه الأستاذ في حقيبته وخرج ناحية الإدارة وجد المدير يدخن السيجارة وأمامه كأس شاي أخضر وحوله بضعة مدرسات وراح يشرح له الحكاية بالتفصيل كما حدثت.

    ولما لم يجد منه جواباً سوى أن رد عليه : يا أستاذ قوي شخصيتك ( تكلم بلكنة ليست صنعانية كاملة ولا تنتمي للهجة يمنية معينة ).

    أقوى شخصيتي.. هكذا إذاً.. جر نهدة واستتلى.
    يا مدير إذا لم نتعاون في تربية أمثال هؤلاء الطلاب فسوف تخرج السيطرة عليهم ، وسيتطاول الطلاب على أساتذتهم وقد تحدث مشاكل وخيمة فيما بعد لا يعلم نتائجها إلا الله.. حتى أنت لن تكون في معزل من شر أمثال هؤلاء الطلاب
    بينما هو يتحدث إليه.. كان المدير كأنه لا يسمعه فالسيجارة بين شفتيه، وبديه تعبث ببعض الأوراق كأنه ترتبها ، وعينيه تنتقلان بين المدرسات وفي فراغات الغرفة .

    ولما وجد المدير غير عابئ بما يطرحه خرج صوب حجرة المدرسين تدور في رأسه الأفكار وتتزاحم داخله المفارقات.. ينقضي ثقيلاً الوقت حتى خرج الطلاب للراحة.

    ذهب يشاهد سلوك الطلاب أثناء الراحة.. يتذكر السنوات التي كانها في سن هؤلاء الطلاب .. كانت الاستراحة اليومية بحد ذاتها حصة وطنية كاملة .. كانت المدارس تفتح مسجلة تبث خلال النصف الساعة بعضاً من الأناشيد الوطنية

    بلادي بلادي بلاد اليمن أحييك يا موطني مدى الزمن

    وكيف أنه وجيله حفظوا معظم الأناشيد الوطنية من خلال فترة الاستراحة.

    أما هؤلاء .. هو ذا ينظرهم .. يجرون مهطعين مقنعي رؤوسهم إلى لا هدف .. مزحهم أشبه بمصارعة حرة فوق الحلبة .. ركل ولكم .وصراخ وتصفير .. هيئاتهم لا يدري ما الجمل المناسبة لإعطائها حقها في الوصف .

    وجرس المدرسة يصيح معلناً انتهاء الاستراحة .. يقرر العودة إلى المنطقة التعليمية لإعادة توزيعه وهو الذي حدث فعلاً.

    2

    بضعة أسابيع تنقضي وبينا هو ذات يوم يمر في أحد الأحياء قاصداً صديقاً له فإذا بطلاب من ذلك الفصل الذي دخله ذلك اليوم في الشارع ينادونه.

    يا أستاذ .... يا أستاذ..........................أمك.
    ظل يسير وكأنه ليس الذي ينادونه .

    يا أستاذ .... يا أستاذ..........................أمك

    ثمة حزازة في صدره وهو يسمع تلك البذاءات.. سأل نفسه هل هنت إلى هذه الدرجة؟.

    كان تلامذتي في القرية والمدارس التي درست فيها يقدسونني أيما تقديس .. فما الخطأ الذي ارتكبته في حق هؤلاء حتى يسبونني؟.يسأل نفسه وهو يسير .. بينما العيال ينادونه

    يا أستاذ .... يا أستاذ..........................أمك

    يا أستاذ .... يا أستاذ..........................أمك

    هل أنا على خطأ؟.. أم إدارات المدارس هي التي على خطأ ؟.. أم المجتمع كله ؟

    يجر نهدة وهو يخطو ناحية منزل الأستاذ احمد الدبعي وفي ذهنه صورة من الزمن الجميل تقول له :

    على أيامكم كان الطالب إذا رأى أستاذه في شارع ما يحاول ألا يواجهه ويختفي حتى لا يراه ليس خوفا من الأستاذ وإنما هيبة له .

    وهو يطرق باب منزل صديقه.. وبين عينيه ترتسم صورة مستقبل العهد الأتي .. يقابله عنوان مكتوب يعبر عنه بكلمة فوق لسانه .. كلمة واحدة .. كارثة.. يا لها من كارثة.

    يفتح له الأستاذ أحمد الباب.. وبينما هو يرحيب به والابتسامة الشاحبة تعلو شفتيه ولكنها خضراء في عينيه وقلبيه

    بقول له: هل علمت ماذا حدث لمدير المدرسة الذي كنت عنده قبل فترة ؟

    لا .. ماذا حدث له؟
    ــ اليوم ضربته عصابة من بعض أولياء الأمور وطلاب .

    ــ اليوم .

    ]ــ نعم اليوم

  • انت كذاب يا أبي / قصة قصيرة

    أأنت كذاب يا أبي

    الإهداء إلى "مانع" الذي سجدت فوق كتفه قيم الجمال راضية

    منصور السروري

    صحيح انه كثير الكلام ..لكن يستحيل الشعور بالملل عند الجلوس والاستماع إلى حديثه الذي غالباً ما يكون شائقاً ، ومثيراً .
    لهذا ظللت طوال الوقت وأنا أعمل جهدي لإجادة فن الإصغاء لحكايته وهو يعطف رسالة ويكلفتها في جيب قميصه المقلم
    بخطوط زرقاء فاتحة وصفراء فاقع لونها .. شرع في الحديث معي فوق حافلة ركاب أقلتنا إلى جوار سكنه بالقول:
    ـ لا أدري ما إذا كانت السنوات قد استدارت دورة كاملة على رسالة كنت قد أرسلتها قبل ثلاثين عاماً إلى والدي مع نفس الجمال الذي سلمني اليوم رسالة حملها من القرية .. رسالة ذكرتني بما كتبته حينذاك . ولست أدري يا صديقي ما إذا كانت الأحداث تأبى
    إلا أن تتكرر بصور تتشابه في إنتاج ذات الأسباب.

    إيييه إيه.. لكأن تكرارها ليس له من هدف سوى كشف حقائق ظلت مجهولة لأمد طويل طويل ، ولم تتضح إلا بعد أن ألحقنا
    أحكاماً كانت في منتهى القسوة على أحباء أعزاء تظراً لجهلنا ، وغياب علمنا أسباب وقوعهم تحت طائلة ظلمنا لهم .

    فقلت له : ــ حقاً .. إن خط الزمن يجري مستقيماً إلى ما شييء له في استقامته أن يظل على امتداده .. وعندما تتشابه المواقف فوق هذا الامتداد نعزو ذاك التشابه بمقولة غالباً ما نهرف بها " التاريخ يعيد نفسه " .

    ــ هل تريد القول إن تشابه المواقف يفتح أمام أعيننا الماضي فندرك ما أصدرنا أثناءه من أحكام أو قرارات اتخذناها ؟.. ــ أجابني نعم .. مع أننا على يقين أن التاريخ لا يعيد صناعة نفسه تحت أي حال من الأحوال لمرة ثانية غير مقروءًا بما تدون فيه من أحداث .. حتى في هذه .. صمت برهة : حتى في هذه الحالة يندر أن تجدها كاملة الحقيقة , وإلا لكانت الحياة قد خلت كثيراً من أخطائنا.. وصدقني لو أنه التاريخ كتب بصدق لكنا اتعظنا من أحداثه , ولقلت في مقابله الأخطاء المتكررة من فعل الإنسان.

    ـ سألته : أراك اليوم على غير دأبك الذي كنته في الآونة الأخيرة .. لقد عدت تتحدث عن مسائل فكرية .. الم تكن قد هجرت هذه المناقشات وعدت الى عملك .. ؟ فما الذي طرأ عليك لهذا الهم من جديد ؟.

    ــ أنت كذاب يأبي.. هكذا تنطق الورقة التي طويتها تواً في جيبي .. يصمت .. يخرجها.. يناولنيها : " تفضل اقرأها "

    ـ سأقرئها بعد أن نصل .. واستتلى يقول:

    ــ وهذه التهمة توجه لي .. صرت أعي وأدرك تماماً إلى مدى كنت قاسياً كثيراً مع والدي ؟ .

    موقف عشت تفاصيله قبل ثلاثين عاماً ، وهاأنذا أعيشه ذاته بعد الثلاثين السنة كرة أخرى.

    ــ مستحيل ؟

    ــ لا ليس مستحيلاً .. فوجه التشابه أنني في مضمون وجوهر الحدثين حاضراً.. أما وجه التباين والاختلاف في حين كنت من يؤدي دور البراءة في الحدث القديم صرت على النقيض تماما ً الذي يقوم بدور الكذاب على الأقل في نظر " عز "

    وقبل أن أعيد عليك استذكار الرسالة التي أرسلتها لأبي المتوفى مذ كنت في سن ابني اليوم تقريباً عشر سنوات سأضطر إلى استخراج واستعراض بعض صور باقية فشلت مفاعل السنوات المشتعلة حرقها في اراشيف الذاكرة .

    دلفنا مجلسه وأخذنا نعاقر مهيجات الخيال الخضراء برغبة وشبقية مثيرة .

    وراح يسرد لي الحكاية التي عاشها قبيل عقود ثلاثة عله حد قوله يلتمس البراءة لوالده حينما نعته بالكذاب فقال : يا عزيزي : قبل ثلاثون عاماً كنت طالباً في مدرسة القرية في الصف الخامس الابتدائي .. كل ما أعرفه عن والدي الذي يقيم في المدينة أنه يعمل مدرساً , ويكتب في بعض الصحف ، والمجلات .. و كنت أرى صوره أحياناً فوق بعض صفحاتها كتلك التي يجلبها عمي مانع أو بعض أهالي القرية من المدينة.

    أنباء كثيرة ومتضاربة كانت تشاع داخل أوساط دور وبيوت القرية أن والدي تعرض للفصل من عمله، وصار بلا وظيفة , وأنه شخص كسول يقضى النهار راقدا ,والليل مستيقظا معتكفاً داخل بطون الكتب والقراطيس .

    أحياناً كانت ترد الأنباء أنه اختفى منذ أسابيع غير معدودة ،ولا يعلم أحد أي شيء عنه وتنقطع أخباره عنا تماماً تماماً .

    فكانت أمي تظل تسأل عنه من يجيء من المدينة ــ فلا تلفى ما يشبع جوعها إلى ما قد يكون حاله عليه ، أهو حي .. أم ميت؟

    ولا تنسى توصي المسافرين بتودد أنثوي يثير رغبة نفوسهم إليها فيعلقون آمال الوهم بأنهم سيمنون ما يطفئ تلك الرغبة التي يلمسونها في صوتها وهي تتوسل إليهم السؤال على والدي في المدينة ؟ .

    أتذكر يا سيدي ــ وأرجوك معذرتي إذا ما أثقلت عليك اجترار ماض أفل وتولى قد يكون لا يعنيك البتة في أدنى شيء , أو لا قيمة له .. لكنه بالنسبة اليا يختزل معان كبيرة كثيرة.

    صمت وهو يحدق بهدوء ناحيتي فأيقنت كأنه يطلب الإذن بمواصلة حكايته .. لذا رحت قائلاً له :

    ــ بالعكس أرجو أن تواصل.. يسرني الإصغاء إليك .. كأنك شرعت تحكي قصة خاصة بي .

    يجر تنهيدة , ويمج من نافذتي انفه خطي دخان , ويواصل :

    ــ كنا إزاء انقطاعه الطويل نظل الشهور الطوال دون مصاريف .. بل مرت ليال كنا نبات فيها بلا طعام .. ودون ما يقوي صلب ظهورنا ,ويحفظ أوجهنا من الاحتياج للناس أو الأسر في القرية .

    وباختصار شديد مازلت حافظاً جملة كانت أمي ترددها : بعد أن تطلب من الله أن يصلي عليه فتدعو له :

    " الله يهدي أبوكم , ويوفقه إلى عمله , ولا يجعلنا نطلب من الذي يسوى والذيييي لا يسوى " .

    إزاء هذا الوضع الذي نضحاه قد تضطر أمي إلى الاقتراض من نساء في القرية، أومن دكان " ناجي" .. وقد تلجأ عندما يزيد دينها , وتستحي مواصلة الأيام على هذا المنوال إلى التصرف بأجزاء من صيغ حُليها ، فتبيع أوترهن خاتماً .. حلقة أو أقراط من خوصها.

    مرة اضطرت لبيع عقد ذهب لأن أحداً لم يشفق على أخي الصغير الذي شارفت الحمى أن تجهز عليه حال تأخرت على إسعافه إلى مستشفى المدينة للعلاج ,وابتاعت مقاضي للبيت , .. اشترت لنا دجاجة مثلجة ..(يتوقف ثم يواصل )

    ــ قد لا تصدق كم كنا فرحين يومها باللحمة .. وسددت بفائض المبلغ جزءاً من ديونها .

    ــ المهم وتوقف .. وكأنه يقلب صفحات في الذاكرة ليتأكد مما سيقوله .

    وان أنسى فلن أنسى ذلك اليوم بينما أمي ذهبت تقرب المائدة سمعنا ناجي المدكن يناديها الاستعجال، هل تعلم لماذا ؟

    ــ أكيد كان أبيك على الهاتف .

    بالضبط هذا ما حدث طارت مثل الرصاصة لتجاوبه .. جاء صوته في الهاتف واضحاً .. سمعته يسألها عنَّا .. ويطلب منها السماح ،وأخبرها أنه أرسل بنقود لنا مع الجمال العزي؟

    ومما كانت أمي تقوله له :

    - يا هذا نحن لا نريد شيئاً منك ، سماع صوتك من وقت إلى آخر على الأقل يجعلنا مطمئنين عليك .. لأن الناس كل واحد يقول عنك خبر أخر .

    رد عليها : أعرف ذلك .. لكن عندما أعجز عن توفير المصاريف الشهرية ، الكلام يستحي عوضاً عني أن يكون معك أو الأولاد .. كيف أستطيع أسألكم عن أحوالكم وأنا أعرفها صعبة ، وأن لا شيء لديكم في البيت.. ماذا سأقول لك؟ .. هل أقول أصبري على جوعك؟

    فتقول له أمي :

    ــ نحن لن نعدم تدبر أمرنا .. لكنا لا نقدر نزيد فوق معاناتنا فجائع عليك .. يارجل كم مرة قالوا لنا أنك قد قتلت , واقتلب الدار إلى مأتم وعزاء .و في غمرة تلك الظروف التي مازالت صورها العابسة في الذاكرة عابقة ، قد تنقطع كرة ثانية أخباره عنا ولفترة طويلة .. وتتنوع الأنباء الواردة من المدينة فقائل : أنه كتب مقالة استهدف فيها رأساً كبيراً في البلاد .. اختفى على إثرها اليوم التالي ، ولا يستبعد اختفاؤه يكون ذو علاقة بما كتبه . وقائل : بلغني أن الاستخبارات قبضت عليه بينما كان خارجاً من عند شخص يشتبه أنه عضواً في خلية شيوعية متطرفة .وقائل : لا .. لا فلقد استرقت السمع اليوم قبيل الظهر عندما كنت أحوض في الحول خبر ثانياً نقله ابن العدوفي الذي وصل أمس من المدينة لشلة من عيال القرية كان يقول لهمــ إن عصابة اختطفته .. زعم أن بعض المسئولين ممن يجمعون بين مناصب في السلطة ويمارسون التجارة في السوق ، وأنه دائماً يلمح لهم في مقالاته ، ولما تأكد لهم أنه من نشر جدولاً بأسمائهم في صحيفة بيَّن فيه مسميات المناصب الوظيفية وحدد أسماء شركاتهم التجارية التي يمتلكونها .. دلوا عصابة تتبعهم اختطفته وضح النهار من وسط الشارع .وقائل : ليس ثمة شيء من كل هذه الأخبار صحيح .. فالرجل صار يهيم على وجهه في شوارع المدينة ومن الأنباء ما كانت إلى الصدق أقرب ، تبين فيما بعد صدقيتها.

    كالمهندس داود الذي جاء حديثه الينا :

    الحقيقة يا أم جبران هي أن ترك زوجك للجامعة حد كثيراً من طموحاته .. وأنا أعرف أن قدراته تفوق كثيراً بحكم ثقافته وسعة اطلاعه كثيرين ممن يشغرون مناصب كبيرة وهم دونه معرفة سواء في المدارس أم في الإدارات .... لمجرد أنهم يمتلكون شهادات كرتونية من الجامعة .. وعندما تعب وأصابه الملل لم يعد يقوى على الاستمرار في تدريس الأطفال .. لهذا انصرف إلى الكتابة في الصحف،والمجلات, قد تعددت كتاباته وتنوعت.

    مازلت أتذكر كيف كان يقلب عينيه , ويقلص حاجبيه , ويتلاعب بحواس وجهه .. فتارة يقبضها وتارة يبسطها وكأنه يستعرض أمام زوجته وأمي وأردف :

    ــ لكنه حتى وهو يتجه إلى هذا المجال لا أخفي عليك أنه لم يستقر عند خط معين في الكتابة ، فلا هو بين كتاب القصة قاصاً، مع أنه كتب كثير قصص ولطالما حكى لي أو أسمعني قصصاً ماتزال منسوخة مسودات في دفاتره المبعثرة .

    زوجك يا أم جبران لا هو أيضاً بين كتاب النقد ناقداً ، مع أنه شارك وكتب في عديد من الفعاليات والكتابات النقدية ، ولا هو بين الباحثين باحثاً، مع أنه نشر عشرات الأبحاث في قضايا فكرية وتراثية، كما أنه ليس بين الصحفيين صحفياً مع أن مقالاته وتحقيقاته الصحافية والتقريرات التي تناولها في الصحافة تتجاوز المائة..

    وأضاف "داود" يومذاك لوالدتي "عليك أن لا تقلقين عليه لقد استيقظ وأدرك أن الثقافة والكتابة في هذه البلاد لا تؤكل عيش .. هكذا أخبرني في لقائنا الأخير وأكد لي أنه يتابع وراء مرتبه الشهري ، وسيوزع من جديد إلى إحدى المدارس".

    كان حديث المهندس داود لوالدتي في منزله البعيد عن قريتنا ميل ونصف الميل هو الأقرب الصدق .. الأمر الذي جعلنا أقل قلقاً عليه .

    ياصديقي لم يكن يمر أسبوع دونما نقابله فنراه يحدق فينا بصمت من فوق صدر إحدى الصحف . ولا نقرأ ما يكتبه فحسب بل نقرا تعابير الحزن تعلو جفنيه وتستوطن عينيه .

    في منتصف إحدى الليالي الشتوية باغت حجر فردة نافذة الغرفة، فصحونا أنا وأمي وأخواني وعمتي .. وكانت جدتي لامي جاءت لزيارتنا فباتت عندنا.. أطلت أمي من النافذة فإذا بصوت جارتنا "نور"

    - زوجك ..زوجك

    - أين هــو ؟

    - افتحي التلفزيون .

