مدونة 354
الحياة فقاعة فصورها قبل ان تنفجر...لا مناص أمامنا سوى تسجيل مايقع أمامنا وفي دائرة التصور في الوجدان 
-
هكذا تم تجنيد حسين الشهرستاني جاسوساً
هكذا تم تجنيد حسين الشهرستاني جاسوساً
في الموساد الصهيوني
ا.د. عبد الكاظم العبودي
البارحة في 12 ماي/ آيار 2012، ولأول مرة يخرج حسين الشهرستاني من حالة خوفه الكامنة وفترة تردده من أن " يتحرر" نهائيا من كوابيس ماضيه الأسود، ليكافأ بجائزة، يبدو أنها أضحت مفصلة على حالته ومقاس مهماته السابقة ، الجائزة الممنوحة كانت بعنوان [جائزة التحرر من الخوف].
نقلت وكالات الأنباء العربية والأجنبية تفاصيل احتفالية منح الجائزة السنوية، والمكرم بها هذه المرة عميل مزدوج الولاءات، خدم أسياده الامريكيين والاسرائيليين من مثل محمد البرادعي في دوره بتدمير العراق. الجوائز الدولية لكي لا تثير الشبهات دائماً حول مستحقيها، قد تُمنح الى مناضلين كنيلسون مانديلا أو لعملاء خدموا المؤسسات الغربية، وحازوا على رضا الصهاينة.
نحن في زمن موحش وردئ،، لم يعد فيه العملاء والجواسيس يستحون من ماضيهم في خدمة إسرائيل والصهيونية؛ خاصة أؤلئك الذين جلبتهم دبابات الإحتلال الامريكية وتنصيبهم على السلطة في العراق.
البارحة، وفي باحة القصر الملكي الهولندي، وبحضور ملكة هولندا، التي سبق لها أن تعهدت ببيان لقصرها انها تستعد لحضور مراسم تكريم عدد من المرشحين للجائزة، ومنهم د. حسين الشهرستاني ، إسداء لخدماته الممتدة منذ 1979 الى اليوم.
ومن لاهاي اعلنت السفارة العراقية: أن القصر الملكي الهولندي قرر في 21/3/2012، وبحضور الملكة بياتريكس، ملكة هولندا، وحضور رئيس الوزراء الهولندي الى "مراسيم تكريم الدكتور حسين الشهرستاني، نائب رئيس الوزراء العراقي.t
والتكريم هذا حظيت بمثله أربعة شخصيات من بلدان مختلفة، وهيئة إعلامية أخرى، من ضمنها، فضائية الجزيرة القطرية، بشخص مالكيها من آل حمد. التكريم هذا تم اقتراحه وتقديمه من قبل معهد فرانكلين واليانور روزفلت والجائزة باسم: " جائزة التحرر من الخوف".
وفيما يخص الشهرستاني، موضوع هذه المقالة، فقد استحق جائزة أسياده بعد انتظار لأكثر من ثلاثين سنة، وحسب ديباجتها المعلنة، فقد إستحقها : [ ... لدوره الرائد والمتميز في إرساء الحرية والقيم الديمقراطية، ومن خلال التزامه المتميز لضمان الحريات السياسية والدينية لجميع العراقيين]. لا تعليق لدينا الآن، على شروط هذه الجائزة المشبوهة الا بعد أن تتكامل للقارئ المعطيات التالية عن دور وشخصية و" شجاعة" حسين الشهرستاني ودوره سابقا ولاحقاً.
منذ يومين حل الوزيرين العراقيين د. حسين الشهرستاني بمرافقة هوشيار زيباري عضوي حكومة الاحتلال المالكية الثالثة والرابعة، وخلال يومي 11 و12 آيار/ ماي 2012 كانوا ضيوف الملكة الهولندية، بمقاطعة مدلبرخ الهولندية، وبحضور عدد كبير من كبار المسؤولين الهولنديين والغربيين والصهاينة، وليكون الشهرستاني نجما على شبكات التلفزيون العالمية، التي نقلت مراسيم الإحتفال من هولندا وأوربا. وهي فرصة يعبر فيها الشهرستاني عن إمتنانه، في كلمة له حول هذا التكريم الذي ظل ينتظره لثلاث عقود، وجاء متأخراً لخدماته فيقول : [... اعتبر هذا الترشيح أكثر من جائزة شخصية؛ وهو بمثابة تقدير للشعب العراقي الذي كافح بشكل جريء من أجل حريته من الإستبداد والديكتاتورية].