    قفزت عمتي مثل الغزال مسرعة بين الفرش .. فتحت التلفاز.. رأيت والدي بنحالته , و كانتا عظمتا وجنتاه من أثر الضعف واضحة، إلا أنه كان يتقد .. توقف .. وأخذ يشير بيده اليمنى , ويهزها كأنها هي التي تنطق بكبرياء لا لسانه الصامت ثم أردف مواصلاً حكايته لي :

    كان رغم الإرهاق البادي عليه يتقد ثقة بنفسه , ويبرق شجاعة في طرحه .. كلامه هادئ .. كأنه كان يخاطبنا نحن لا المذيع الذي يحاوره .

    ناديت عمتي الأخرى وزوجها من الغرفة المجاورة .. تحولت غرفتنا التي كانت غارقة في سكون الليل البهيم قبل تلك اللحظة إلى ما يشبه اجتماع كبير في حفل هام .. لم ننام سوى القليل من الشطر الباق لتلك الليلة.

    ولأن البرنامج يعاد بثه في عصر اليوم التالي ، فقد أخذت أكلم رفاقي في المدرسة .. البعض وعدني بمشاهدته، والبعض جاء رده :

    وماذا يعني أن يظهر أبوك في التلفزيون ؟.. ! ومنهم من راح يخبر مدرسة الفصل ، فبان عليها الحبور وهي تقول : هل هذا صحيح ؟.

    - نعم .. رأيته في برنامج اسمه " قضايا ثقافية " ليلة أمس .

    - أعدك بمشاهدته .. فقد كان والدك أستاذي ذات يوم .

    ذهبت دور القرية تتناقل خبر ظهوره في التلفزيون، وقبل إعادة بث البرنامج بلحظات ، كانت شوارع و القرية شبه خاوية من الناس .

    ليس ثمة أحد يسير في زقاق القرية.. الكبار والصغار ، الإناث والذكور .. الجميع أمام شاشة التلفاز ينتظر ، وعندما بدأ البرنامج صرنا نتزاحم أمام الشاشة بكل الصمت .. نعم هدوء لا نظير له كأننا سنتبع كلامه لنحفظه عن ظهر قلب .. حتى أن عمي مانع سجل البرنامج كاملاً بمسجلته .

    وفي ذلك الأسبوع تركز حديث القرية حول والدي .. كل البيوت تتكلم عنه .. ووصلت أن بعض النسوة عيرن أزواجهن وانتهت الأمر إلى خلافات وحنق إلى بيت الأب ولم تعد محصنة إلا بعد أن خسر عبد اللطيف الشيئ الفلاني .

    ولا أنكر أن فخري به كان غير محدود حينها خاصة بعد الذي سمعته على لسان الأستاذ عبد القادر ، الرجل الذي لم يحب والدي أحداً القرية مثله ، قال لي حينما رآني :

    ــ أيوه يا جبران .. هذا هو والدك كما عرفته .. دائماً مغامراً ، شجاعاً ، مناصراً

    هذا الحدث أسقط الأنباء الواردة من المدينة كتلك القائلة بأنه مجنون , أو ضائع أو رجل عديم المسئولية وتلك التي تقول أنه تزوج بامرأة أخرى وأنجب منها أطفالاً فهجرنا .

    أمي صارت أكثر زهواً .. لا سيما بعد أن تكررت المقابلة معه في برامج الفعاليات الثقافية والأدبية التي كان يظهر فيها بل صارت صورته تظهر بصفة مستمرة أسبوعيا في المقدمة الموسيقية الصوتية لأحد تلك البرامج فكانت ترد عليهم : انظروا إلى هذا الذي تقولوا عنه مجنون ماذا يقول ؟

    فيرد بعض الخبثاء عليها : وما فائدة أن ترينه في التلفزيون أو فوق الصحف .. هل أرسل لك ولأولاده بالمال ؟

    أنتم تعرفون أن ليس أكرم منه يداً , وبذلاً وسيأتي اليوم الذي تفاخرون القرى المجاورة به .

    نفاخر به من ؟ .. لا نريد أن نفاخر به .. نريده أن يشبع أولاده .

    ومن قال أن أولاده جياع ؟ هل حاؤكم أمام أبواب بيوتكم يتضورون جوعاً ويبكون ؟

    لا .. لكنهم سيأتون.

    يحفظ الله سلام زوج عمتهم .. إنه لا يجعلنا في حاجة إليكم .

    وطبعاً يا صديقي حوارات من هذا القبيل كانت تنشب بين والدتي والنساء أو بينها ورجال القرية.

    وما هي إلا حتى جاء أبي إلى القرية .. حضر لزفاف أخته عمتي "قوت القلوب" التي استكبرت أن تزف إلى عريسها دون حضوره .

    مكث معنا شهراً قبل أن يعود إلى المدينة .. وتكرر حضوره ذلك العام حد ما أتذكر .. استعاد عمله وتقاضى مبلغاً كبيراً اشترى منه لأمي عقداً من الذهب تعويضاً عن الذي كانت باعته .

    تلاه عام آخر كنا فيه إلى حد ما في شبه استقرار .. وهنا صمت فاصلاً طويلاً .. لم اكلمه .. رأيت الدمعة تترقرق داخل بركتي عينيه .. وجر نهدة عميقة عميقة وانبرى مواصلاً الحكاية :

    ــ ما يحز في نفسي حواراً دار بينه وأمي في آخر عيد قضاه معنا .. فلم يرجع الينا بعد ذاك العيد إلى يومنا.

    حوار يا أكرم ــ كلما تذكرت تلك الليلة ــ يرن كالجرس في حقول الذاكرة .. أوهمتهم أنني نائم بينما كانا سامران فوق سقف الدار فسمعته يقول لها :

    ــ سامحيني لأني لم أشتري لك ثوبا جديداً للعيد .. لكن عند استلامي المستحقات المتأخرة أعدك بشراء فستان جميل لم يصل القرية من قبل .. سامحيني لأن الظروف لم تساعدني هذه المرة على شراء ثوب لك.فردت عليه : ــ يكفينا أن يفرح أولادنا مع أبناء القرية .. إحنا لم لما يكبروا هم سيعوضونا .

    أبناؤنا .. سمعت مثل هذه الكلمة قبل ثلاثون عاما من لسان أمي لأبي .. وهاأنت الآن تذكرينني فيها اليوم .. يا آلله .. أخشى يوماً زوجة جبران تكررها عليه في وقت يكون فيه إبنه يستمع إليه في هذا السقف . فناداني .. جبران ...جبران .. تظاهرت بالنوم .. فلم أرد .

    ثم واصل حديثه لها :

    ــ نحرم أنفسنا أشياء من أجل أبناءنا .. عساهم يعوضوننا بها عندما نكبر .

    توقف .. وقال :

    ــ شوف يا أكرم أنا لم أعوض أبي الذي خسره من أجلي ، فهل سيكون (عز) ملزم بتعويضي عما سأحرم نفسي وأمه لأجله وإخوانه ؟

    شيء من هذا القبيل تحدثا به تلك الليلة .. ووعيته تماماً .

    عقب العيد أخذ غياب أبي يطول ويطول ، وكثيراً ما كانت أمي تقول أن ما يتقاضاه شهرياً يقسمه نصفين .. نصف يبعث به إلينا .. والنصف الآخر يعيش عليه ، وكل الذي يتقاضاه لا يعدو النصف من الذي يستحقه ، وأنه حالما يستلم متأخرات النصف الباقي لدى الوزارة سيكون في مقدوره إما أخذنا معه إلى المدينة , أو سيكون في مقدوره زيارتنا مرة في الشهر أو الشهرين على الأقل .

    ولشدة تعلقي الكبير به فقد كنت أشعر بافتقاري دائماً إليه ..كنت عندما أرى أبناء القرية برفقة آبائهم الذين يجيئون ويذهبون على فترات أو مدد قصار ، أحس بالغبن الذي لا أقوى على وصفه ألان ، وأظل أتساءل

    ــ لماذا وحدي أنا الذي أبي يحترمه – لا أقول الجميع ولكن – الغالبية ممن كنت أعرفهم ، يغيب عنا كثيراُ كثيراً؟

    مر شهر لم يزورنا .. ثم اتصل يقول : سأزوركم في الشهر القادم فالمتأخرات التي قلت ستصرف كما قالت لنا نقابتنا لم تصرف بعد .

    جاءت إجازة نصف العام ولم يحضر ومر النصف الثاني ولم يحضر.

    دخلنا في إجازة آخر السنة ولم نرى له وجهاً سوى أننا كنا نسمع صوته فقط ووعود تتلوها وعود .

    اكتمل العام على العيد الأخير الذي قضاه معنا .. حيث جاء العيد التالي له .. العيد الذي أرسلت إليه بتلك الرسالة.

    وكان قد اتصل بنا قبله بعدة أيام يعتذر أنه لن يستطيع قضاءه معنا .. أفاد أن المبلغ الذي معه قد يصرف نصفه في طريق سفره حال سافر ، ولن يفي النصف الباقي لشراء مقاضي العيد من ملابس وأضحية وقال :أنه لهذا السبب يفضل البقاء في المدينة .

    يومها اتصلت به وسمعني أبكي .. ولمست أثر البكاء أيضاً يختلط في كلمات صوته وهو يخاطبني كإبن كبير قلت له حد ما أذكر :

    ــ لا أريد ثياباً جديدة .. أريدك أن تعود تقضي معنا العيد .

    ــ أعذرني يا ولدي الالتزامات علي في القرية كبيرة .. إذا سافرت سأطالب بها .. لا أحد سيعذرني .. وأنت لا ترضي بإحراجي أمام هؤلاء الناس وأعدك بزيارتكم الشهر القادم فمن المحتمل نتـقاضى المتأخرات من فوارق المعاش بعد العيد .

    إن عصابة اختطفته .. زعم أن بعض المسئولين ممن يجمعون بين مناصب في السلطة ويمارسون التجارة في السوق ، وأنه دائماً يلمح لهم في مقالاته ، ولما تأكد لهم أنه من نشر جدولاً بأسمائهم في صحيفة بيَّن فيه مسميات المناصب الوظيفية وحدد أسماء شركاتهم التجارية التي يمتلكونها .. دلوا عصابة تتبعهم اختطفته وضح النهار من وسط الشارع .

    وقائل :

    ليس ثمة شيء من كل هذه الأخبار صحيح .. فالرجل صار يهيم على وجهه في شوارع المدينة أقرب إلى المجنون منه شخص عاقل .

    ومن الأنباء ما كانت إلى الصدق أقرب ، تبين فيما بعد صدقتيها.

    كالمهندس داود الذي جاء حديثه إلينا :

    الحقيقة يا أم جبران هي أن ترك زوجك للجامعة حد كثيراً من طموحاته .. وأنا أعرف أن قدراته تفوق كثيراً بحكم ثقافته وسعة اطلاعه كثيرين ممن يشغرون مناصب كبيرة وهم دونه معرفة سواء في المدارس أم في الإدارات .... لمجرد أنهم يمتلكون شهادات كرتونية من الجامعة .. وعندما تعب وأصابه الملل لم يعد يقوى على الاستمرار في تدريس الأطفال .. لهذا انصرف إلى الكتابة في الصحف،والمجلات, قد تعددت كتاباته وتنوعت.

    مازلت أتذكر كيف كان يقلب عينيه , ويقلص حاجبيه , ويتلاعب بحواس وجهه .. فتارة يقبضها وتارة يبسطها وكأنه يستعرض أمام زوجته وأمي وأردف :

    ــ لكنه حتى وهو يتجه إلى هذا المجال لا أخفي عليك أنه لم يستقر عند خط معين في الكتابة ، فلا هو بين كتاب القصة قاصاً، مع أنه كتب كثير قصص ولطالما حكى لي أو أسمعني قصصاً مازال منسوخة مسودات في دفاتره المبعثرة .

    زوجك يا أم جبران لا هو أيضاً بين كتاب النقد ناقداً ، مع أنه شارك وكتب في عديد من الفعاليات والكتابات النقدية ، ولا هو بين الباحثين باحثاً، مع أنه نشر عشرات الأبحاث في قضايا فكرية وتراثية، كما أنه ليس بين الصحفيين صحفياً مع أن مقالاته وتحقيقاته الصحافية والتقريرات التي تناولها في الصحافة تتجاوز المائة..

    وأضاف "داود" يوم ذاك لوالدتي "عليك أن لا تقلقين عليه لقد استيقظ وأدرك أن الثقافة والكتابة في هذه البلاد لا تؤكل عيش .. هكذا أخبرني في لقائنا الأخير وأكد لي أنه يتابع وراء مرتبه الشهري ، وسيوزع من جديد إلى إحدى المدارس".

    كان حديث المهندس داود لوالدتي في منزله البعيد عن قريتنا ميل ونصف الميل هو الأقرب الصدق .. الأمر الذي جعلنا أقل قلقاً عليه .

    ياصديقي : لم يكن يمر أسبوع دونما نقابله فنراه يحدق فينا بصمت من فوق صدر إحدى الصحف . ولا نقرأ ما يكتبه فحسب بل نقرا تعابير الحزن تعلو جفنيه وتستوطن عينيه .

    في منتصف إحدى الليالي الشتوية باغت حجر فردة نافذة الغرفة، فصحونا أنا وأمي وأخواني وعمتي .. وكانت جدتي لامي جاءت لزيارتنا فباتت عندنا.. أطلت أمي من النافذة فإذا بصوت جارتنا "نور"

    زوجك ..زوجك

    أين هــو ؟

    افتحي التلفزيون .

    قفزت عمتي مثل الغزال مسرعة بين الفرش .. فتحت التلفاز.. رأيت والدي بنحالته , و كانتا عظمتا وجنتاه من أثر الضعف واضحة، إلا أنه كان يتقد .. توقف .. وأخذ يشير بيده اليمنى , ويهزها كأنها هي التي تنطق بكبرياء لا لسانه الصامت ثم أردف مواصلاً حكايته لي :

    كان رغم الإرهاق البادي عليه يتقد ثقة بنفسه , ويبرق شجاعة في طرحه .. كلامه هادئ .. كأنه كان يخاطبنا نحن لا المذيع الذي يحاوره .

    ناديت عمتي الأخرى وزوجها من الغرفة المجاورة .. تحولت غرفتنا التي كانت غارقة في سكون الليل البهيم قبل تلك اللحظة إلى ما يشبه اجتماع كبير في حفل هام .. لم ننام سوى القليل من الشطر الباق لتلك الليلة.

    ولأن البرنامج يعاد بثه في عصر اليوم التالي ، فقد أخذت أكلم رفاقي في المدرسة .. البعض وعدني بمشاهدته، والبعض جاء رده :

    وماذا يعني أن يظهر أبوك في التلفزيون ؟.. ! ومنهم من راح يخبر مدرسة الفصل ، فبان عليها الحبور وهي تقول : هل هذا صحيح ؟.

    نعم .. رأيته في برنامج اسمه " قضايا ثقافية " ليلة أمس .

    أعدك بمشاهدته .. فقد كان والدك أستاذي ذات يوم .

    ذهبت دور القرية تتناقل خبر ظهوره في التلفزيون، وقبل إعادة بث البرنامج بلحظات ، كانت شوارع و القرية شبه خاوية من الناس .

    ليس ثمة أحد يسير في زقاق القرية.. الكبار والصغار ، الإناث والذكور .. الجميع أمام شاشة التلفاز ينتظر ، وعندما بدأ البرنامج صرنا نتزاحم أمام الشاشة بكل الصمت .. نعم هدوء لا نظير له كأننا سنتبع كلامه لنحفظه عن ظهر قلب .. حتى أن عمي مانع سجل البرنامج كاملاً بمسجلته .

    وفي ذلك الأسبوع تركز حديث القرية حول والدي .. كل البيوت تتكلم عنه .. ووصلت أن بعض النسوة عيرن أزواجهن وانتهت الأمر إلى خلافات وحنق إلى بيت الأب ولم تعد محصنة إلا بعد أن خسر عبد اللطيف الشيئ الفلاني .

    ولا أنكر أن فخري به كان غير محدود حينها خاصة بعد الذي سمعته على لسان الأستاذ عبد القادر ، الرجل الذي لم يحب والدي أحداً القرية مثله ، قال لي حينما رآني :

    ــ أيوه يا جبران .. هذا هو والدك كما عرفته .. دائماً مغامراً ، شجاعاً ، مناصراً

    هذا الحدث أسقط الأنباء الواردة من المدينة كتلك القائلة بأنه مجنون , أو ضائع أو رجل عديم المسئولية وتلك التي تقول أنه تزوج بامرأة أخرى وأنجب منها أطفالاً فهجرنا .

    أمي صارت أكثر زهواً .. لا سيما بعد أن تكررت المقابلة معه في برامج الفعاليات الثقافية والأدبية التي كان يظهر فيها بل صارت صورته تظهر بصفة مستمرة أسبوعيا في المقدمة الموسيقية الصوتية لأحد تلك البرامج فكانت ترد عليهم : انظروا إلى هذا الذي تقولوا عنه مجنون ماذا يقول ؟

    فيرد بعض الخبثاء عليها : وما فائدة أن ترينه في التلفزيون أو فوق الصحف .. هل أرسل لك ولأولاده بالمال ؟

    أنتم تعرفون أن ليس أكرم منه يداً , وبذلاً وسيأتي اليوم الذي تفاخرون القرى المجاورة به .

    نفاخر به من ؟ .. لا نريد أن نفاخر به .. نريده أن يشبع أولاده .

    ومن قال أن أولاده جياع ؟ هل حاؤكم أمام أبواب بيوتكم يتضورون جوعاً ويبكون ؟

    لا .. لكنهم سيأتون.

    يحفظ الله سلام زوج عمتهم .. إنه لا يجعلنا في حاجة إليكم .

    وطبعاً يا صديقي حوارات من هذا القبيل كانت تنشب بين والدتي والنساء أو بينها ورجال القرية.

    وما هي إلا حتى جاء أبي إلى القرية .. حضر لزفاف أخته عمتي "قوت القلوب" التي استكبرت أن تزف إلى عريسها دون حضوره .

    مكث معنا شهراً قبل أن يعود إلى المدينة .. وتكرر حضوره ذلك العام حد ما أتذكر .. استعاد عمله وتقاضى مبلغاً كبيراً اشترى منه لأمي عقداً من الذهب تعويضاً عن الذي كانت باعته .

    تلاه عام آخر كنا فيه إلى حد ما في شبه استقرار .. وهنا صمت فاصلاً طويلاً .. لم اكلمه .. رأيت الدمعة تترقرق داخل بركتي عينيه .. وجر نهدة عميقة عميقة وانبرى مواصلاً الحكاية :

    ــ ما يحز في نفسي حواراً دار بينه وأمي في آخر عيد قضاه معنا .. فلم يرجع الينا بعد ذاك العيد إلى يومنا.

    حوار يا أكرم ــ كلما تذكرت تلك الليلة ــ يرن كالجرس في حقول الذاكرة .. أوهمتهم أنني نائم بينما كانا سامران فوق سقف الدار فسمعته يقول لها :

    ــ سامحيني لأني لم أشتري لك ثوبا جديداً للعيد .. لكن عند استلامي المستحقات المتأخرة أعدك بشراء فستان جميل لم يصل القرية من قبل .. سامحيني لأن الظروف لم تساعدني هذه المرة على شراء ثوب لك.

    فردت عليه : ــ يكفينا أن يفرح أولادنا مع أبناء القرية .. إحنا لم لما يكبروا هم سيعوضوننا .

    أبناؤنا .. سمعت مثل هذه الكلمة قبل ثلاثون عاما من لسان أمي لأبي .. وهاأنت الآن تذكرينني فيها اليوم .. يا آلله .. أخشى يوماً زوجة جبران تكررها عليه في وقت يكون فيه إبنه يستمع إليه في هذا السقف . فناداني .. جبران ...جبران .. تظاهرت بالنوم .. فلم أرد .

    ثم واصل حديثه لها :

    ــ نحرم أنفسنا أشياء من أجل أبناءنا .. عساهم يعوضوننا بها عندما نكبر .

    توقف .. وقال :

    ــ شوف يا أكرم أنا لم أعوض أبي الذي خسره من أجلي ، فهل سيكون (عز) ملزم بتعويضي عما سأحرم نفسي وأمه لأجله وإخوانه ؟

    شيء من هذا القبيل تحدثا به تلك الليلة .. ووعيته تماماً .

    عقب العيد أخذ غياب أبي يطول ويطول ، وكثيراً ما كانت أمي تقول أن ما يتقاضاه شهرياً يقسمه نصفين .. نصف يبعث به إلينا .. والنصف الآخر يعيش عليه ، وكل الذي يتقاضاه لا يعدو النصف من الذي يستحقه ، وأنه حالما يستلم متأخرات النصف الباقي لدى الوزارة سيكون في مقدوره إما أخذنا معه إلى المدينة , أو سيكون في مقدوره زيارتنا مرة في الشهر أو الشهرين على الأقل .

    ولشدة تعلقي الكبير به فقد كنت أشعر بافتقاري دائماً إليه ..كنت عندما أرى أبناء القرية برفقة آبائهم الذين يجيئون ويذهبون على فترات أو مدد قصار ، أحس بالغبن الذي لا أقوى على وصفه ألان ، وأظل أتساءل

    ــ لماذا وحدي أنا الذي أبي يحترمه – لا أقول الجميع ولكن – الغالبية ممن كنت أعرفهم ، يغيب عنا كثيراُ كثيراً؟

    مر شهر لم يزورنا .. ثم اتصل يقول : سأزوركم في الشهر القادم فالمتأخرات التي قلت ستصرف كما قالت لنا نقابتنا لم تصرف بعد .

    جاءت إجازة نصف العام ولم يحضر ومر النصف الثاني ولم يحضر.

    دخلنا في إجازة آخر السنة ولم نرى له وجهاً سوى أننا كنا نسمع صوته فقط ووعود تتلوها وعود .

    اكتمل العام على العيد الأخير الذي قضاه معنا .. حيث جاء العيد التالي له .. العيد الذي أرسلت إليه بتلك الرسالة.

    وكان قد اتصل بنا قبله بعدة أيام يعتذر أنه لن يستطيع قضاءه معنا .. أفاد أن المبلغ الذي معه قد يصرف نصفه في طريق سفره حال سافر ، ولن يفي النصف الباقي لشراء مقاضي العيد من ملابس وأضحية وقال :أنه لهذا السبب يفضل البقاء في المدينة .

    يومها اتصلت به وسمعني أبكي .. ولمست أثر البكاء أيضاً يختلط في كلمات صوته وهو يخاطبني كإبن كبير قلت له حد ما أذكر :

    ــ لا أريد ثياباً جديدة .. أريدك أن تعود تقضي معنا العيد .

    ــ أعذرني يا ولدي الالتزامات علي في القرية كبيرة .. إذا سافرت سأطالب بها .. لا أحد سيعذرني .. وأنت لا ترضي بإحراجي أمام هؤلاء الناس وأعدك بزيارتكم الشهر القادم فمن المحتمل نتـقاضى المتأخرات من فوارق المعاش بعد العيد .

    فأرسلت مع الطبل بعد العيد مباشرة برسالة .. وهاأنذا في نفس التوقيت بعد ثلاثون عاماً استلم رسالة من (عز).

    والدي العزيز لا أريد أن أقول لك أنني وأمي وأخواتي قد اشتقنا إليك كثيراً لأن ذلك صحيح ولكن ما أريد قوله لك : لماذا تكذب علينا يا أبي ؟ دائماً تقول ستأتي ولا تأتي .. كم مرة تخبرنا هذا الشهر ستزورنا .. ثم لا تزورنا ؟ سامحني إذا ما قلت أنت تكذب ، فلقد عودتنا على الصراحة والصدق حتى لو فيه قطع رقابنا . والدي العزيز سمعت أمس أغنية لعبد الحليم حافظ من الإذاعة يقول فيها .. اشتقت إليك فعلمني ألا أشتاق .. فعلمني يا أبي ألا أشتاق . المشتاق إليك

    جبران

    ـ وهذه هي الرسالة التي وصلت اليوم تفضل اقرأها .

    قرأتها .. نظرت إليه غير معقب فأردف مواصلاً : نعم في حين كنت أنا من كتب تلك الرسالة يعبر فيها عن شوقه إلى أبيه الكثير الغياب في المدينة تجيئني هذه الرسالة من ابني "عز" الجديد المضاف إليها هو أنه وجدها داخل أحد كتب جده الذي هو والدي .. نقلها كما هي وأرسلها إلي يذكرني بما سويته مع جده الذي صرت مثله كثير الغياب وأنه سأل جدته (أمي) فقصت عليه حكاية والدي ربما كان والدي يومها مظلوماً حينما اتهمته بالكذب .. فهاأنذا عاجز حيال وعودي أن أزور أولادي منذ عيد الفطر المبارك .

    ربما وقع وزر والدي أنه ظل أسير الوظيفة .. بل صار من المؤكد أنه لم يكن لا يكذب بمحض إرادته .

    هاأنذا منذ شهور انتظر فوارق ألاستراتيجيه بل منذ ثلاث سنوات.. لكن مذ بضعة أشهر تربو عن نصف سنة تقريبا صرت انتظر أكثر , وأكذب أكثر .. كل أسبوع يقال لي الكشوف في الخدمة المدنية ،فأقول على ضوء ما يقال لي .. الشهر لقادم سنتقاضاها وأتصل بالقرية أؤكد لهم الشهر القادم سأزوركم . يمضي شهر يتلوه الشهر ثم العام يتلوه عام.. صرت في نظر أولادي كذاباً. أود لو كان والدي حياً سأقول له : عفواً أبي الآن فقط أدركت .. أنك لم تكن كذاباً .. فهنالك من يعلمنا الكذب عوضا عن أشياء كثيرة هامة .[/b]

  • للإصلاح .. حتى لا يلدغ نفسه *

    بقلم/ منصور السروري
    الخميس 07 فبراير-شباط 2008 09:38 ص
    --------------------------------------------------------------------------------
    مأرب برس – خاص

    • ليس من مصلحة حزب كالإصلاح أن تفتح بعض عناصره نافذة تمر عبرها إجراءات لممارسات قد تسيء إلى سمعته وتؤثر على مكانته في الشارع السياسي الذي تتعاطف كثيرا أغلبية شرائحه الاجتماعية سواء مع صحيفة "المستقلة" أو مع صاحبها النائب البرلماني الحقوقي "حاشد".

    • الحملة الاخيرة التي شنت قبل ايام عدة وما زالت مفتوحة تداعيات تطوراتها على أكثر من إحتمال تؤكد ان هناك خفايا نوايا تكاد تعلن عن الموقع الحقيقي لانتمائها السياسي .. ومن الطبيعي هنا الشك في أنها لا تمثل حزب الإصلاح التنويري – حتى وإن كانت تنتمي اليه -- بالقدر الذي تمثل وتجسد فيه على أرض الواقع الدور الطبيعي للقوى العبثية الرافضة أن يحدث أدنى تحول أو تطور أو تغيير في مجرى الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في هذا الوطن .

    • قطعاً الإصلاح كتيار يشكل حضوراً واسعا في اللعبة السياسية إن لم ينتبه لمثل هذه الاختراقات سيتأثر كثيراً في وعلى المستقبل المنظور .. ذلك أن أية مبادرات لا تعد صحيحة ما لم تستوعب مصفوفة القضايا المناط من الإصلاح السياسي ..الإصلاح الحزب .. أن يناضل ويشتغل عليها .

    • قضايا وطنية ..مصيرية.. يتوقف على إنجازها الحال الذي ينشده قرابة (عشرة ملايين) نسمة يقبعون تحت خط الفقر , وأكثر من مليون طفل وطفلة بين سن (7 إلى 14 ) سنة يجوبون شوارع وأحياء المدن وربوع البوادي يبحثون عما يقيم صلبهم ، وقرابة (700 ألف ) قضية في أروقة المحاكم الابتدائية والاستئنافية وما في مستوياتها .

    • على الإصلاح أن يلتفت إلى قضايا تنمية الموارد البشرية من محو الأمية وتصحيح أوضاع التعليم والصحة وإعداد الفرد القادر على صناعة وجه الحياة العابس .

    • وإن تعد قضايا الوطن فلن تحصى.. هي المعترك وهي المحك الحقيقي للعمل الذي يريده الله تعالى ,والدين ,والإنسان الباحث عن إنسانيته .. وليس في امتطاء قضايا ثانوية لا تشبع الناس من جوع ولا تغنيهم من خوف . فمثل قضايا النشر لا يفترض النظر إليها إلا من زوايا عديدة ..من زاويا التوعية ومن زاويا القراءة لها قراءة موضوعية وأمينة ومن زاويا الأهداف المبتغاة من وراء نشر ماد ة (في عصر الفضاء والإنترنت )عبر صحيفة المستقلة .

    • وواهم من يظن أن الهدف من وراء نشر مواد مثيرة في المستقلة يأت من باب السعي وراء تحقيق الربحية أو لإثارة وإشاعة الخطيئة .. من يتوهم ذلك فهو مخطئ.. لأننا أولا وقبل كل شيء ندرك بوعي أننا ننتمي إلى هذا المجتمع الذي يجب أن يحافظ على عاداته وأخلاقه وتقاليده ، ونحن أول من يحترمها .

    • و في المقابل يجب أن يعي كل من يضع وينصب نفسه وصيا على الدين أن المستقلة تؤمن بأن الله ربنا ,وبأن الاسلام ديننا ,وبأن محمدا نبينا ..ونعلم انه ليس من العقيدة أو الشريعة في شيء... التقوقع داخل قوالب منغلقة على ذاتها .. جامدة .. ولا تتحرك لترى أن السكوت عن المحضور الغير محرم بنص لفظي قطعي الدلالة هو ما يساعد على إشاعته وانتشاره .

    • و حين نقف ننظر بصمت إلى ما يجري خلف الجدران ، وحين يغيب عن أداهننا أن العلم بالأشياء يقي موارد التهلكة والنتائج غير المتوقعة .. وحين يغيب عن وعينا أن التحصن ضد اختراق أخلاقنا وأمننا وسكوننا هو في الصمت .. حين غاب كل ذلك .. شاعت الأمية ,والجهل ,والتخلف ,وكثرت الأوهام والأخطاء لأننا عنها منشغلين في مناقشات أمور جانبية لا تمت بأية صلة لمآسي الناس ..

    • من هنا كان لزاما علينا في المستقلة ..أن نحفر وأن نكشف عن كل مستور تعمدنا نسيانه أو تغاضينا عنه ، ليس للإشاعة ..ولا للإثارة ..وإنما لنحذر أطراف وكثير جهات :

    أولاً : المعرضين (بفتح العين والراء) من تلك الفئات عن الوقوع فيها ذكوراً أوإناثاً.

    ثانياً : المستهدفين بالضياع . وثالثاً : المجتمع بكل مكوناته من( الأسرة إلى القرية / الحارة – المدرسة – البيئة) ومختلف مؤسساته .

    • فالإعلام ليس رسالة خبرية وحسب .. بل صار المرآة العاكسة للواقع بكل أتراحه وأفراحه .. ونحن في المستقلة اخترنا الأتراح والانتماء للحقيقة دائما .. وعرضها للجميع بكل مرارتها وأوجاعها.. ومادامت في سبيل الحقيقة فنحن مستعدون لتحمل كل نتائج تبعاتها مهما كانت.

    • أما الذين يمتطون تكييف وتأويل ما لم نقله أو نعتقده فإنما يركبون الموجة في الاتجاه الآخر .. اتجاه الخوف من الحقيقة ..وهم بذلك إنما يفصحون عن أنفسهم .. عمن يكونون هم ؟ وعن الذي يعملون معه وله ؟ .

    • أجل ..إنما يكشفون القناع عن حقيقة مواقعهم , وبالتالي يضرون من ينتسبون إليه .. لأنهم في الأصل ليس منه , ولأن متطلبات تداول الأدوار ، احتاجتهم ليؤدوا مثل هكذا مهمة فقد أنبروا لها .

    • و على عقلاء الإصلاح الانتباه لذلك والكف عن شن هجمة غير مقدرة أبعاد نتائجها على مستقبلهم السياسي . والكف عن معارضة أنفسهم .. فالمستقلة وصاحبها ، وكل طاقمها ، كانوا ولا يزالون بجانب المطحونين بكلف العيش ، بجانب الغلابى الذي يفترض أن حزب الإصلاح يناضل مع كل من يناضل من أجلهم .. وللإصلاح أن يتذكر أبعاد الحديث الشريف "المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين" .

    Mensourori93@hotmail.com

    تعليقات:
    1)
    العنوان: كفى الشعب ما يعانيه من الحكومه
    الاسم: صلاح القاسمي
    الاخ منصور الاصلاح واقف مع الشعب بكل المجالات السياسيه والاقتصاديه والاجتماعيه ليس مهمة الاصلاح ان يدافع على الشعب في مجال ويترك باقي المجالات اخي العزيز ما الهدف من نشر الصور الاباحيه في الجريده وإن كانت موجوده في الواقع لو أفترضنا هل بطريقتك للنشر تحاربها ام تأيدهاأليس مسخ لقيمناومعتقداتنا وان كانت اكثرالقصص التي تنشرونها من مجتمعات خارجيه هل هدفكم ايصال هذا الشعب المطحون الى ما وصلت اليه هذه المجتمعات المنحطه خلقيالو انتم كما تزعمون تدافعون عن الشعب وعن خيرات البلاد فعرفوا اين توجهون سهامكم ضد الظلم ليست ضد الشعب فالدوله تتعمد تخريج جيل جاهل وانتم تريدون جيل منحط خلقياالحكومه فساد إقتصادي وانتم فساد خلقي وإجتماعي لذلك كان لابد للإصلاح والشرفاء من ابناء الشعب ان يقف ضدمن يريد بالشعب سوء الوقفه فرويداً اخي العزيز الاصلاح وصي على الدين كما انت ايضا وصي على الدين
    ولك الشكر أخ منصور
    2008-02-07
    2)
    العنوان: الاصلاح صمام امان للوطن
    الاسم: المخلافي 10 الهند
    في هذه المرحله العصيبه في بلادنا وتمترس الحزب الحاكم ورفضه لكل دعوات العقلاء ..يظل الاصلاح هو الحزب الوحيد لقيادة البلاد الى بر الامان رغم الاخطاء التي يفتعلها بعض اعضائه او من يدعي انه عضو فيه والاصلاح منه براء..وجل من لا يخطئ..الاصلاح حزب يحبه ويحترمه الجميع
    2008-02-07
    3)
    العنوان: يا جبل مايهزك ريح
    الاسم: صالح بحيبح
    الاصلاح جبل شامخ وعصي على عوامل التعريهسالين المولى عز وجل ان يوفق قيادته الى كل خير وصلاح لابناء الوطن جميعا هذا راي واي مقال يعبر عن راي كاتبه والموقع للجميع انشرو يامارب برس وتقبلو خالص تحياتي
    2008-02-08
    4)
    العنوان: خوارج الزمن الحاضر
    الاسم: سامي الحضرمي السلفي
    الحمدلله وبعد
    الى كل من اغتر بحزب التجمع اليمني للاصلاح اوجه له هذا الكلام اولا الحزب هذا حزب يمشي على غير هدى الله والسلف الصالح و بين اعضائه العديد من المخزنيين والمدخنين والمسبلين والحالقين لحاهم والصوفيين وبعض من الملل ولا استبعد حتى الشوعيين في الحزب الاشتراكي حزب يسعى الى الفتن والخروج على الحاكم وهذه حقيقة كنت عضو في هذا التجمع الباطل للاسف من عام 97م الى عام 2006م يعني تقريبا مدة عشرسنوات القوم غير منظمين انفسهم ومنقسمين على انفسهم ويحملون البطاقة العضوية هكذا بس والله العظيم اني من يوم قطعت البطاقة ولا احد يوم سئل عني الا في وقت الانتخابات مايحتاج الكلام اقول القوم مافهموا دينهم كيف يفهموا شعبهم وهذا الكلام نابع من ارادتي ولست مدعوم من احد الا اني مخلص نيتي لله واطلب الاجر منه والثواب واقول اتركوا الامر لاصحابه ولاتنازعوه الامر اهله واطلبوا العلم الشرعي الصحيح واقتدوا بالسلف
    2008-02-09
    5)
    العنوان: حقيقة الإصلاح
    قليل جداً من الاصلاحيين أولئك الذين تجدهم معتدلين و(متنورين) أما الغالبية فهم سلفية وهابية يلبسون لباس السياسة (المحرم) للاضطرار ... مع كل احترامي للأخوان المعتدلين المتعلمين الواعيين في حماس ومصروالاردن وبعض من في اليمن
    2008-02-09

  • اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين..