وأضاف الشهرستاني : [... لقد واجهت خوفي في عام 1979، عندما إتخذت قراري، اما العمل على برنامج صدام حسين للأسلحة النووية، وإما دفع الثمن، وكان الخيار بسيطاً، وهو السجن 11 عاما و 3 اشهر. ولم يكن في فكري اني سأشرح ذلك في هذا الحضور المميز].
وتابع الشهرستاني أيضاً : [... اغتنم هذه الفرصة لأدعو العلماء في انحاء العالم ان يمتنعوا عن العمل في مجال أسلحة الدمار الشامل؛ لأنها لن تعزز الأمن القومي؛ بل ستشجع الحكام على ان يكونوا أكثر عدوانية، واقل تفهما لحل المشاكل الدولية].
ويدعو حسين الشهرستاني في كلمته كذلك : [ ... دول المنطقة لحضور المؤتمر الدولي للطاقة الذرية الذي ستنظمه الوكالة في كانون الاول/ديسمبر المقبل لمناقشة انشاء منطقة حرة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الاوسط.]. ولا ندري هنا: هل أن إسرائيل ستكون ضمن دعوة الشهرستاني من دول المنطقة أم أنها فوق الجميع، كسيدة وحيدة مالكة للسلاح النووي وحدها في منطقة الشرق الاوسط.
المعروف أن معهد فرانكلين واليانور روزفلت في لاهاي هو الذي إختار الدكتور حسين الشهرستاني لنيل جائزة " التحرر من الخوف " ، سبق أن منحها لعدد من الشخصيات العالمية تحت عنوان أنها : [ ... تقدم الكثير من اجل الحرية والقيم الديمقراطية]، سبق وان حصل عليها كوفي عنان و الدالاي لاما ونيلسون مانديلا، وشخصيات عربية اخرى مثل الأخضر الإبراهيمي ومحمد البرادعي. وإذا كان لكل من هذه الشخصيات من نشاط معروف لهم، فأين موقع الشهرستاني من النشاط المنوه عنه لمستحقي تلك الجائزة، وخاصة بالنسبة الى بلده العراق؛ خصوصا ان ديباجة الجائزة تقول أنها تمنح إليهم: [ ... لدورهم البارز فى مجال الدفاع عن حقوق الإنسان والتمسك بمبادئ الديمقراطية والمجاهرة بالرأى بدون تردد أو خوف].
وكل هذه الأدوار ليست ذات صلة، خاصة إذا ما ثبت أن حسين الشهرستاني وكما يعرفه الكثيرون أنه كان جاسوساً وأصبح لصاً كبيراً، وهو مكلف بالأمس البعيد واليوم بمهمة تدمير العراق وخدمة أسياده من صهاينة وإيرانيين، كل حس الطلب وحسب الخدمة المطلوبة.
هذه المقالة، من دون مقدمتها أعلاه، سبق لنا أن ترددنا عن نشرها، منذ قرابة ثمان سنوات، ظنا منا، بأن الرجل ربما سيتحلى بشجاعة الإعتراف بخطيئته بتورطه السابق، الساذج، وسقوطه في أحابيل الشراك الصهيونية، عندما وقع في فخاخهم الخبيثة في باريس، أثناء تواجده هناك بتكليف من هيئة الطاقة الذرية العراقية عام 1979، ثم وجد نفسه فجأة، عن طريق الاتهام الخطأ متهماً بالعمالة الى ايران أو الانتساب الى حزب طائفي [حزب الدعوة] الذي كان ممنوعا من النشاط السياسي في العراق. ومن حسن حظ الشهرستاني كان سهام الإتهام له غير دقيقة، فحصل حينها على حكم بتهمة سياسية بدلا من التجسس والخيانة العظمى ثم شمله العفو من الرئيس صدام حسين، ظنا منه ان الشهرستاني كان عالماُ عراقيا يكون قد تورط في عمل سياسي لدوافع قومية، بحكم اصوله الايرانية أو محاولة من ايران الايقاع بعالم عراقي نووي والتخلص منه، والعفو عنه يمكن أن يمنحه الفرصة لخدمة وطنه وأمته من خلال تخصصه العلمي ووعوده التي قطعها على نفسه امام القيادة العراقية لخدمة العراق.