    أدب وثقافة
    اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين.. معاينة داخل حقل الأمانة العامة على ضوء الأهداف والمهام في النظام الأساس
    الأربعاء , 21 يناير 2009 م

    - منصور السروري

    ترتكز هذه القراءة على محورين أساسيين, تجيب في المحور الأول على سؤالين الأول: إلى أي مدى نفذت المهام والأهداف المنصوص عليها في فقرات النظام الأساس لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين؟
    والسؤال الثاني: ما الانجازات التي أحرزتها الأمانة العامة على ضوء الأهداف المنصوص عليها في النظام الأساسي؟
    وتجيب القراءة في المحور الثاني: على سؤال: هل صارت بعض فقرات أو مواد النظام الأساس شائخة؟ كونها صيغت وعدلت في ظروف وأجواء سياسية, ومتغيرات اجتماعية وأوضاع اقتصادية ومناخات فكرية شديدة التباين والاختلاف فأضحت كل أو جزء فقرات ومواد النظام الأساس فباتت شائخة تقتضي تغيير أو تحديث يتناسب وطبيعة المتغير الذي يعيش فيه كتاب العقد الأول للألفية الجديدة.
    اللانجاز حيث اللامهام
    الحديث عن انجاز أحرزه الأمناء الـ (11) خلال فترة وجودهم على قيادة الاتحاد سيكون ظلماً اذا ما منحوا درجة واحدة في ما بذل من قبل كل واحد منهم من اداء في مهامهم المحددة في النظام الاساس.
    ان حصيلة اللانجاز حقيقي نتاج طبيعي للامهام.. او حيث لا مهام عملية تنفذ تامة لا انجاز حقيقي سيذكر, الذي اقصده- هنا- ان للاتحاد نظام اساس حدد في المادة الـ 3 منه (12) هدفاً تضمنت جميعها 35 هدفاً فرعياً داخل منطوقها وحدد ايضاً مواد(23,22,21,20,19,18,17,16,15,14) أي (10) مواد نصت جميع فقراتها على مهام اعضاء الامانة العامة بقصد احراز جميع الاهداف المحددة في المادة 3 وليست فقط تيك المهام محددات لوظائف كل أمين فحسب وانما علاوة على ذلك يفترض ان تكون خلايا ادارية مؤسسية قائمة بذاتها داخل مبنى الاتحاد.
    فأين هي هذه الادارات داخل المبنى؟
    ولأنه ليس ثمة ادارات موجودة اصلاً عدا مكتب الامين العام وغرفة السكرتارية والمكتبة ومجلسي القات وارشيف وصالة الاجتماعات وصالة الفعاليات.. وما دون ذلك فليس ثمة ما يدل على ان هناك امانات عامة, بل يدير كل امين مهمته من بيته عدا الامين العام وهذا ما عنيت به ان لا مهام نفذت ولا اهداف افرزت, وبالتالي لا انجاز كبير مشهود على ارض الواقع واذا ما كانت هنالك بعض الانجازات التي تحققت على صعيد ما.. فلا يجب ان تعزى الى هذا الامين او الامانة المعنية بل الى ذينك القائدين (احمد ناجي احمد- الامين العام المساعد وهدى ابلان الامين العام نحو (منتدى الاثنين) وصندوق الرعاية, الاراضي وقضايا الحريات...... الخ) لهذا اجدني مضطراً للوقوف امام كل امانة على حدة من خلال المهام المحددة في النظام الاساس الذي نسخت صورة منه من الموقع الخاص بالاتحاد على شبكة الانترنت فاعتمدت عليه دون غيره كونه المنشور والمعرف بأهداف ومهام وهيكل اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين.
    ولا يفوتني ان اشير قبل كل شيء الى انني قبل هذه القراءة:
    اولاً قد تكون علامات الاستفهام التي سأوردها ادنى كل امين في الامانة العامة من مهام المكتب التنفيذي بيد اني ككاتب وقاص- اذا جمع كتاباته السردية وتلك الدراسات التي نشرتها في عشرات الصحف والملاحق الثقافية لتجاوزات الخمسة الكتب تعذر جمعها لغياب الامكانات المادية لديه وغياب المؤسسة الحاضنة كهذا الاتحاد- فحرم وغيره من اسقاط الفقرة الـ6 في المادة الـ 3 من النظام الاساس حيث تنص على "تبني المواهب الادبية اليمنية ورعايتها ومساعدتها على التطور", اسقطت هذه الفقرة من قائمة الاهداف عملياً وابقيت نصياً للقراءة فحسب وهذا الامر يجعلني اقف امام كل امين ككاتب او مثقف- ان جاز لي نعت ذاتي بالمثقف- من ناحية.
    ومن ناحية اخرى ان هذا الاتحاد يتقاضى دعماً سنوياً من مال عام الدولة والشعب وانا وغيري ننتمي الى هذا الشعب ومن حقنا ان نعرف كيف يصرف هذا المال؟
    ومن ناحية ثالثة: ان الاتحاد هو اقدم مؤسسة وطنية وحدوية تأسست في ظروف جد معقدة وحملت اهدافاً عظيمة سعت لتحقيقها فأحرزت مع القوى الحية والشريفة والمخلصة وحدة الـ 22 مايو 1990م مرتين عند تأسس الاتحاد مرة فكانت السباقة بالوحدة, وعام 1990م مرة اخرى حيث جنت الثمرة.. كل هذه الاعتبارات وغيرها تعطينا الحق في سؤال قيادة الامانة العامة الحالية ماذا ولماذا وهل.......الخ؟
    ثانياً: لست احمل الحقد او الضغينة ضد احد بل لا اعرف بعض اعضاء الامانة العامة إلا من خلال الصحف ولقاءات عابرة في الاتحاد وبعض الفعاليات, وما مبعث هذه القراءة سوى التقييم لمؤسسة نخبوية وصفوة فكر وأدب الوطن التي يجب ان تقرأ حتى لا يظل هذا الصرح العملاق عبارة عن كوخ او يحول ويحال الى كوخ.. من كل ما سبق اكون قد أجبت على السؤال الثاني للمحور الاول وستكتمل الإجابة بالإحاطة لدى مناقشة السؤال الاول من نفس المحور.
    أمنية الرعاية الاجتماعية
    المادة الـ23 من النظام الاساسي احتوت على 6 فقرات.. عند تفكيكها ستكتشف فشلاً ذريعاً أصاب امينة العلاقات الاجتماعية تغريد الحكيمي من خلال السؤال على الفقرات التالية:
    - تتولى اعمال صندوق الرعاية الاجتماعية.. هكذا تنص المهمة الاولى (تتولى) لكن السؤال: ما هي تلك الاعمال؟ وأين هي اصلاً؟ ثم كم عدد الاسماء التي تستحق الرعاية الاجتماعية في كل محافظة من المحافظات التي فيها فروع للاتحاد؟ هل استطاعت (الحكيمي) ان تحصي عدد المستحقين للرعاية في كل محافظة؟ هل لديها اسماء بذلك؟ هل طالبت الفروع ورفضت الفروع ان تمدها باسماء؟ وما دليلها على انها طلبت والفروع قصرت؟ هل لديها دليل براءتها من تقصير الفروع؟ وهل اقترحت الصرف للحالات المستحقة للرعاية؟ كم مرة اقترحت؟ وهل نفذ اقتراحها؟ ألديها لائحة خاصة بالرعاية؟ كم قوام الاسماء المشمولة فيها من اجمالي اعضاء الاتحاد في الجمهورية؟ وهل عالجت بصفة مستمرة؟ وبموجب المادة الـ 30 من النظام الاساس (الخاصة بموارد الاتحاد المالية) هل بحثت عن موارد مالية للصندوق؟ هل استطاعت ان تعزز مورداً جديداً غير مورد الدعم السنوي من خزينة الدولة؟ بل هل أقامت علاقات مع جهات مماثلة معنية بالرعاية الاجتماعية؟ من هي هذه الجهات وما عددها؟
    هذه الاسئلة وغيرها كثير ليس ثمة اجابة عليها دون ريب.. لماذا لأننا لا نعرف ان داخل مبنى الاتحاد ثمة مكتب خاص للامين الاجتماعي؟ وبما انه لا يوجد لها مكتب من اساسه, فأنى ستقوم بكل تلك الاعمال المحددة في الاسئلة اعلاه؟.. ومن المحتمل ان يكون لديها سجل مقر من المكتب التنفيذي بعديد اشخاص صرفت لهم مساعدات بعضها مؤقتة او عابرة كتلك التي صرفت لبعض الكتاب والشعراء او الادباء وثمة نفر امثال (الخيواني) ونافذة الانصاف انجاز صندوق الرعاية لا يعد انجازاً لأنه كان ضمن اهداف ومهام المؤتمرات السابقة, تعذر العمل فيه لعدم وجود الدعم الكافي للاتحاد من المال العام الذي لم يكن بمقدار ما يصرف حالياً حيث وصل الى 16 مليون سنوياً ولتغريد اقول ايان فكرتي الرد على هذا حبذا ان يكون على كل علامة استفهام وردت هنا.
    السقاف لم يهشم العلاقات الخارجية.. ولكن!!
    الدكتور هشام السقاف أمين العلاقات الخارجية احد الخمسة المتميزين في الأمانة العامة (ابلان, ناجي, العولقي, جبر) اتسمت مواقفهم بالايجابية في عديد مواقف وبعدم الخلط بين مرجعيتهم السياسية او الفكرية ومواقعهم في الأمانة العامة, تجلى ذلك واضحاً في أكثر من موقف خصوصاً موقفهم الداعم لمنتدى الاثنين- ابرز محطة مضيئة في نشاط الأمانة العامة الحالية وئدت في مهدها- ولم يكتب لها الاستمرار بعد ان دبر لها البقية التوقف وكان الخمسة آنفاً ضد توقيف المنتدى, كما كان لهم مواقف واضحة بشأن الحقوق والحريات وسجل السقاف مع العولقي موقفاً مشرفاً بالاستقالة التي كان بدأها الأمين العام المساعد احمد ناجي احمد.
    غير ان ما يؤخذ على د. هشام السقاف في موقفه الصامت إزاء تعطيل مهامه المنصوص عليها في المادة الـ 22 من النظام الاساسي, مطلوب منه ان يضع برنامجاً متكاملاً للتعاون بين الاتحاد والاتحادات المماثلة خارجياً والنص واضح يضع برنامجاً متكاملاً.............." فهل وضع (د. السقاف) هنا برنامجاً كهذا يبين كيفية التعاون المتكامل مع اتحادات خارجية مماثلة عربية, دولية)؟ لماذا لم يحرز السقاف هذا البرنامج؟ هل هناك من عمل على اعاقته؟.. من هو؟ ولماذا لم يبين عدم قدرته على انجاز ووضع برنامج كذاك المحدد في الفقرة الاولى من المادة الـ22؟ لاسيما وان السقاف كاتب معروف ولديه مساحة واسعة للكتابة يستطيع ان يبين العوائق الحائلة دون تنفيذ مهامه كأمين للعلاقات الخارجية.
    - لماذا لم يتابع تنفيذ الاتقافات مع الاتحادات الاخرى؟ هل ثمة احد عطل عليه هذه المهمة وقام بها نيابة عنه؟ من هو؟ أهو رئيس الاتحاد أم الأمين العام ام غيرهما؟.. نريد ان نعرف من الذي قام عوضاً عنه بالتواصل وتوطيد العلاقات مع الاتحادات المماثلة؟ من الطبيعي ألا يكون لأمين العلاقات الخارجية مكتب قائم داخل مبنى الاتحاد كون عمله يتركز على نشاط خارج البلاد وان كان لا يعفى من وجود مكتب له أو لمن يعاونه في أمانته داخل الامانة العامة.. حقيقي ان السقاف لم يهشم سقف العلاقات الخارجية لأن هناك من قام بذلك عوضاً عنه.. لكن السقاف يظل مطالب منه الإجابة عن جميع الاسئلة السابقة حتى لا تظل الأخطاء تتكرر في المؤتمرات القادمة معه او مع من يتحمل هذه الأمانة.
    من المسؤول عن تغييب العلاقات الداخلية
    لا تحول اخلاق الغربي عمران- امين العلاقات الداخلية- الدمثة عن وضع علامات استفهام امام مهامه المحددة في المادة 20:
    - التنسيق العام بين فروع المحافظات: كم مرة نسق بين الفروع التابعة للاتحاد في محافظات الجمهورية؟.. نص الفقرة واضح "بين الفروع" وليس بين الأمانة العامة وفرع ما.. بل بين "الفروع" أي بين فرع تعز وفرع إب أو عدن والحديدة أو أمانة العاصمة وأبين, المهم بين الفروع فكم مرة نسق لخلق فعاليات وتواصلات بينها؟
    - هل تابع نشاط الفروع كل على حدة؟ وإذا ما كانت الفروع ذاتها مقصرة في ممارسة انشطة أدبية أفلا ينبغي عليه ان يلفت انتباهها لذلك؟ فإذا كانت عاجزة عن ايجاد انشطة لها أليس واجبه اعداد تقارير يوضح فيها للأمانة العامة او المكتب التنفيذي أوجه العجز والقصور ويطرح الحلول المناسبة لها؟
    - ما هي العلاقات التي وطدها الغربي بين الاتحاد والمؤسسات المماثلة له كـ(مؤسسة العفيف- السعيد- ابداع- وغيرها)؟
    وعندما يقول النص (علاقات) يعني نشاط ظاهر سيؤتي أكله بعد حين فأين هي هذه العلاقات؟
    - هل قام خلال فترة توليه موقع امين العلاقات الداخلية بانشاء فروع جديدة للاتحاد في محافظات جديدة؟ او شعب جديدة للفروع القديمة؟
    - كيف اشرف على تنفيذ اللوائح الخاصة بشروط العضوية؟ هل كان هو سبباً في حجب العضوية عن عشرات تقدموا لها وملفاتهم لدى الامانة منذ عامين او اكثر بعضها فقدت وحرم اصحابها من عضوية الاتحاد؟
    والمثير للشك ان علل رفض بعض طلبات العضوية بمرادفات غير منطقية أخضعت الشروط لتآويل وتكييف يتنافيان ودلالات منطوق شروط العضوية المحددة بالمادتين (7,6)من النظام الأساس.. فهل كان الغربي هو من وضع تلك المبررات؟
    مما سبق بشأن الغربي وطبيعة أمانته للعلاقات الداخلية نجد ان من مقتضيات نجاح هذه الأمانة ان يتواجد أمينها بصفة شبه دائمة في مكتب خاص بها داخل دار الاتحاد وهو ما ليس موجود تماماً.. فكيف إذا ستتحقق إجابة عملية غير تنظيرية للأسئلة السابقة التي استوحيتها من مهامه في النظام الأساس؟ مع ان ممكنات نجاح الغربي كانت واردة, فالرجل بحق أديب متميز ومعروف عنه استغلاله للوقت بعدم تضييعه في تعاطي القات أو مجالسه, لكن ربما كان السبب في تغييب العلاقات الداخلية بين الفروع وتغييب نشاطاتها انشغاله في (نادي المقه) وعمله كوكيل لأمانة العاصمة.. الخوف قياساً لظروفه تيك ان يكون الرجل راغباً في أمانة الاتحاد العامة أو رئاسته.. فإذا كان لم يوفق في إدارة أمانة العلاقات الداخلية.. أفسيوفق بإدارة ما هو اكبر منها؟
    الأمين المالي بين مواقف ايجابية ومركزية معكوسة
    ثمة مواقف ايجابية تحسب للأمين المالي محمد العولقي اتسمت بالتفاعلية مع عديد قضايا ثقافية اهمها: الموقف الواضح "عدم موافقته على توقيف منتدى الاثنين" وظل العولقي الى جانب احمد ناجي وعبدالمطلب جبر, وهدى ابلان وهشام السقاف اكثر المتحمسين والمشجعين والداعمين للمنتدى, ومن باب الانصاف ايضاً يجب الإشارة الى ان المكتب التنفيذي في البيان الختامي (دورة الحريات) أشاد بالأداء المالي المقدم في تقرير العولقي ولا ننسى ان الأمين المالي ايضاً فرضت عليه مهمة الامانة المالية عقب استقالة د. عبدالكريم قاسم)منها فرضاً وعديد مرات وهو يقدم استقالته منها وقوبلت بالرفض.. آخرها تضامنه مع استقالة ناجي الى جانب السقاف.
    ربما كان العولقي اكثر الواضحين في تعاطيه الى جانب ناجي ازاء المعطيات التي افرزتها محصلة الاداء والممارسات داخل الامانة العامة الخاطئة والتجاوزات لاهداف الاتحاد والمهام المحددة في مواد النظام الاساسي.. وظللنا نسمع انه قدم استقالته كذا مرة وهو الذي لم يحدث مع بقية أعضاء الأمانة العامة, بيد ان كل هذه المواقف الايجابية لا تعصمنا عن الذهاب الى القول في انه قبل ابتداع قاعدة "المركزية المعكوسة" كونه أدار دفة الشؤون المالية من أبين وليس أمن أمانة العاصمة.
    أقول بهذا ليس لان العولقي دون جدارة بمهمة هذه الامانة بل مع العكس فقد اثبت رغم بعد محافظته التي يقيم فيها عن مقر الامانة العامة في العاصمة انه افضل بكثير من سلفه د. عبدالكريم قاسم الذي لم يكن –تقريباً- يبعد عن مقر الاتحاد سوى كيلو او ميل من الأمتار.. وإنما لأن العولقي دونما يدرك او يحس ان ابتعاده في إلحاق مزيد من المضاعفات في مشاكل بعض الادباء والكتاب او أسرهم كالأستاذ عبدالله علوان الذي ظل يتردد على الاتحاد بينما زوجته راقدة داخل غرفة العناية المركزة ولمّا لم يكن العولقي حاضراً لم يسطع ان يتقدم بطلب المساعدة وحتى لو تقدم يومها بما يفيد انه في مسيس الحاجة للمساعدة السريعة فلن يحصل عليها.. فلحقت زوجه بربها ولم تصل المساعدة بعد.
    وكذا الأديب والقاص محمد مثنى ظل يتردد المرات لمقر الامانة انتظاراً لتوقيع العولقي على المخصص الذي احيل اليه من الامين العام, والظرف الصحي لمثنى لا يستدعي الارجاء خوفاً من تطور العارض المرضي المقتضى علاجه والذي يتطلب منه سرعة التداوي الجراحي كونه قد اجرى عملية سابقة على نفقته الخاصة.. لا انسى مساعدة خاصة زهيدة خاصة بي ظلت قرابة عام دون استلامي لها بسبب خطأ في الاسم وكلما في الامر هو تغيير الشيك فقط.. وتطوع (هاني عبدالرحمن) بإعطائي المبلغ من راتبه.
    ناهيك عن ان تواجد الامين المالي بصفة دائمة بالمركز أي المقر العام للأمانة العامة يجعله قريباً من نشاطات الاتحاد وفروعه وحل المشاكل اولاً بأول.
    يحتمل ان تكون الاعتبارات السابقة التي سقتها بشأن العولقي واهية بيد ان ضعفها لا ينفي وجود قصور ما في مهامه.. اذ مقر إقامته الدائم لا يسعفه للقيام بتأدية واجباته تبعاً لضرورة الصرف ومقتضيات الحاجة.. يقودنا هذا الى طرح نقطة في غاية الحساسية جوهرها"ضرورة تفرغ اعضاء الأمانة العامة للاتحاد تفرغاً كاملاً" كيما يستطيعون جعل الاتحاد مؤسسة عملاقة نموذجية في رعاية واحتضان ودعم وتطوير وتقديم مشهد ابداعيً خلاق ومتميز وان لا يظل الاتحاد مطية عبور لكل من يصل إلى أمانته.. إلى مركز مرموق في هذه المؤسسة أو تلك الوزارة.
    اخلص من العولقي قائلاً: ربما كان من الأنسب له ان يظل اميناً للحريات والحقوق ربما ان شخصيته في هذه الأمانة وقدراته الثقافية أصلح أو في العلاقات الداخلية أو الخارجية.
    ( حقوق ميتة.. حريات مغيبة )