لكن الاقدار كانت تخفي قصة أخرى لرجل ظل غامضاً في محنته وورطته التي سقط فيها، ولم يتحل الشهرستاني، حتى هذه اللحظة بالشجاعة الأخلاقية ليبرر ويعترف عن حالة سقوطه في وحل الجاسوسية الصهيونية وخدمة إسرائيل في تدمير المشروع النووي لعراقي، وظل الشهرستاني يندفع بعد نجاته من تنفيذ حكم الاعدام بالتآمر على بلده العراق وينتقم من العراقيين شر إنتقام. واليكم المقالة المؤجلة النشر، كما كتبت منذ ثمان سنوات.
أغلب الكتابات التي ظهرت حول الملف النووي العراقي تجاهلت تماما أي دور يذكر لحسين الشهرستاني في بنائه أو الاشارة الى موقعه في قيادة المشروع النووي العراقي أو حتى في ادارته المباشرة، وغير المباشرة. كل ما ذكر عنه انه كان احد العاملين في المشروع، لكونه من حملة الشهادات العليا ذات الاختصاص الكيميائي الذري، الذي يمكن توظيفه المفيد في المشروع.
كما ظلت الكتابات عن سيرته العلمية والذاتية ودوره في المشروع النووي العراقي تتخللها ظلال قاتمة وفيها اشارات عن مسائل غامضة كثيرة بخصوصه تفاداها الكثير من الخبراء والعلماء العراقيين ممن كتبوا مذكراتهم وإسهاماتهم في المشروع النووي العراق .
كما لم يكتب حسين الشهرستاني عن دوره، ولم نعرف عنه كتابة مذكرات واضحة ودقيقة عن دوره في المشروع النووي العراقي. وعندما يصرح أخيرا عن دور موهوم له يتجلى في رفضه الانصياع للحاكم وتنفيذ رغباته في امتلاك السلاح النووي او الكيمياوي فانه يجانب الحقيقة ، لانه بالتأكيد قد قرأ بالتأكيد كتابات زملائه عنه، وتابع الكتابات الاخيرة التي صدرت خلال السنوات الأخيرة حول الموضوع، وكلها كتابات تجاهلت دوره في المشروع، واقتصرت بعض الكتابات قضية اعتقاله بتهمة سياسية فقط تم الافراج له عنها، ولكن العديدون أيضاً قد سكتوا عن" دوره الخياني" لأسباب عدة رغم يقينياتهم ، وإدراكهم من انه تعاون مع الموساد أو المخابرات الامريكية أثناء تواجده في باريس وقيامه بمهمة التنسيق مع الطرف الفرنسي حول تنفيذ البرنامج المتفق عليه لانجاز بناء المفاعل العراقي. العديد منهم يعرف ضمنياً، ومنهم زوجته الكندية الجنسية، انه سقط، بطريقة ساذجة، أو بسبب غلطة أو غفلة منه، قادته رويداً رويداً الى التورط والانحداربالتعاون مع العدو، وهذا التورط بات صعباً، والذي لم يعد بالإمكان التراجع عنه، او الاعتراف للجهات العراقية بالورطة الشهرستانية بالتجسس.
ولتشابك الموضوع، وتعقد إرتباطاته الواسعة مع اطراف وشخصيات عربية ودولية وإسرائيلية يلوذ الكثيرون بالصمت من طرح الصراحة الحقيقية لتأكيد أو نفي دور الشهرستاني في تدمير المشروع النووي العراقي.
ولمسح الموضوع من جوانبه العديدة، لا بد من التذكير، انه خلال تلك الفترة، فإن أول ما يلفت الانتباه له عند مطالعة السيرة الذاتية لزعيمة حزب كاديما الجديدة، ووزيرة خارجية اسرائيل السابقة، تسيبي ليفني، هي أنها بدأت نشاطها كجاسوسة، من الدرجة الأولى في خدمة جهاز الموساد الصهيوني. وكأي جاسوسة محترفة تأخذ دورا سياسيا فإنها التزمت بصمت أبي الهول حول ادوارها القاتلة في باريس، وهي حتى الآن لم تتحدث بعد عن إنخراطها السابق في منظومات الإستخبارات الاسرائيلية والأجنبية خلال الثمانينيات من القرن الماضي، رغم أن هناك تقارير خاصة وعديدة عنها، ربطت اسمها بالعمل، كجاسوسة إسرائيلية كانت نشطة في فرنسا، أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، توزع عملها ما بين جمع المعلومات عن "إرهابيين عرب في أوروبا"[حسب الوصف الاسرائيلي]، إلى العمل كمدبرة منزلية، والإشراف على عدد من الإقامات المشبوهة في العاصمة الفرنسية لمن يطلبها من السواح والزوار والدبلوماسيين العرب. ومن هناك نجحت ليفني وانطلقت في تنفيذ عمليات الإغتيال واستدراج وإسقاط العديد من الاشخاص العرب وغيرهم المستهدفين من قبل الموساد، ونجحت في تجنيد العديد منهم، ومنهم سفراء عرب كزين العابدين بن علي، وعدد من موظفي السلك الدبلوماسي العربي في باريس.
خطورة عمل ليفني مع الموساد في تلك الفترة تكمن في أنها كانت في وحدة النخبة، "بحسب وصف أفرام هالفي"، المدير السابق للموساد ، والذي لأسباب أمنية لازال يرفض إعطاء تفاصيل أكثر عن المهمات القذرة التي قامت بها ليفني، ونفذتها في الفترة ما بين عامي 1980 و 1984.
ليفني، الشابة الجميلة، اليهودية البولندية الأصل، كانت تتحدث اللغة الفرنسية والانجليزية بطلاقة، إضافة الى لغتها الام البولندية. عملت في باريس التي كانت، وقتئذ، ساحة لمعارك طاحنة بين الموساد وعدد من قيادات الفصائل الفلسطينية، وباريس كانت قبلة النشاط العراقي الدبلوماسي والسياسي والامني، لتحقيق طموحات قيادة العراق النووية في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، خاصة بعد توقيع الاتفاقيات النووية للتعاون مع فرنسا لأجل بناء مفاعل تموز النووي، الذي تم تأخيره ومن ثم الأمر بتدمير وتخريب أجزاء منه مرارا في مراحل بنائه في فرنسا، ومن ثم القرار بتدميره بعد أن تم انجازه واستكمال بنائه والاقتراب من لحظة تشغيله على ارض العراق، من خلال مناورة قصفه جوياً من قبل طائرات العدو الصهيوني. رغم ان التخريب والتفجير قد تم من داخله على ايادي احد المخربين الفرنسيين المجندين والتعاون مع الموساد.
ليفني كانت هناك في باريس مصدرا هاماً في تزويد الاستخبارات الإسرائيلية بما تطلبه حول مراحل تنفيذ وانجاز حلقات بناء المفاعل والتعرف على الكوادر الهندسية والعلمية العراقية المكلفة بانجازه.
وبعد تجربة طويلة وتدريب مضني انخرطت ليفني خلالها في صفوف الموساد عن طريق صديقة طفولتها "ميرا غال" التي خدمت بالموساد 20 عاماً، وهي لازالت الى جنبها تعمل كمديرة لمكتب ليفني. وكباقي المتطوعين والمنخرطين الجدد في جهاز الموساد، قامت ليفني بأعمال ضمن النشاط الطلابي والشباني لإختراق النخب الفرنسية والعربية بباريس. قدمت نفسها هناك، كبولونية، و تنقلت في القارة الأوربية، أين خاضت العديد من الإختبارات التي لا تخلو في معظمها من المخاطر، وتركزت معظم مهامها بالعمل كخادمة أو مدبرة منزلية أو تسهيل الإيواء للسواح والطلاب وكراء البيوت والتنصت على ساكنيها، كما تم الربط بشبكات الدعارة الخاصة لاصطياد الزبائن المطلوبين للرصد والمراقبة وتنفيذ التصفية الجسدية.
بعد العمل في المنازل انطلقت ليفني للعمل الميداني، حيث تلقت تدريبات حول كيفية تجنيد الجواسيس، وجمع المعلومات في وقت كانت إسرائيل تواجه خصومها ألكُثر في الساحة الفرنسية، خاصة بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت وانتقال معظم كوادرها إلى تونس، والاقتراب من الساحة الفرنسية. وهكذا أضحت باريس المركز الامني المتقدم للموساد.
ولا بد من التذكير أيضا هنا انه من المعروف، منذ حرب جوان/حزيران 1967 وإسرائيل تتخذ من باريس محوراً لعملياتها في أوروبا، بسبب العلاقات الطيبة والتنسيق الواسع بين جهاز الموساد مع الأجهزة الإستخباراتية الفرنسية، لاستهداف عدد من القيادات الفلسطينية التي اختارت باريس للعيش والإقامة فيها.