    تكتسب الحقوق والحريات اهمية بالغة ومتزايدة في كل مؤسسات مدنية فصار لها تنظمات ومراكز خاصة بها.. حد ان الذين وضعوا النظام جعلوها أمانة الحريات في المرتبة الاولى بين الامانات العشر التي تشكل هرم الامانه العامة ... فنجد ان المادة (14) خاصة برئيس الاتحاد تليها مباشرة الخاصة بالامين العام ،فالمادةالـ(16) الخاصة بنائب الامين العام ـ الامين العام المساعد ـ ، ثم تأتي المادة الـ(17) الخاصة بامين الحقوق والحريات .. احيل فقراتها الى اسئلة مباشرة :-
    - هل قام يحيى عوض بمتابعة اوضاع الادباء والكتاب اليمنيين المنتهكة حرياتهم وحقوقهم ؟..و ما هي الاعمال التي بذلها لتسخير الامكانيات المطلوبة للدفاع عنهم ،وعن اعمالهم ( الوظيفية - الفكرية ) بشتى السبل ؟.
    - هل اقترح تقديم العون المالي لسجناء الرأي واسرهم ؟ مع العلم أن ما حدث مع الخيواني والغريب من إعتماد مرتب شهري لأسرهم جاء متأخراً وهو موقف يحسب للمكتب التنفيذي وليس ل(عوض) .
    - ربماكان يعرف الامين هنا كم عدد الذين تعرضوا للسجن لكن هل يعلم كم عدد المضايقين والمعذبين من الادباء في اعمالهم الوظيفية وحياتهم ؟.وهل لديه إحصائية بهم ؟.. ثم هل تابع تحصيل الحقوق المادية المعنوية لهم ؟.
    معلوم أن إحدى الفقرات في مهامه التنسيق مع منظمات أخر .. فماهي المنظمات التي نسق معها او الهيئات المهتمة بشأن حقوق الانسان والحريات الديمقراطية سواء في الداخل أوالخارج ؟.
    لا أعتقد أن ثمة نشاط في هذا الصدد تم أو تحقق .. لأن كل فقرات الاسئلة هذه في النظام الاساس يتطلب لإحرازها بصورة عملية ملموسة على صعيد الواقع تواجداً مستمراً في مقر الاتحاد بحيث يكون أمين الحقوق والحريات متفرغاً لهذا النشاط تفرغا كاملاً .. وهو ماليس موجوداً .. فلا نعرف أن ثمة مكتب في الاتحاد أو في إحدى المحافظات مكتوب في غرفته مكتب " أمين الحقوق والحريات".
    والكارثة أن الاتحاد كمؤسسة عملاقة وحدوية..لايوجد في المبنى المعروف به مكتب كهذا حال بقية الامانات الاخرى.
    الدكتور جبر .. لماذا ؟
    لا اخفي تقديري بامكانيات (د. عبد المطلب جبر) أمين الثقافة والاعلام والنشر.. فقد جمعتنا معا منصة قاعة الاتحاد اثناء الندوات التي كان منتدى الاثنين يطل من خلالها على الشهد الثقافي أسبوعياً , وكذا الندوة التي نظمتها المكتب الدائم لاتحاد الادباء والكتاب العرب مع اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين عن " ابن خلدون ".
    ومبعث تقديري له لكونه أكاديماً وادبيا يقدر زملاء الحرف وويقدر وينصف بقراءته أعمال غيره لاحظنا ذلك في تقديم وإدارة ندوات المنتدى عن محمد أحمد عبدالولي وعبد الله عبدالوهاب نعمان وغيرهما من أعمال المبدعين اليمنيين.
    بيد ان هذه المادة في سطورها هنا ليست موجهة لعرض قدرات وسمات هذا الاديب او تلك الاديبة بقدر ماهي موظفة لتقييم اداء الـ (11) أديباً تشرفوا بإدارة دفة قيادة الاتحاد بين مؤتمريه التاسع والعاشر.
    إذ يقع العتب على الدكتور عبد المطلب جبر (ربما ) لاعتبار انه كان ضمن افضل ثلاثة تم انتخابهم للامانة العامة .. علاوة عل انه الابرزمن الناحية الاكاديمية من ( ابلان - وناجي) .
    هذا الامر يجعلنا نقسوا عليه اكثرمن غيره .. كونه على دراية بمعانة الادباء والكتاب ولكون الفقرة الاولى من المادة (20) من النظام الاساس تنص على " ان يضع خطة - ثقافية -مركزية -سنوية " ؟ ان كل مفردة في هذه الفقرة تحاكم (د.جبر) بعديد علامات الاستفهام التي توضع قبلها .
    فلماذا لم تضع هذه الخطة؟.
    نعم أين هذه الخطة المركزية السنوية؟
    ربما كان منتدى الاثنين .. مقدمة لمثل هكذا خطة ..وأشهد ان صدمة توقيف المنتدى أحبطت الكثيرين من الادباء والكتاب الحقيقيين الذين وجدوا فيه منبراً للإطلالة على المشهد الثقافي والابداعي وعلى رأسهم (جبر) .. والسؤال .. لماذا لم يقف (جبر) موقف المعارض من الحجرعلى المنتدى كونه المعني الاول بتحريك المشهد الثقافي كأمين له ، ولكونه مطالب بوضع خطة مركزية سنوية خاصة بالأمانة العامة وأخرى بفروعها في المحافظات ومطالبتها والزامها بتحقيقها.. وليس الدكتور (جبر) بالذي يتهيب المواجهة في حال كانت العوائق الحائلة قوية أو لن تمكنه من تأدية مهامه المحددة بالنظام الاساس ولوائحه المنظمة .. ولكون الدكتور جبرقمين بمواجهتها .
    لماذا لم نسمع منه ما يجعلنا نتقبل اعتذاره من أن هنالك أشخاصاً أو جهات أعاقونه أو تسببوا في تعطيل وضعه لخطة ثقافية مركزية سنوية؟.
    - تنص الفقرة الثانية من مهامه " انه المسؤول المباشر على طباعة اصدارات الاتحاد ونشرها وتوزيعها: وهو ما لم يحدث خلال فترة امانته على الاطلاق .. فقد اكد لي شخصيا الاستاذ احمد قاسم دماج رئيس الاتحاد السابق وحكيم الادباء المخضرم ان هذه الفترة تعد الأسوأ في عمر الاتحاد من حيث الاصدارات ".
    وهذه حقيقة فمجلة الحكمة التي كانت تصدر شهريا صار صدورها غير منتظم,وأحياناًينتهي فصل من السنة والمجلة لم تطبع او تنتشر او توزع.. وحدث ان انقضت سنوات لم تطبع سوى مرتان في العام الواحد.. الى جانب هذا الوضع تعد الفترة المنتهية للأمانة الحالية هي الاردى .. لم يتسنى لها ان نشرت أعمالاً ابداعية في (السرد- الشعر- النقد) عدا كتب التأبين لبعض الذين توفوا في الآونة الاخيرة. أليس الدكتور جبر هنا مطالب منه التوضيح عن الاسباب التي جعلت مجلة الحكمة غير منتظمة في صدورها؟ .
    ولماذا لم يسآل القائمين عليها بصرف النظر عمن يكونوا.. فالحق احق ان يتبع. ثم لماذا لم تصدر عناوين ابداعية جديدة شعرية وقصصية ودراسات ونحوهاكما كانت في عهد الفقيد محمد حسن هيثم على الاقل ؟.
    حتى الموقع الخاص بالاتحاد على شبكة الاترنت ..للأسف الشديد دون المستوى ولايمكن الاعتماد على مواده النشورة فيما يخص البحث عن (نبذة تعريفية عن تاريخ الاتحاد ـ الاماناتا التي تناوبت على قيادته منذ تأسس حتى اليوم ـ تعريف بسير الادباء والكتاب البارزيين وأسماء مؤلفاتهم..... الخ) .
    قد تكون النقطة الاخيرة مهمة من يدير الموقع..غير أن (جبر) معني بأن يكلفه بضرورة تعبئة المعلومات الخاصة تلك.
    على الدكتور عبد المطلب جبر تبيان الظروف التي حالت دون تمكينه من ابراز مشروعه وخططه كقائد للمشهد الثقافي والمعني الاول بتطوير ادوات ووسائل تحريكه.. فليس الدكتور جبر بالذي تحين له مثل هذه الفرصة لإخراج مشروعه الفكري ثم لا يستغلها ويوظفها أويجعلها تذهب هباء.
    لا أظن ان الوضع الذي فرض على (جبر) ان يقبل به من المحتمل يكون خارجا عن ارادته .. نظراً لبعده حيث يعيش في عدن بينما مقرالامانة العامة في صنعاء ما يجعله غير قادر على ترجمة المهام المطالب بها عمليا.
    هنا أتساءل: الم يكن الانسب لرئاسة إتحاد الادباء الدكتور جبر كونه مقيم في عدن خاصة إذا ماكانت المسالة مرتبطة بالابعاد السياسية .. فيكون رئيس الاتحاد مثلاً في عدن أو الكعس يقابله ( الامين العام ) في صنعاء خاصة وان كلا المنصبان ( الرئيس والامين العام ) من الممكن ان يقوم أحدهما بذات المهام دونما تعارض .
    أين الإدارة.. يا أمين الإدارة ؟
    كل عمل ناجح اساسه التخطيط.. ولا مؤسسية بلا ادارة.. فالإدارة فن الحياة في النهاية ولا انتاج بلا ادارة.. بل لا قيمة لوجودك اصلا في موقع انت مسؤول عن أعضاءه قيمته الجوهرية ينطبق هذا -ربما- على هدى العطاس التي سجلت على فترات متباينة في بعض الموافق المشرفة إزاء تجاوزات قامت بها الامانة العامة خارجة عن صلب المهام والاهداف المنوطة بها في النظام الاساسي.. ويومها قدرنا كثيرا موقفها الرافض وتصريحاتها التي أشعرتنا بالطمأنينة ان هنالك من الأدباء من يقول: لا.. هذا ليس من اهداف ومهام نظامنا واتحادنا .
    ان المادة الـ(18) تصنع امام العطاس مصفوفة اسئلة من واقع فقراتها وهي:-
    ما القرارات التي نفذتها للمجلس التنفيذي؟.. لا اعتقد ان ثمة سرية في ان لا تبين هذه القرارات اذ ليس ثمة ما يفترض ان يتم بالسر .. فالطبيعي في مؤسسة معنية بالابداع الشفافية على الاقل بين اوساط اعضائها.. فما القرارات التي نقذتها العطاس هنا؟.. وكم عدد التقارير التي وزعتها لأعضاء الاتحاد اقر برفعها للمكتب التنفيذي..?
    وقد يقول قائل: ان الذي يحق له مسائلة العطاس وغيرها من اعضاء الامانة هو المجلس التنفيذي.. وهذا صحيح.. لكن عندما يكون الوضع هنا في حزب لا في مؤسسة ابداعية مدرجة في قائمو المؤسسات المدعومة من مال عام الدولة .
    - وتنص الفقرة الـ(7) من المادة (18) من النظام على ان يشرف على العمل الاداري في الأمانة العامة " فلا ينبغي ان نفهم المقصود بذلك (المكتبة - السكرتارية ) وانما اداء ونشاط الامانات الاخرى المفترض ان يكون لها مكاتب خاصة داخل مبنى الاتحاد.. وهذه المكاتب غير موجودة فعليا.. أليس هذا الوضع او الامر يضع (العطاس ) المسؤول الاول عن حالة الفوضى؟.. فوضى ( اللاانضباط) من قبل كافة الامانات العامة في ترجمة الاهداف والمهام المنصوص عليها في النظام الاساسي؟.
    ان انتفاء اثر المهام تلك فيما يول عليه او يعنى انتفاء أي عمل اداري في المقام الأول.. وعندما لا يوجد عمل ملموس في أي امانة فذلك لان بين العمل الإداري، وإدارته غير موجودين.. فالأمانة الإدارية ككيان مثلها مثل بقية الأمانات الأخرى ليس ثمة حضور لها كإدارات ولا كقيادات، ولا ابالغ في القول: ان كتاب وشعراء يحضرون اكثر من حضور ( هدى العطاس ) الإدارية الى الاتحاد.. لست هنا بالتحامل على العطاس وغيرها بل لان العطاس والغربي مثلا تخليا عن مهامهم في الامانة العامة على حساب مشروعات خاصة بهما (ـفهدى ) تعطي اهتمامها لمركزها الدراسي الجديد اكثر من مهمتها الإدارية التي ترشحت لها وفازت مثلها مثل الغربي عمران الذي يولي اهتماما لنادي القصة ( المقة ) اكثر من مهمته كمسؤول علاقات داخلية الى الاتحاد.
    والسؤال: لماذا يتمطى هؤلاء المركز الاعتباري الذي يمنحهم إياه الاتحاد ليحققوا من ورائه انجاز مشروعات جديدة خاصة بهم؟ لماذا لم يوظفوا طاقاتهم تلك في خدمة الاتحاد؟
    أكثر ما نخشاه هو تحويل هذا الصرح العملاق الى كاثونة أو دائرة مغلقة على بعض الأعضاء والأشخاص وإقصائه عن بعض واجهة الحركة الابداعية في الوطن وكشافة المبدعين واحتضانهم وتهيئة الظروف لإخراج مخزونهم الفكري المعتمل في مخيلاتهم الخلاقة, هذا ما نخشاه خاصة وان من جاءوا هذه المرة للأمانة العامة لم يستغلوا الظروف المالية التي اقتصرت إليها القيادات السابقة في تحسين صورة الاتحاد وفروعه في الجمهورية.
    حقيقي ان عصب التطور المؤسسي في أي كيان هو الأمانة الإدارية (المخططة) له وهو ما قصرت فيه العطاس التي تعددت مهامها في مركزها الجديد وجعلها تكثر من السفر بصفة مستمرة الى الخارج وبالتالي اقتصرت الأمانة العامة لجهودها في مهمتها, احذر أن تعود العطاس كرة أخرى الى الأمانة العامة في المؤتمر العاشر وتكرر نفس سيناريو نشاطها على حساب طموحات الآمال المعلقة على الاتحاد مستقبلاً؟!!
    ناجي .. المنصهر داخل فرن العمل النقابي الادبي
    المادة الـ (16) من النظام الاساس لم تحمل الامين العام المساعد لاتحاد الادباء والكتاب المنيين سوى فقرات ثلاث بينت مهامه الاساسية .
    الاولى والثالثة تعفيانه من أي نشاط أو عمل باستثناء في حال غياب الامين العام , والفقرة الثانية من المادة أفادت بأن مهمته " يتابع مع الامين المالي القضايا المالية .
    لكن على صعيد المعاينة الحقيقة لمشهد الفعل الثقافي والعمل النقابي سنجد أن ناجي كان الاكثر من بين الاعضاء الـ (11) في قيادة الامانة العامة بروزاً و حضوراً في كل شيء يرتبط بالاتحاد .
    ربما لأن ( أحمد ناجي أحمد ) جاء إمتداداً لتقاليد نقابية إكتسب مضامينها من تواجده داخل اتحاد الادباء لثلاث أمانات عامة فهو الوحيد بين الاعضاء الحاليين الذي وصل ثلاث مرات الى الامانة العامة فعاصر بعض المخضرمين من الرعيل الاول من مؤسسي الاتحاد ممن قادوا دفته الامر الذي أمده بالحكمة والاقتدار في التعاطي مع جملة الخلافات التي كانت تحدث بين شخصيات تمثل الامانة العامة, والتي لم تكن خفية على وسائل الاعلام .
    فكان عامل توفيق في الخروج منها بحلول مقنعة رغم المراهنات الكثيرة على التشظي داخل الاتحاد لاسيما وأنه محاط بشخصيات قيادية لم تنضج في فرن العمل النقابي الذي تعايش ناجي معه مشاهدا منذ بداية الثمانينيات وترعرع في أحضانه لثلاث أمانات عامة فقد شغل أمين العلاقات الداخلية في اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين من 1993 إلى 2000, عضو لجنة الحريات بالأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين من 1993 إلى 2000 شغل منصب مدير تحرير مجلة الحكمة من 1999 إلى 2000 ,و شغل منصب المسؤول الثقافي بفرع صنعاء لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين سنة 1988,و انتخب في عام 1998 مقررا للسكرتارية الدائمة للتنسيق بين السياسات الثقافية حتى عام 1999.. ناهيك عن مشاركاته في العديد من الفعاليات والمؤتمرات الأدبية والثقافية داخل اليمن وخارجه إضافة لانتخابه في اكثر من لجنة وطنية معنية بشأن القضايا كمثقف مرموق ومعروف مثل عضو الأمانة العامة للجنة الوطنية لمناصرة قضايا الأمة الإسلامية, وعضو الأمانة العامة للجنة الوطنية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني.
    بهذا الحضور ظل ناجي محافظاً على العلاقات المتوازنة بين أطياف العمل الادبي والثقافي و النقابي في آن واحد رغم مراهنات البعض على خسارة الرجل وسط هيئة كما قلنا أنفاً لم تنصهر داخل فرن العمل النقابي بالمرة من ذي قبل .. بيد أنه لم يخسر بل بالعكس عزز تواجده داخل هذا الوسط بانتصارات جديدة ابرزها قدرته على احتواء كل تلك الاطياف منذ مجيء الامانة العامة , بل كان الواجهة التي جعلت الاتحاد حاضراً في كثير من الاحداث .. فناجي شكل حضوراً ملاحظاً للاتحاد في أوساط منظمات المجتمع المدني والفعاليات السياسية والثقافية والابداعية المختلفة كمنتدى الاثنين مثلاً وتصدى للحملة التكفيرية التي استهدفت النائب احمد سيف حاشد مع عديد فعاليات مدنية , وأسهم بقوة داخل دائرة الحريات الابداعية والفكرية أكثر من أمين الحريات نفسه , واستطاع أن يحافظ على الخط الوحدوي للاتحاد .. تجلى ذلك في الاستقالات التي احتشدت معه إثر تقديم استقالته الاخيرة من الامانة العامة .
    كل هذه الملامح إن دلت على شيء فإنما تؤكد قدرة ناجي على التنوع المتوازن البعيد عن التعصبات الضيقة .. التوازن المنتج قنوات الحوار وفتح منافذه لا إغلاقها .
    لقد كان الرجل الاكثر ظهوراً وحضوراً في كل شيء ويحسب له أنه كان الوحيد الذي احتضن وتبنى فقدم العشرات من المشروعات الادبية للمشهد الثقافي الراهن من شعراء وكتاب ونقاد وكتب سرد وسعى لتأمين عيش الكثيرين بالبحث عن أعمال لهم في المراكز والصحف الاهلية والرسمية ناهيكم عن تقديمه مشروعات ثقافية ممكنة التحقق لبعض الكتاب الى بعض المسؤولين لإيمانه بتحققها, وإن رفضت أو لم ينظر فيها فالسبب يعود الى من قدم لهم تلك المشروعات .
    والغريب أن ناجي ظل محل خلاف فيما يخص قدرته على التكيف مع كافة أطياف الادباء والكتاب المغذيين بالإيديولوجيات الفكرية المتباينة , ولم يدرك الجاهلون لهذه السمة أن بها يكون قد كبر عن الطوق الموجه سياسيا أو فكرياً.. فهو هنا كان يؤكد أن مالم يدركه الاعضاء الجدد يدركه هو وحده دون الحاجة الى تبرير ذلك التنوع في التعامل مع الجميع .
    قد يقول قائل: لماذا لم انتقد غياب أحمد ناجي كما انتقد البقية في الشأن الاداري.. ذلك لان الرجل كان الاكثر حرصاً على التواجد داخل الاتحاد بصفة شبه يومية.. قد يكون قصر كالأخرين.. بيد أن ذلك التقصير نتاج لغياب كل الامانات الاخرى في مهامها .
    < المصادر: النظام الأساس لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين.