إضافة إلى ذلك كان عدد من عملاء الموساد، من خارج حلقة باريس، يقومون بعمليات اغتيال واختراق لعدد من قيادات منظمة التحرير الفلسطينية، منهم: كارلوس و أبي نضال... وغيرهم من خلال القيام بعمليات قتل واعتيالات غالباً ما كانت تنسب لهذين الرجلين.
عملاء الموساد، ومن ضمنهم ليفني، عملوا على إحباط مخططات الرئيس الراحل صدام حسين لبناء مفاعل نووي عراقي بمساعدة فرنسية ، ففي جوان/حزيران من عام 1980 وجد عالم نووي عراقي مُغتالاُ وهو " الدكتور المشد وهو من اصل مصري"، كان يعمل بالبرنامج النووي العراقي، وجد مقتولاً في غرفته بالفندق.
اتجهت أصابع الاتهام نحو الموساد، ولكن الفاعلين وجهوا الانظار بفبركة الجريمة وتوجيهها من خلال اعترافات واحدة من فتيات الليل التابعات لشبكة ليفني، التي ادعت بأنها اكتشفت أمر الجريمة بعد سماعها أصواتاً تنبعث من غرفة العالم النووي العراقي المجاورة لغرفتها. لقد تم قتل تلك المومس بعد شهر من ذلك الحادث في ظروف غامضة لإخفاء سير التحقيق الذي بدأت به المصالح الفرنسية آنذاك.
في عديد من كتابات الاسرائيليين حول نشاط الموساد في أوربا يتم التمويه والتغطية على اسم حسين الشهرستاني، وعند القراءات المتأنية لتلك الكتابات، لا يمكن استبعاد دور ليفني في الساحة الباريسية من قضية تجنيده، وهناك من الكتابات المموهة لاسرائيليين في نصوص مذكراتهم لا تخفي أن شبكتها كانت وراء تجنيد وإسقاط[عالم ذرة عراقي]. كل الدلائل تشير الى أن "عالم الذرة العراقي" المقصود بتلك الكتابات هو حسين الشهرستاني الذي تم ربطه في شبكة تجسس كانت تعمل مع الموساد الاسرائيلي بباريس.
تم الارتباط في مراحله الاولى تم عن طريق إستدراجه، بشكل غير مباشر، حتى تم توريطه من دون علمه في البداية، ومن ثم تمت مصارحته بالأمر الواقع، وابتزازه بفضح علاقته وما قدمه من خدمات تجسسية حول مشاريع كان مكلفا بها، حتى قبل في نهاية الامر التعاون معهم بشكل تام وبطاعة تامة.
ظل التكتم عليه حتى بعد اعتقاله في العراق بتهمة أخرى[ هو الانتساب لحزب الدعوة المحضور]، ومن ثم تمت مساعدته على الهرب بعد "حرب الكويت"، وتمت مساعدته للهروب الى الخارج عن طريق كردستان العراق، ومن ثم الى أوربا وبقي هناك حتى عاد بعد غزو العراق من قبل القوات الامريكية.
وصل الشهرستاني الى السلطة كوزير للكهرباء والطاقة ومن ثم للنفط العراقي ضمن تشكيلات الائتلاف الشيعي الذي يقوده عبد العزيز الحكيم في العراق. هذا هو الحاضر للشهرستاني، اما الماضي فلا زال قيد التحقيق الموضوعي لكشف دوره وانخراطه في تدمير مشروع العراق النووي. لذا لا بد من الاحاطة ببعض الامور المتعلقة بدوره بالعودة الى محطات سابقة، هي ممهدات سقوط الشهرستناني في فخ الجوسسة والتعاون ضد طموحاتى العراق النووية.
مناحيم بيغين، وبيريز، كانا يتابعان أولا بأول المشروع النووي العراقي، حذرا فرنسا مسبقا في ذلك الوقت، وتمنى مناحيم بيغن، الذي كان رئيسا لحكومة العدو على فرنسا: أن تكون قد تعلمت درساً قاسياً، كي تتوقف عن مساندة البرنامج النووي العراقي. وبعد ذلك بنحو عام تم قصف المفاعل النووي العراقي، بتدبير وتنسيق مع الفرنسيين أنفسهم حيث تشير المعلومات إن أحد الخبراء الفرنسيين من عملاء الموساد، قد وضع المتفجرات في قلب المفاعل النووي، أثناء الغارة الاسرائيلية، وقتل العميل الفرنسي، داخل المفاعل، قبل أن يتمكن من الخروج من المفاعل للالتحاق ببقية زملائه الذين نظموا سفرة جماعية الى خارج منطقة التويثة. طبعا هذا خلاف ما تم ترويجه إعلاميا: بأن المفاعل النووي العراقي تم تدميره بواسطة غارة جوية اسرائيلية.