    أبلان.. غطّت قصور غيرها
    المادة الـ(15) من النظام الاساس حددت تقريباً عشرة مهام هي مصفوفة واجبات الامين العام الاستاذة هدى ابلان:
    فهي تنوب الرئيس حال غيابه.. بل نابته في حضوره الغائب المستمر, فالبار قليلاً ما يحضر لمقر الاتحاد.. واذا ما حضر فكأنه عابر سبيل.
    توقع على محاضر الاجتماعات وتشرف على جميع ممتلكات الاتحاد بالتعاون مع الامين المالي والامين الاداري, والتوقيع على اوامر الصرف والشيكات, واعداد التقارير الدورية سواء لاجتماعات الامانة العامة او المجلس التنفيذي.. كل هذه المهام الواردة في سياق المادة (15) لا يستطيع احد الادعاء انها قصرت في واحدة منها او يتجاهلها, ومن نافذة الانصاف وحتى لا نغمط احداً حقه كانت ابلان والى جانبها مساعدها (احمد ناجي) شعلة النشاط الذي يدب داخل مبنى الاتحاد وامانته العامة.. ففي حين كانت ابلان تغطي كافة مهامها بل وبقية المهام الاخرى كالإدارية والمالية....الخ كان احمد ناجي يقود دفة الاتحاد في الاوساط الثقافية والفعاليات النقابية ويشكل حضوراً مشرفاً للاتحاد في كثير من اللقاءات والاحتفالات الافتتاحية سواء للاحزاب او النقابات او المؤسسات المدنية.
    فكان الامين العام يقود دفة الاتحاد في الداخل وناجي في الخارج, وكرة اخرى اؤكد انه حين اهملت الامانات الاخرى في تأدية المهام المنوطة بها سدت ابلان ذلك القصور فكانت تساوي الكل في تأدية مهام الكل المنشغل إما بوظيفته وناديه كـ(المقه) بالنسبة للغربي عمران او لـ(هدى العطاس) التي ظهرت في البداية قوية ثم ما لبث وهجها يخفت خاصة بعد تأسيسها "المؤسسة اليمنية للدراسات الاجتماعية" التي صارت تستغرق كل اهتمامها وجهدها علاوة على كثرة اسفارها الى خارج البلاد, وكل ذلك على حساب ما هو مطلوب منها كأمنية ادارية وهي مهمة مفصلية تشكل محور نجاح او فشل الامانات الاخرى على نحو خاص او المؤسسية للاتحاد على نحو عام.
    فتحملت ابلان مهاماً اخرى ادارية ومالية وغيرها اضافة الى مهامها ويساعدها ناجي وأما البقية لا ترى لها تواجداً إلا في النادر.. كما عملت على تطبيق النظام الاساس ولوائح الاتحاد.. وهنا اوضح لابلان ان العمل على تطبيق النظام الاساس ولوائح الاتحاد ليس ان تقومي وحدك بذلك بل ان تلتزمي بمتابعة جميع اعضاء الامانة في اداء مهامهم, فإن وجدتي التقصير ولم تستطيعي معالجته فعليك مخاطبة المجلس التنفيذي لاتخاذ الاجراء القانوني المناسب لذلك التقصير وهو ما لم تقومي به.
    ربما كانت شخصية الامين العام يغلب عليها الطيبة والتضحية بوقتها في تغطية قصور الامانات الاخرى وتغطية مهام رئيس الاتحاد إلا ان مثل هذه الطيبة والتغطية لا تنسجم باي حال من الاحوال مع العمل المؤسسي وخاصة النقابي الذي يلزم كل اعضاء قيادته ان ينفذوا مهامهم المنصوص عليها في النظام الاساس وما وراء تلك المهام من واجبات يترتب عليها طبيعة هذا الكيان المؤسسي..هنا يكمن خطأ الامين العام في انقلاب ايجابية ادائها الى السلبية عند من لا يقدر ذلك التفاني والاخلاص والتغطية لقصوره, لذلك لا استبعد ان من غطت ابلان مهامهم يوجد بينهم من يسعى الى ازاحتها ليس فقط من منصب الامين العام بل من الامانة العامة برمتها جزاءً لها لأنها كأمينة عامة غضت الطرف عن قصوره في ادائه وسدت فراغه.
    ولا انسى في هذا الصدد ان اشير الى ان ابرز انجاز حققته ابلان هو مشروع اراضي الكتاب والادباء, ناهيك عن مواقفها بشأن قضايا الحقوق والحريات ولن انسى موقفها الداعم لمنتدى الاثنين مع احمد ناجي والعولقي والسقاف وجبر الذين كان لهم موقف يشكرون عليه في ضرورة ان يستمر المنتدى كأحد ابرز عناوين الفعل الثقافي لقيادة الاتحاد الجديد.. لكنه ذهب وذهبت معه كل المشروعات التي كانت تتأهب للخروج من فوق منبره الى المشهد الابداعي, واخيراً ربما كان لابلان هفوات صدرت منها في بعض المواقف والفعاليات السياسية ما كان لها ان تقوم بها خوفاً من عدم وقوعها في المكان المناسب وهو ما حدث في الواقع.. لكن ربما هنالك ما يشفع لها وهو الانضباط في تادية كما قلنا ليس مهمتها بل مهام غيرها في الامانة العامة وتفانيها المستمر في ادائها.
    من كل ما سبق لا ينبغي الفهم انني اروج لابلان وغيرها, فهذا ما لا يشرفني ككاتب يربى بقلمه ان يسقط فيه.. وانما كما قلت مراراً من باب قراءة او معاينة شخوص الامانة الحالية لمهامها المحددة في النظام الاساس.

    البار.. الرئيس الغائب
    ربما المادة الـ(14) من النظام الاساس لم تحمل من المهام المحددة صلاحيات رئيس الاتحاد سوى اربع فقرات فقط هي:
    يمثل الاتحاد امام الجهات المحلية والعربية والاجنبية
    يدير جلسات المجلس التنفيذي والامانة العامة
    يشرف على تطبيق النظام واللوائح الداخلية للاتحاد
    يوقع مع الامين العام والامين المالي على الشيكات واوامر الصرف
    هذه هي كل مهام الدكتور عبدالله حسين البار اربع فقرات فحسب بيد انها من ناحية اخرى تساوي (53) مهمة هي اجمالي مهام الامانات العامة لكونه رئيس هذه الامانات.
    انه القائد الاول للاتحاد وكل سلبيات وقصور اداء الامانات السبع في الامانة العامة يعد (الدكتور البار) هو المسؤول الاول عنها مسؤولية كاملة, ومع انني غامرت فتحدثت عن كل امانة منفردة إلا انه كان يفترض ايراد الاستاذ الدكتور معهن جميعاً.. اذ يغدو الحديث عن كل امانة في معزل عن البار فيه قدر كبير من تحمل هذه الامانة او تلك المسؤولية وحدها دونه.
    سبق ان اشرت الى ان الامين العام غطت مهام البار خاصة الفقرة الـ(4) من المادة الرابعة عشرة وكذا الفقرة الثالثة التي لا يعفى البار او لا يشفع له إنابة الأمين العام في الاشراف على تنفيذها حيث هنالك (46) مادة في النظام الاساس ولوائح داخلية خاصة بكل امانة وهنالك اهداف للاتحاد.. فأين اشراف البار على تطبيق كل ذلك؟!
    المطلوب ان يعقد الاتحاد خلال السنوات الثلاث بأمانته العامة (36) اجتماعاً شهرياً يتم فيها تقييم اداء الامانات وفروع الاتحاد.. فكم مرة عقدت هذه الاجتماعات؟ وقد ورد في مذكرة استقالة العولقي ان من دواعي الاستقالة (عدم انتظام جلسات واجتماعات الامانة العامة) لهذا انتهت منذ نصف سنة شرعية الامانة الحالية ومددت لها ستة اشهر انتهت في شهرنا هذا يناير الحالي, ما يعني ان شرعية القيادة الحالية قد انتهت.
    وكل المشاكل التي حالت دون انعقاد المؤتمر في حينه انما مرجعها القصور في الاداء من كافة الامانات العامة وعدم حل المشاكل اولاً بأول لعدم انتظام جلسات اللقاءات الشهرية ولعدم وجود رئيس نقابي حقيقي هو يعرف كأستاذ ناقد دلالات مفردات الفقرتين الثانية والثالثة من المادة الـ(14) ضمن مهامه.
    ربما كانت الفقرة الاولى من المادة (14) هي ما اداها البار على اكمل وجه لما فيها من حوافز اعتبارية فهي اولاً تمكنه من تمثيل الاتحاد امام الجهات المحلية.. خاصة عندما تكون هذه الجهة رئيس الجمهورية فإن البار لا يتأخر عن تمثيل الاتحاد في هذه الحالة مهما تكن الظروف, لكن اذا كانت هذه الجهة لا تحمل قيمة اعتبارية رسمية فربما تكون هدى ابلان من تنوبه في تمثيل الاتحاد وقد يكون احمد ناجي اذا كانت درجة الجهة الاعتبارية اقل قيمة.
    وهذه الفقرة ثانياً تمكنه من تمثيل الاتحاد امام الجهات الخارجية العربية والاجنبية فقلما تأخر عن تمثيل الاتحاد الدكتور البار في الفعاليات التي دعي اليها الاتحاد, مع ان هذه المهمة من نواحي اخرى لها امانة خاصة هي امانة العلاقات الخارجية التي يرأسها الدكتور هشام السقاف وعندما يكون التمثيل المراد منه وضع برنامج عمل للتعاون مع اتحادات عربية واجنبية مماثلة فإن المعني بوضع البرنامج هنا هو الدكتور هشام السقاف تبعاً لنص المادة الـ(22) من النظام الاساس, ويمكن ان يكون عذر امين العلاقات الخارجية في عدم وضعه مثل هكذا برنامج يرجع الى ذلك كون اكثر السفريات اقتصرت او ذهبت لرئيس الاتحاد لا للسقاف بدليل ان سفريات الاخير لا تقارن مع سفريات الاول.
    لا اريد الذهاب الى القول: ان القيم النقابية انقلبت في عهد رئاسة البار للاتحاد رأساً على عقب, فاصبح بعض النقباء/ الامناء في الاتحاد لا يرون هذا الكيان المؤسسي غير جواد كريم يمتطونه للوصول والحصول على مركز رسمي في السلطة, وصار النقباء ظاهرة صوتية في هامش الفعل الثقافي خاصة عندما نسمع تصريحات من الدكتور البار في انتقاداته للحراك الابداعي الذي يعد نفسه اول من وقف ضد مظهر من مظاهره الابداعية المتمثل في "منتدى الاثنين" ذلك المنتدى الذي لم يعمر سوى بضعة اشهر رفد خلالها صحيفة الثقافية, ثم موقع اتحاد الادباء الالكتروني بعديد الابداعات التي قدمت فوق منبره من دراسات وقراءات واعمال سردية وشعرية.. ربما في حال استمر المنتدى صارت الآن مخزوناً ثقافياً كبيراً وكنزاً قد يجمع في المستقبل في كتب إما نقدية او فكرية او سردية او شعرية, لكن للأسف الشديد فسر ذلك الحراك تفسيراً اهوجاً.. أو تأويلاً اثبت ان البار ومن سار في درب توقيفه ليسوا اكثر من ظاهرة صوتية, اذ ضاقت رؤيتهم واتسعت عباراتهم التأويلية مبتعدة عن جادة ومنطقة الصواب.. فقضوا على ابرز عنوان كان في متناولهم دليلاً ناصعاً على انهم فعلوا على الاقل شيء خلال قيادتهم.
    اؤكد على ان توقيف منتدى الاثنين كان انقلاباً على القيم النقابية والاخلاق الادبية بتاويل ان فلاناً من المبدعين من الذين هم مشاريع فكرية او ادبية وثقافية قادمة الى المشهد الابداعي اليمني عبر منصة قاعة الاتحاد-غير محسوب على هذا التيار او لا يروق لهذا الطرف او ان المنتدى صار يخدم ايديولوجية معينة.
    أي فهم قاصر هذا الذي يرى ذلك؟ ألم يكن البار ومازال يشكو غياب المشاريع الثقافية؟ اولم يكن هذا المنتدى فرصة للحفر والكشف ورؤية لمشاريع ثقافية مغمورة يمكن تبنيها وابراز طاقاتها الخلاقة؟
    اكرر للاسف الشديد ان الذين وقفوا ضد المنتدى هم ظاهرة صوتية انقلبت على القيم النقابية والاخلاق الادبية التي كان عليها سلفهم ممن مروا على قيادة الامانة العامة للاتحاد, وفي هذا الصدد لا انكر ان الدكتور عبدالله حسين البار يظل مع ذلك احد ألمع الاكاديميين في ساحة النقد الادبي خاصة الشعري وعلى نحو اخص الشعر الغنائي -كما شاهدناه في برنامج صدى القوافي- لهذا اتمنى عليه ترك قيادة الاتحاد الذي يفتقر الى السمات القيادية المطلوبة في شخص القائد للمشهد الادبي هنا لمن هو جدير بان يتبوأ هذا المنصب في دفع عجلة الحركة الابداعية الى الامام, فالبار اصلح له ان يقود المشهد من موقعه كأكاديمي وكاتب وناقد لا كقيادي نقابي.
    ختاماً:
    سأترك أي تعقيب توضيحي لغيري إلا اذا اقتضت الحاجة.. حينها قد اجدني اضطرارياً مدفوعاً الى التعقيب باسلوب اخر, اسلوب الحوار العقلاني المثمر الهادف سبيل سبر كنه اغوار الحقيقة.. حوار يصطبغ بالدلائل ويتشح بحقائق ما كانت لتخطر على ألباب المعنيين بها حقائق تسربت ليس من فوق طاولات راسمي مسارات القادم لقيادة المشهد الادبي فحسب, بل ومن حجيرات الفهوم التي ظلت تحتفل بما في اذهانها بغية جعل القادم مصطبغاً بمراميها القصية وهنا.....
    ادعو جميع اعضاء اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين انتخاب قيادات فروعها ومندوبيها للمؤتمر العاشر من خلاصة الادباء والكتاب الموسومين بالسمات القيادية والاخلاقية من الذين يستطيعون رسم خارطة الفعل الادبي في الوطن, ودفعه ليكون مشرفاً له كيما يضمنوا وجود مجلس تنفيذي نخبوي حقيقي يكون في مقدوره انتخاب امانة عامة خليقة بتحقيق طموحات الوطن في ان يكون له كتاب لا يقلون عن اقرانهم العرب او الاجانب في شيء.. هذه اهم دعوة او نقطة ينبغي ألا يغفل عنها الادباء في طريق مؤتمرهم العاشر.

  • أيوب طارش

    ورحلة الإبحار مع شعر الأغاني الصنعانية
    الخميس 17 مايو 2007 القراءات: 29

    منصور السروري 2ـ 3

    اهداء إلى صانع العود الأول في اليمن الفقيد عبده الزغير وابنه شوقي
    اتسمت طبيعة الأعمال الإبداعية التي أثرى بها الفنان الكبير«أيوب طارش» ساحة الفن الغنائي في اليمن باتساقها وطبيعة التحول الاجتماعي الذي فرضته مرحلة مابعد قيام ثورتي سبتمبر واكتوبر المجيدتين..
    وهي المرحلة التي يعد هذا الفنان الابن الحقيقي واللسان الناطق والمعبّر عن حالها، فإذا كان لكل مرحلة جديدة في حياة كل أمة وثورة اجتماعية فنان يحمل لقب «فنان الثورة»كـ« عبدالحليم حافظ» في مصر مثلاً..لكونه ولد فنياً مع ميلاد مجتمع ثوري جديد.. فإن أيوب طارش هو كذلك.
    بعد أغنية «وامغرد بوادي الدور» التي تناولتها في الحلقة «1» .. غنى أيوب طارش اغاني حٌمينية.. تصنف انها من روائع الشعر الحُميني .. سأحرص على ايرادها في هذه الحلقة تبعاً لشهرة شعرائها .. ولأننا قد بدأنا بالشاعر القاضي «العنسي» فأحبذ أن أذكر «بكسر الكاف وتشديدها» أن فناننا قد غنى للعنسي قصيدة أخرى رائعة هي:
    2- واسيد أنا لك من الخدام
    ثمة سر يعقبُ لدى الكثيرين في كشف الدوافع التي تقف وراء الفنان في انتقائه لهذه القصيدة أو تلك في سائر نتاجه الإبد اعي وهذا السر ليس في «الموهبة أو الذكاء أو المثابرة» المتوافرة لديه.. بل يكمن في «الأصالة» التي إن لم يمتلكها المبدع في أي حقل من حقول الإبداع والانتاج الإنساني فعليه أن يبحث عنها ـ فهي السر للإبداع ـ وهذه الأصالة هي التي ظلت تدفع فناننا غالباً لتقديم العمل المتميز.
    ماعلاقة هذا بأغنية «واسيد أنا لك من الخدام»؟
    في حالة غصت في تفكيك نص القصيدة ـ قد لاتكفيني صفحة كاملة لذا سأكتفي بذكر ما تحمله هذه القصيدة من ثيمات متمردة وجريئة على نحو أن :
    الشاعر المحب على أهبة الاستعداد ليكون أحد الخدام «العبيد» عند السيد «المحبوبة» .
    وأن الإسلام يشهد على عشقه ـوهنا ـ يمكن الوقوف .. ما الذي قد نفهمه من اعتماد الشاعر على اثبات صدق حبه بمفردت «الإسلام» ؟
    هل كان عاجزاً عن توظيف مرادف آخر ؟ مع أن الشاعر كان من القضاة.. ولو أن شاعراً قال «يشهد بعشقي لك الإسلام» لقامت الدنيا ولم تقعد - اقصد في زماننا هذا ـ لهذا يفهم من أن استعمال الشاعر الحميني لهذه المفردة ذو دلالة.. إما على وجود فسحة في مرجعيته العقيدية وعدم وجود قيود تفرضها.
    هذه المرجعية عندما يكون الهدف «النية الحسنة» وإما أن المقصود بهذه اللفظة «الإسلام» هو ـالله ـ فيكون المعنى «يشهد بعشقي لك الله).. وفي كلا الحالتين نجد أن الشاعر الحميني على استعداد تام لاستعمال أي مفردة مهما كانت دلالتها عظيمة أو معناها ذا صيغة مقدسة أو قدسية في سبيل تأكيد صدق حبه أو عشقه لمن يحبها.. ونجد في أمكنة أخرى من القصيدة تكرار..
    الهجر يومين أو ثلاث أيام
    أما ثمان ياتعب حالي
    ثمة حديث شريف يشير «لايحل للمسلم أن يهجر اخاه المسلم فوق ثلاث» ، لهذا نرى الشاعر يوظف هذا التحريم للهجر في العشق الذي إن كان جائزاً فلا ينبغي أن يتجاوز اليومين أو الثلاثة أيام ، أما أن يكون لثمانية أيام فما أقسى واتعب حالته خلالها..
    وبالاجمال فإن القصيدة تعبر عن مدى صعوبة الهجر وتبين مايطغى على حالته والاستعداد للاثبات بكل الطرق المؤكدة صدقية وفائه وحبه .. ومن كل ماسبق وغيره نكتشف أن الفنان ايوب طارش حينما انتقى هذه الأغنية فإنما يأتي من هذا القبيل.. قصدية البحث عن الاصالة من جانب ولأن وعيه استراح لما تحمله من ثيمات جريئة وموضوع جميل تختزله .. وعلى جري اثبات مقدرته في ادائها غناها دون مصاحبة فريق الايقاع .. وقد سجلها في الثلث الأول من عمر مشواره الفني فجاءت:
    واسيد أنا لك من الخدام
    شاملكك روحي الغالي
    يشهد بعشقي لك الإسلام
    حتى وشاتي وعذالي
    لكن هذي الثمان قد دام
    هجرك وقد زاد بالبالي
    الهجر يومين أو ثلاث أيام
    أما ثمان ياتعب حالي
    «بيت»
    واسيد شاحلف على الختمة
    ماخنتك اليوم في حبي
    حبك فديتك هو النعمة
    وإن كان بناره كوى قلبي
    لكن أنا صرت في ظلمة
    لك وعد ياخل من قربي
    «بيت»
    أما محبك عليه الله
    ما تطعم النوم أعيانه
    فما السبب تهجره بالله
    والدمع قد جرح اجفانه
    هذي الثمان أنت له والله
    هاجر فما ذاق سلوانه
    الهجر يومين أو ثلاث أيام
    أما ثمان ياتعب حالي
    «بيت»
    وا.... راعي المقلة الكحلا
    واحالي المبسم الدري
    أموت من عشقتك أم لا؟
    واحكم بما شئت يابدري
    ويلي من الهجر قد أبلى
    جسمي وابقى الدموع تجري
    الهجر يومين او ثلاث أيام
    اما ثمان ياتعب حالي
    (3) من يبلغ غزال رامة
    يقول د. محمد عبده غانم «عندما نصل إلى حيدر آغا فإننا نجد أنفسنا لأول مرة وجهاً لوجه أمام أول شاعر حُميني من أصل غير عربي يُسهم في شعر الغناء الصنعاني ، ولم يكن اصله التركي أو الرومي كما كان يلقبه اليمنيون يعوق شعره الحٌُميني بل لقد كان وهو العازف البارع على العود يعرف كيف ينظم الشعراء الغناء.. فإن قصيدته التي تبدأ:
    من يبلغ غزال رامه
    مذهب الخد ساجي العين
    والتي أثبتها الشرواني في كتابه «حديقة الافراح» تغنى بلحن من امتع الألحان الصنعانية.
    ويقول أيضاً «وقد غنيت ذات مرة في حفل موسيقي أقيم في عدن منذ حوالي ستين عاماً وكان المغنون الذين جاءوا للمشاركة في احياء هذا الحفل من صنعاء قد وصلوا متآخرين فاتخذوا من مطلع الأغنية اعتذاراً لطيفاً لقي ونال الكثير من الاستحسان ، انظر شعر الغناء الصنعاني صـــ165.
    ويعزى اللفنان ايوب هنا الفضل في توثيق هذه القصيدة التي كانت منسية في المخطوطات والمصادر التي حفظتها مع قصيدتين لذات الشاعر.. الثانية «عليك ياناقض لتلك العهود» وقد غناها أيوب ايضاً: أما الثالثة وتعد من أروع قصائد الشعر الغنائي الصنعاني ايضاً وانفرد الفقيد المبدع محمد سعد عبدالله بادائها وهي «حوى الغنج والتفتير والسحر احومه» وهذه الثلاث القصائد هي فقط ما حفظ من نظم الشاعر حيدر آغا.
    من هنا ندرك أن ايوب كان دائماً يسعى إلى حفظ مثل هذه الأغاني وتوثيقها وبعد زوال الاسطوانات التي كانت تسجل الحان هذه الأغاني للفنانين القدامى لم تعد تعرف وتعزف إلا بصوت ايوب الذي لاحق هذه الأغاني قبل أن تفقد أو تضيع نهائياً، وعلاوة على ذلك نلمس في القصائد الثلاث روعة في عذوبة المفردات وانسياباً في لغة كل قصيدة منها كالتي غناها أيوب وتقول:
    من يبلغ غزال رامة
    مذهب الخد ساجي العين
    ورامة: موضع قرب وادي العقيق بالمدينة «يثرب» وآخر واد يقع بين البصرة في العراق ومكة في الحجاز ، ولجمال كلمات ولحن القصيدة أوردها كاملة
    قد وصلنا على السلامة
    بعد طوال الفراق والبين
    يانديم هات لي المدامة
    واسقنيها سلاف كالعين
    واغتنم لذة الإقامة
    فالسرور في اجتماع إلفي
    بيت
    هزني الشوق نحو الاوطان
    عندما بارق الخريف لاح
    كدت أني اطير لوكان
    لي جناحين طرت ياصاح
    نحو شادن ربيب فتان
    في يديه حياة الأرواح
    ريم على الغيد له علامة
    وهي انه بريء من الشين
    كم بدور بدور صنعاء
    ولكم من ظبا شوارد
    الحشاشة لهن مرعى
    ولهن الدموع موارد
    قم بنا يا نديم نسعى
    نحو من كان لي مساعد
    فلكم ذا.. البطا على مه
    ما معي للفراق من دين
    «بيت»
    ياقليبي العميد بشراك
    إن صبح الوداد أسفر
    والزمن قد سمح بلقياك
    بالغزال الربيب الأحور
    ضع فمه حين ينام في فاك
    وارتشف ريقه واسكر
    واعتنق قد غصن قامه
    واقتطف زهر ورد خدين
    (4 ) عليك ياناقض لتلك العهود
    هي الأغنية الثالثة من بين القصائد الثلاث التي وجدت «للشاعر حيدر آغا ، والثانية بالنسبة لأيوب من قصائد هذا الشاعر المغمور المتميز وهي لم تعرف طريقها إلى اذهان متذوقي الأغاني الحُمينية غير من حنجرته .
    اقصد طارش ـ حيث غناها وهو في أوج توهجه لفرض اسمه بين كبار المطربين في كل من صنعاء وعدن . بدليل أن طريقة عزفه لها وتعاطيه معها احساساً وصوتاً جاء أفضل من أدائه في اخراج «غزال رامة» الاعذب كلمات.
    والقصيدة على الرغم من أنها تندرج تحت موضوعات «العتاب للحبيب» والدعوة إلى «ترك الهجر المرير» .. كما أن اقدميتها لم تعقها من بقائها متجددة ومُعبرة عن الذي يتركه الهجر في تجفيف العلاقة بين الأحبة.. وهنا نقف على أن «أيوب» دأب على اختيار القصيدة ذات الموضوع المعبر عن واقع مُعين تعبيرياً وجدانياً صادقاً والقصيدة الحكائية أي التي تصور الظرف الذي مر به الشاعر ليروي تجربته العاطفية التي توالدت تداعيات سياقاته اثناء هيامه بالمرأة التي أحبها فإذا هي «ناقضة العهود» وتتعمد خلفها الوعود وتطيع العواذل والحُساد.. وغير ذلك من الصور الراوية لحالة المحب.. ومن هذا المنطلق نجد فناننا يحرص ايما حرص على انتقاء اعماله الغنائية .. كهذه التي شدا بها :
    عليك ياناقض لتلك العهود
    سلام من وافي عهوده
    يابدر مشرق حال سعد السعود
    لازال زاهر في سعوده
    اطعت ياهيف عاذلك والحسود
    وخاب من طاوع حسوده
    لكن كذا حال الغزال الشرود
    والظبي لا تأمن شروده
    كورس آخر:
    اخلفت وعدك ياشقيق القمر
    ماكان هذا فيك ظني
    تركتني حيران مالي مقر
    طوراً أنوح واحيان اغني
    عللت طرفي يارشا بالنظر
    إلى الهلال هيهات يغني
    وانت في صنعاء تميس في البرود
    كالغصن أوراقه بروده
    نلمح في الجمل الأخيرة هنا ـ الصورة الجميلة ـ عللت طرفي يارشا بالنظر .. صورة مجازية كفاية عن اعتلال بصره من ملازمته المنظر طويلاً نحو الهلال انتظاراً لمجيئ محبوبته «الغزال /الظبي /الرشا» لكن هيهات بعيد كل البعد أن يغني النظر إلى الهلال عن وجه الحبيبة.. التي هي الآن تتمايل تحت وفوق ظل وبرود صنعاء.. وأنه بالنسبة إليها كالأوراق بالنسبة للغصن تبرده من شدة الحر.. وعلى كلٍ.. وفي حال اكتملت عناصر أخرى في القريب العاجل مثل كتابة النوتة الموسيقية لهذه الأغاني.. سيتم نشر القصائد كاملة مع هذه في كتاب يدور ويتناول فقط هذا المحور «أيوب طارش رحلة الابحار في تجديد وحفظ أشعار وألحان أغاني التراث» لهذا سأكتفي هنا بذكر الأغاني الحُمينية المشهورة التي غناها دون شرح لها إلا مادعت مقتضيات العرض إليه
    (5) ياشاري البرق:
    من القصائد الطويلة في شعر الغناء الحٌُميني «35 بيتاً» .. غير د. محمد عبده غانم وقد وضع في بحثه شعر الغناء الصنعاني.. تصنيفات هي أن بعض القصائد تندرج تحت اسم الموشحات اليمنية ولهذا صنف آغنية «ياشاري البرق» على النحو التالي:
    ياشاري البرق من تهامة
    رويدك اللمع والخفوق
    حليت قتل الشجى ظلامه
    في ذمتك قلبه المشوق
    مسكين مستصحب السلامة
    قام يسألك علم لايعوق
    فكان جوابك عليه حمامه
    ماهكذا تفعل البروق
    توشيح
    ومسطر الذي يلي هذا التوشيح نلاحظ أن آخر جملة تغيرت فيه القافيه.. ولهذا يُسمى «قفلة» كما هو مبين في بحثه صــ310.
    ابراك ربي وسامحك.. فيما فعلته بلا محك.. إن جبت فيما يفاتحك
    تقفيل
    هل في تهامة بكت غمامة
    ضحكت في دمعها الدفوق
    فاخضر في رملها ثمامة
    واصفر من نخلها العذوق
    بيت
    وعند العودة إلى اشرطة الكاسيت.. نجد أن الأغنية مغناة بصوت الفنان الكبير المرحوم علي بن علي الآنسي ، وبصوت الفنان ايوب طارش وبصوت الفنان عبدالباسط عبسي الذي أداها على نفس لحنها الذي تغنى به «علي الآنسي» مع فارق في اسلوب كل منهما «صوتاً وعزفاً»..
    بيد أن فناننا «ايوب» غناها باسلوبه الخاص الذي اعتاد على ضرورة تغييره وتمييزه عن غيره مؤكداً بذلك ماذهبنا إليه من أنه حقيقة قد جدد في اخراج الحان الأشعار الحمينية دون أن يفقدها أصل لحنها الحقيقي .. ساعده على ذلك التجديد قدرته كملحن في اضفاء مسحته على لحنها ـ فقط يكفي أن نعود إلى ادائه.. لنحكم على هذا الطرح.
    وعلى حد بعض الأقوال : أن القصيدة كتبها القاضي الشاعر «عبدالرحمن الآنسي» بينما كان يعمل حاكماً على ناحية العدين.. فحين تهيجت حرارة الاشتياق ومرارة الابتعاد عند القاضي العنسي على اثر سماعه تغريدات البلبل.. خفقت بالمقابل الاحزان وبرق الشوق في صدر «الآنسي الأب» اثر لمعان البرق وتلألؤاته فوق أودية تهامة فانشد يخاطب البرق
    ياشاري البرق من تهامه
    رويدك اللمع والخفوق
    حليت قتل الشجى ظلامه
    في ذمتك قلبه المشوق
    والشاعر عبدالرحمن الآنسي .. ت 1834م .. بلغ في شهرته أن العامة تكاد تنسب إليه كل قصيدة تراثية.. غير أن فناننا لم يغن له من القصائد المشهورة سوى هذه «ياشاري البرق».
    6،7» يارعي الله أيام منها الدهر غار ، وزمان الصبا
    هذه القصيدة للشاعر «أحمد عبدالرحمن الآنسي ت «1825م» كتب عنه د ، محمد عبد غانم صـ169 نفس المرجع السابق «الانطباع العام الذي تتركه فينا نسبه هذه القصائد المنسوبة إليه ـ إنه كان كبير الموهبة غزير الانتاج كأبيه.
    ويقول زبارة عنه: كان أبلغ من أبيه لولا أن شهرة أبيه قد سترته.. ونضيف أن كذلك توفي قبل أبيه بـ «10» سنوات الأمر الذي يؤكد انه لم يتعمر.. وبالعودة إلى قصيدتيه المنشورة في ديوانه «زمان الصبا» بتحقيق د «غانم» أيضاً نجد أن أيوب طارش كان ذكياً في اختياره لهاتين القصيدتين ويكفي قراءة المطلع في الأولى:
    يارعى الله ايام منها الدهر غار
    وا لليالي تقضت لنا اعراس
    بالغناء والغواني وبالكأس المدار
    في البكر والاصايل والاغلاس
    وكذا في الأغنية الثانية «للآنسي الابن» : زمان الصبا : كالبيتين:
    فساجل بدفعك غزير ادمعي
    ولا تطلب الاشفاق
    وقل يارعى الله ريم الخبا
    على كل احواله
    القصائد الحٌمينية الشهيرة الأخرى
    اتسمت الأغاني الحُمينية التي غناها ايوب بالكثير من المزايا قلما تتواجد بغيرها في انها جاءت تعبر عن موضوعات اجتماعية لاتزال ساكنة حياتنا هذا جانب وجانب آخر أن الحانها متجددة وصالحة للاطراب في أوقات معينة وخاصة أوقات جلسات القات اليمنية وأوقات السهر وجانب ثالث أنها مٌهيجة قلوب وعواطف الغائبين عن ذويهم حتى وإن كان هذا الغياب داخل الوطن كالغياب عن الأهل المقيمين في الريف.. ومايؤكد هذا الجانب «الثالث» الاغاني السبع السابقة وإلى جانبها اغان نحو «أسكان الحمى بنتم ـ وبان الرشد من عقلي .. وعن شرط الهوى حلتم: لمه ياجيرة الاثل.. للشاعر محمد بن حسين الحمزي الكوكباني ت «1700».
    وكذلك يغلب على الكثير من هذه الأغاني انها ذات نكهة روحية أو لنقل اغاني تصلح للـ «مؤانسة» سواء بين الحبيب وحبيبته أو بين من يجتمعون في مكان ما.. كأغاني.
    الناس عليك ياريم اقلقوني ـ
    وعارضوا باسمك وساءلوني : فقلت ماذا الاسم .. عرفوني ـ ذا .. اسم .. من لاتعرفه عيوني
    وهي للشاعر :
    الفقيه مُهير ويذكر أنه من زبيد.
    واغنية:
    يابروحي من الغيد هيفاء كالهلال
    حسنها شل روحي وعقلي
    غانية مالها في الغواني من مثال
    لا ولا في المحبين مثلي
    للشاعر أحمد القارة «ت : 1878م»
    وأغنية
    بخلت بالوصل عنا ياشرود
    اخطأت والله في بخلك عليّ
    سمعت في مغرمك قول الحسود
    أسأت ياسيد في فعلك إلي
    وهي للشاعر محسن عبدالكريم : ت «1850».
    وأغنية جميلة جداً للشاعر محمد عبدالرحمن الآنسي أخو الشاعر أحمد عبدالرحمن تقول مطلعها :
    السعيد الذي ماعرف كيف الهوى
    لا الذي فيه قد صار ناشب
    يحتكم له سواء .. كان حكمه أو غوى
    فالمحبة لها أمر غالب
    تجعل السمح معوج والمعوج سوا
    أمرها في الخواطى صوائب
    ومن الأغان الحُمينية ايضاً المشهورة أغنية:
    يامعلق بحبل الحب إن كنت ترتاح
    للغواني مثالي
    لاتبالي بروحك في هو الغيد إن راح
    أو تقول ذاك غالي
    للشاعر : علي بن أحمد محمد اسحاق ت ـ 1805م.
    ومن الأغاني الحُمينية التي ارتبطت شهرتها وذيوعها بصوت أيوب اغنية لـ الشاعر فضل بن علي السعدي العدني ت «1893م » وتقول:
    لمه لمه يامنى قلبي لمه
    ترد بابك على عابر سبيل
    ذا كبر منكم وإلا هنجمه
    وإلا معاكم على هذا دليل..
    والتي في نهايتها استعداد الشاعر لعرض الحبيب في
    سوق للبيع لولا عائق واحد فحسب هو الخوف من المحكمة التي تمنع ذلك.
    والله ياناس لولا المحكمة
    لا .. دل به.. عبد في السوق الطويل..
    والسوق الطويل يقع في مدينة عدن.
    ومن إجمالي الأغاني الحُمينية الشهيرة التي أوردها أول مؤلف ينال بموجبه مؤلفه أول شهادة دكتوراه في الجزيرة العربية هو المرحوم د محمد عبده غانم والكتاب «شعر الغناء الصنعاني» المتضمن «117» قصيدة غنائية.. بلغت القصائد الحكمية منها «14» قصيدة وبلغت القصائد الحُمينية «103» قصائد.. وكما قلت في العدد الماضي إن فناننا غنى من اجمالي هذه الحُُمينيات «15» قصيدة.. أظن أنني ذكرتها جميعاً.. واختم هذه الحلقة بقصيدة اجتماعية هي في غاية الأهمية .. وعندما نستمع إليها من حنجرة ايوب طارش نستشف مدى ذوبانه خلال تأديته لها.. بدليل أنه اختار لها لحناً تراثياً غير اللحن الذي شدى به «محمد ابو نصار» .. ولن اجزم أنه قد غناها على ذات اللحن المسجل باسطوانه وبصوت.. علي بوبكر باشراحيل) و القصيدة هي «يامن عليك التوكل والخلف.. ومن له الطاف فينا ساريه» للشاعر الحُميني محمد بن علي فايع «ت 1781م» وهي قصيدة طويلة تتكون من «41» بيتاً.
    موضوع الاغنية
    إن الشاعر «أو الرجل عموماً ـ أي رجل يكون» .. كان دون المستوى الاجتماعي للمرأة التي يحبها.. ومن المعلوم أن من العادات السائدة في بلادنا أن أهل المرأة مثلاً يرفضون تزويج «الفتاة» إلا لمن كان في مستواها.. ويتباين هذا المستوى من فئة إلى فئة اجتماعية أخرى يُقاس إما بالمنصب أو بالثروة وعند بعضها يقاس مستوى الرجل بالحسب والنسب أو التساوي في عراقة الممتد وهو ماذهب إليه د «غانم» في مرجعه السابق صــ148 من أن الشاعر هنا ينتقد المرأة التي أحبها بمرارة كونها استبدلته باختيارها لآخر ينتمي لمستواها الاجتماعي ضاربة بوده وجه الثرى ولهذا بدء الشاعر قصيدته بالدعاء « يامن عليك التوكل والخلف . ومن لك الطاف فينا سارية » وقد اخترت بعض الابيات التي شدا بها ايوب طارش نظراً لطول المادة بهذا العدد :
    نسيم بلغ إلى الروض الشرف
    سلام يزري بعرف الكاذية
    إلى قضيب الرشاقة والهيف
    الخشف مولى العيون الساجية
    لمه لمه حال طبعك واختلف
    وأنا اعهدك إن نفسك سامية
    وصاحب النفس يوردها التلف
    إن لم تكن بالمعالي راضيه
    والجهل له بحر يغرف من غرف
    قد توهت فيه كم من ساعية
    والنذل إن لاحت الفرصة وقف
    ماعاد يراعي لبيعة ثانية
    وهكذا تمضي القصيدة حتى نهايتها معبرة عن انتقاد الشاعر لمحبوبته التي تركته..
    وختاماً لهذا العدد نستكمل في العدد القادم رحلة ابحار ايوب مع هذا اللون من الشعر الغنائي.

  • زخات متناثرة : من رواية «يموتون غ

    [b][right]دراسات

    منصور السروري

    يمكن للقاص أن يستحضر الماضي كما يمكنه أن يجسد حاضره ويستطيع أيضاً أن يرسم أفق المستقبل.. في الأولى: يستعيد التاريخ حياً نابضاً أو جثة محنطة.. وفي الثانية: يجسد الحاضر.. واقعاً متحركاً أو صورة جامدة.. وفي الثالثة: يحدد ملامح الغائب الذي لم يأت بعد.. صورة مشرقة أم قاتمة.
    والرواية اليمنية ـ منذ أن بدأت حتى اللحظة ـ لم تخرج المجالين: كتابة الماضي أوقراءة الحاضر.. باستثناء روايتي «يموتون غرباء» و«صنعاء مدينة مفتوحة» لمحمد أحمد عبدالولي.. حاول فيهما استعادة الماضي التي عاشته شخوصه والتي لاتزال بقايا آثار وجودها متجسدة في حاضرنا وسواء أكانت واقعاً حياً يتحرك أم واقعاً محنطاً يتجمد لكنها في كلا الحالتين تعارك من أجل البقاء والاستمرار بغية استشراف ملامح الغائب الذي لم يأت بعد.
    خصوصاً«يموتون غرباء» التي جاهد القاص كثيراً في أن يستجلي الرؤية المستقبلية فيها على رغم العنوان الذي يومئ بانطفاء وهج الحياة.. بيد أنه في مكان خفي من الرواية يتهيأ المستقبل ليحدد ملامحه على نحو أفضل من الحاضر والماضي ويأتي على هذا المحور بعد المحاور التالية:
    ـ المحور الأول: قراءة في عنوان الرواية: يموتون غرباء.. فالموت رمز للغياب بشقيه «الغياب المادي الحقيقي أوالمعنوي، فالغياب المادي الحقيقي كالذي يموت فوق أرضه داخل اسوار الوطن أوالذي يموت خلف اسوار وطنه ـ هناك ـ فوق أرض ليست أرضه.
    أما الشق الثاني: الغياب المعنوي فينقسم هو الآخر إلى ذاتي وموضوعي: فالغياب المعنوي الذاتي: هو غياب الانسان عن الواقع الحقيقي للحياة في مفهومها الصحيح «الاغتراب الذاتي» للفرد أكان داخل أم خارج الوطن.
    والآخر: الغياب المعنوي الموضوعي.. هو غياب الفرد عن مجتمعه أولاً وغياب مجتمعه عن العالم الموضوعي للحضارة الانسانية ثانياً.. إذاً الغربة موت.. والموت غربة، والمعنى إما أن الموت مضاعف أو أن الغربة مضاعفة.. دلالة لما يوحي به اسم الرواية مع ملاحظة أن القاص لم يقل«يموت غريباً» أو«مات غريباً» بل استعمل الفعل المضارع الدال على استمرارية تعقب الموت لكل اليمنيين الذين اختاروا المنفى وطناً يموتون فيه غرباء، حيث يلخص محمد عبدالولي وجهة نظره حول الغربة.. كما قالالأستاذ الفقيد/عمر الجاوي في تقديمه للرواية «لخص الشهيد الحوار الذي دار في «يموتون غرباء» بين الطبيب الايطالي والممرض«المولد» من أب مهاجر.
    الطبيب: بغرابة لا أتصور مطلقاً أن يعيش رجل في ذلك الحجر.. كيف يمكن ذلك.. ياإلهي.. إنها حياة كالجحيم.
    فيرد عليه المولد: لكن ما الذي يستطيعون أن يصنعوه سوى هذا.. لقد تركوا أرضهم.. بلادهم.. أهلهم.. وراء لقمة العيش.. إنهم يموتون جرياً وراء اللقمة قبل كل شيء.. هذا مايفكرون فيه.
    الطبيب: اللقمة.. إنني أوافقك.. ولكن من أجلها يجب أن ترمي كل اسلحتنا في الهواء.. تقول تركوا أرضهم.. لماذا؟ لأنهم لم يستطيعوا أن يقفوا ببسالة ضد أوضاعهم القذرة.. شعب يهاجر من أرضه ـ شعب خائن لتلك الأرض.
    المولد: الظلم يجعل الخيانة شيئاً بسيطاً.
    ولكنه لايبرر الفرار»انتهى ص94 الرواية.
    من هذا الحوار نستقرئ أن الغربة في كل أعمال قاصنا الراحل تتخذ طابعاً فلسفياً ونضالياً ودعائياً من أجل الثورة.
    ـ المحور الثاني: الواقعية في يموتون غرباء: يقول الدكتور/المقالح في كتابه قراءة في أدب اليمن المعاصر: «إن الواقعية تتغلغل في أعماله حتى العظم.. وكل الشخوص التي تجسد أقاصيصه ـ ورواياته ـ من قلب واقعنا في الوطن أوالمهجر.. وكل أبطاله يمنيون لحماً وعظماً ودماً وتفكيراً واشواقاً، وبعد ذلك يستوي عندنا أكان هؤلاء الأبطال يعيشون معنا أم هم يحيون بعيداً عنا، فهم على أي حال معنا يأكلون ويتنفسون ويحلمون» «ص116».
    فإذا كانت القصة القصيرة «فن اللحظة واللمحة» فن في الامتداد والاستقصاء.. تعالج واقعاً رصده قاصنا الراحل منذ نعومة اظفاره واختزله في وعيه.. إذ.. الاضداد في المنهج الواقعي الأدبي جوانب التناقض.. والتناقض وحدة الاضداد.. والاضداد توجد في وحدة واحدة وفي الوقت نفسه فهي في صراع مستمر.. هذا الصراع الذاتي والاجتماعي الواقعي يعكسه القاص في صورة صراع ودرامي فني في البناء الروائي كما سيأتي في المحور الثالث:
    أ ـ الصراع الدرامي الممزوج بالسخرية بالشخصيات والصراع الدرامي:
    ـ تدور أحداث الرواية في كل من حي«سدست كيلو ،والمركاته» في اديس ابابا.
    ـ يصور نماذج يمنية وحبشية بمنظار انساني واسع وعميق الجذور.. العاهرات.. نساء فاضلات في جوهر علاقتهن بالمجتمع.
    على عكس السيد«أمين» الهارب من وطنه منذ ثلاثين عاماً«متصوف ـ يعتكف داخل زاويته نصف شهر.. ويخرج من النصف الثاني.. فيكذب على خلق الله بأنه صلى جمعتين في المجسد الأقصى.. وكأنه من أهل الخطوة.. كما تشيع الأساطير.
    والسيد أمين.. لايختل عن الإمام في شيء ذاك يدعي أنه يملك الجن وهذا يدعي أنه يملك«الرواحنة» والملائكة.. والسيد أمين رمز للدولة المصغرة التي عجزت عن تحقيق ذاتها في اليمن.. فهاجرت لتقيم سلطتها في الغربة على حساب الدجل والشعوذة وابتزاز المهاجرين.
    عبداللطيف وسكرتيره: تناقض بين جيلين يعيشان في المهجر، جيل يعيش على الخداع السياسي والاخلاقي كعبد اللطيف الذي يحذر عبده سعيد من عدم السفر إلى اليمن.. ليس لأنه خائف عليه بل لأنه يريد أن يحمله «زنوة» ربما يكون عبده سعيد صادقاً في أنه ليس ابنه.. كما يبين عن جبن وتهرب من الواجب.
    عبداللطيف: «انظر ـ إنه مجنون سوف يعود إلى اليمن.. إنه يظن أن هناك جنة والامام قد أصبح طيباً ،يارجل مادام الوضع في اليمن هكذا فلن يستطيع أي انسان أن يعيش هناك.. افهمني الأوضاع هناك متردية.. لا فائدة من العودة إلا بعد الثورة.
    وفي الوقت نفسه يعقد الأمل على الجيل الصادق الواعي الذي يمثله السكرتير المولد: يؤكده الذي وجهه للحاج عبداللطيف إثر فشل محاولاته في اقناع عبده سعيد بالاعتراف بالطفل أنه ابنه.. انقاذاً له من بين أولاد الشارع والكفار.. «ياناس.. ياناس.. ستأتي كل النساء بعدها مع أولاد الزنا وسيقولون أيضاً أنني أبوهم».
    قال السكرتير: نعم إنك.. إن تنقذ طفلاً تصنع منه عدوا للنظام القائم حالياً في اليمن.. أي أنك تصنع قومياً يهدم أركان الظلم هناك.
    وهو بهذا القول يفضح جيل الكبار الذي يعيش على الخداع الديني والسياسي.. إلى درجة يتململ فيها عن أن ينقذ طفلاً ويربيه في منزله.. كونه قادراً على ذلك فهو أحد الأغنياء اليمنيين في الحبشة ثم يثبت أنه أفضل منه بأخذه الطفل وتربيته مقابل أن يعيد الحاج النظر إلى الواقع.
    ـ صالح سيف: قريب عبده سعيد يعيش في المركاته.. لايزوره عبده سعيد إلا في الأعياد السنوية.. وواحد ممن يدعمون الحركة الوطنية.
    ـ طائتو: مومس سمعت عن فحولته ورجولته منذ كانت في السادسة من العمر وظل تعد الأيام والشهور والسنوات حتى بلغت سن الخامسة عشرة من عمرها فذهبت إليه وسلمت له نفسها.. فكان أول رجل التقت به وتكررت العلاقة إلى درجة أنها كانت تثق بأنه سيعترف بابنه عندما طلبت منه أن يعترف به.
    فاطمة: أقدم عشيقة له.. من أب يمني.. ماتت وتركت طفلاً.. هو نفس الابن الذي حاولت طائتو أن تقنعه بالاعتراف ففشلت ولحقها الحاج عبداللطيف وصالح سيف وانتهى الطفل إلى يد السكرتير.
    صاحبة الفلة/زوجة أحد كبار مسئولي المدينة: يصنع لها عبده سعيد طفلاً.. وكان يزورها أو ترسل له عندما يكون زوجها غائباً عن المدينة.. وقد ساعدته كثيراً في اعفائه من الضرائب طوال الفترة التي كانت تربط بينهما ببعض استطاعت أن تحبط كل المحاولات التي يقوم بها التاجر الارميني بغية الايقاع به.
    عبده سعيد: الشخصية المحورية التي تدور حولها الرواية.. والتي ارتبطت بها بقية شخصيات الرواية.. جزء من تاريخ حي سدست كيلو «15عاماً» مدة غربته.
    عبده.. اسم يكثر استعماله في اليمن.. وسعيد اسم أبيه.. شخصية غامضة لايعرف الحي من أين جاء.. تتضارب حول مصدر ماله الذي فتح به الدكان.. هذا المهاجر اليمني.. خرج من قريته لطلب ابنه منه «تمر ـ حلاوة» مثل ذلك الذي عاد فبنى داراً في القرية.. يسخر كل طاقاته من أجل أن يصل إلى تحقيق الهدف الذي خرج لأجله.
    وعندما حقق كل أهدافه اشترى الأرض التي كان يسرق منها الموز وهو طفل ،بنى أحسن دار في قريته ،وعلق صورة داره في مكان بارز من الدكان ولأول مرة يضيف كمية لابأس بها إلى الكيلو الدقيق لمجرد أن الرجل أشاد بصورة داره الذي يريد أن يقول عنه الاطفال«أحسن دار ،دار عبده سعيد.. من أغنى شخص....» وفي سبيل تحقيق هذا الحلم تخلى عن كثير من تقاليده الدينية ،والقروية.. وحرم نفسه من أشياء كثرة، والقاص يقدمه على أنه أذكى من الشيطان.. رغم أميّته قائلاً: تريد أن تعرف من يمني سراً.. الأسهل أن تعرفه من الشيطان أكثر زبائنه النساء والأطفال وذاعت شهرته في مضاجعته للنساء حد حماتيه من كل مشكلة قد تتربصه كما حدث مع الارميني.. حيث صنع طفلاً ـ كما قلنا لزوجة أحد المسئولين.
    وفي الأخير بينما كان يهيء نفسه للسفر.. يحلم بيوم عودته استقبال الاطفال له.. توزيعه المليم لهم.. العجائز.. النساء.. الشال الذي يرتدفه والبندقية الحديثة وراء ظهره ومشدته وتناثر المستقبلين له فوق السطوح والمدارب ويسلخ الكبشات أمام داره.. وهتاف الأطفال أحسن دار.. أغنى رجل.. وزوجته المتوارية خجلاً.. عبده يغوص في أحلامه والدخان يتصاعد من الفحم.. وفي الصباح كان الدكان مغلقاً.. ينقل إلى المستشفى.. وهنا تتجلى فلسفة «محمد عبدالولي» في منطق «قوم.. همج.. كيف يستطيعون الحياة بهذه القذارة ولأن الممرض من أصل يمني يجيبه «ولكنهم يعيشون».
    وبعد أن تتم مراسيم الدفن.. يكشف القاص مرة أخرى.. السكرتير المتمرد على الواقع الاستاتيكي الذي يمثله الحاج عبداللطيف: أهي القبور نهاية المطاف لكل هذا النضال وهذه الحركة؟ ماذا تعني؟.. «مات ولم يترك شيئاً طيباً في حياته سوى الآلام.. امرأة مهجورة منذ اعوام بعيدة.. وابن لم يعرفه.. وأرض لم يقدم لها أي قطرة من دمه.. مات غريباً كما يموت مئات اليمنيين في كل أنحاء الارض يعيشون ويموتون غرباء دون أن يعرفوا أرضاً صلبة يقفون عليها.. أما هذا القبر فهو ليس قبره.. أنها ليست أرضه.. أنها قبور أناس آخرين.. قبور الاحباش نحتلها نحن ألا يكفي أن نلتهم اللقمة من أفواههم حتى نلتهم قبورهم» ياإلهي.. كم نحن غرباء.. كم نحن غرباء».
    ـ المحور الرابع: تندرج الرواية تحت مسمى الرواية السياسية التي تنبثق سير شخوصها من الواقع الذي عاشته وتعيشه في مجتمع ما أكان مجتمع الانتماء أم مجتمع اللا انتماء مجتمع الداخل «الوطن» مجتمع الخارج«المهجر»، والرواية السياسية عادة ماتترك النهاية مفتوحة.. صحيح أن شخصية الرواية غادرت الحياة لكنها رحلت بعد أن حققت أحلامها وتركت المستقبل يمتد من ذلك الجهد الذي قام به عبده سعيد فابنه في اليمن امتداد للمستقبل غادر الحياة بعد أن جعله قادراً على مواجهة الحياة.. بعد أن بنى له داراً واشترى له ارضاً، لأن الأرض كيان وجود الانسان وبعد أن فتح دكاناً مصدر دخل واستقرار.. وهذا هو التهيء للمستقبل الذي حدد«القاص» ملامحه في كفاح عبده سعيد.
    وكذلك اكمل روايته بآخر ثلاثة اشباح يغادرون المقبرة طفل عبده سعيد والمرأة التي تحمل في بطنها طفلاً من صنع عبده سعيد.. والسكرتير.. ثلاثة يمثلون عناصر المستقبل القادم من خارج الوطن لتشكل رافداً من روافد خلاصته

    الحقوق محفوظة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين[/right][/b]

1 2