هناك تقرير فرنسي قد كشف سابقا أن تسيبي ليفني كانت ضمن الوحدة الخاصة التي دست السم أيضا لعالم نووي عراقي آخر قتل في باريس عام 1983، كان الضحية العراقيةن من المهمدسين المدنيين الاكفاء الأكراد، وكان مسؤولاً عن اعداد المنشئات المدنية لبنايات المركز النووي العراقي، تمت تصفيته بصمت خلال زيارته لباريس.
علينا ان نعيد عقارب الساعة الى الوراء والتوقف سريعا عند بعض المحطات من تاريخ المؤآمرة ا لقذرة لتصفية المشروع النووي العراقي، منذ بداية تطلعات القيادة العراقية ليصبح العراق دولة نووية.
يمكن العودة الى تشرين ثاني/ اكتوبر 1974، عندما وصلت لجنة عراقية الى باريس لتدرس وتطلب امكانيات الحصول على المساعدة التقنية الفرنسية لبناء مفاعل نووي عراقي ثان، يضاف الى المفاعل النووي السوفيتي الصنع المستخدم للاغراض التدريبية والتجريبية المحدودة. وبعد شهر من اقامة اللجنة العراقية في باريس، إلتقت اللجنة برئيس الوزراء الفرنسي آنذاك "جاك شيراك". بعدها تمت زيارة "جاك شيراك" الى العراق، وطرحت خلال زيارته لبغداد في محادثاته مع نائب رئيس الجمهورية آنذاك صدام حسين اولى الترتيبات للاتفاق النووي العراقي الفرنسي. وعد الفرنسيون بمساعدة العراق لبناء مفاعل نووي ثان بعد المفاعل السوفيتي الاول المُعد للأغراض السلمية.
كلف وزير الصناعات الفرنسي "ميشيل أورنانو" بمتابعة ملف المفاوضات مع العراق. وفي اكتوبر/تشرين ثاني 1976 اعطى الوزير الاول الفرنسي "ريمون بار" إشارة الضوء الأخضر لتنفيذ الاتفاق. وتتواجد تفاصيل الإتفاق في بعض الوثائق التي تسربت أخيرا من وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية الى النشر على الانترنيت والكتابات الخاصة بالعراق.
جاء في تلك الوثائق، وفي وثائق أخرى، منها ما كانت رسمية ومنها غير الرسمية ذات صلة بالموضوع ، تفاصيل عن تاريخ ومواقع العمل والتنفيذ لحلقات المشروع، كما عُرفت تفاصيل المفاوضات التي جرت بين باريس وبغداد لتنتهي العاصمتان الى تبادل العديد من الرسائل السرية للغاية.
الاتفاقية تم امضائها بتاريخ 10/9/1975 ما بين وزير الصناعة الفرنسي ووزير التخطيط العراقي آنذاك عدنان الحمداني،عضو القيادة القطرية لحزب البعث. كان الحمداني من أقرب المقربين للرئيس العراقي صدام حسين، وتم تكليفه بوضع برنامج وصيغ للاتفاقيات التي تنتهي باتفاق حكومي شامل للتنفيذ.
وتم الاتفاق على بناء مفاعل نووي بطاقة 40 ميجا واط، يشابه المفاعل النووي الفرنسي الموجود في موقع "ساكلي" ، جنوب باريس، سُمي "اوزيريس Osiris" والذي يصاحبه مفاعل صغير يدعى "إيزيز Isis" بطاقة 800 كيلو واط . المفاعل كان يطلق عليه بين الخبراء أحيانا "المفاعل الصفري"، وهو من نفس نوعية مفاعل "ديمونا" الموجود في جنوب اسرائيل بصحراء النقب، وهو المفاعل الذي سبق استخدام "اوزيريس" في ساكلي، والأخير كان حديث نسبيا.
وضع البرنامج النووي بالتعاون مع فرنسا لكي يتم تنفيذه على مراحل:
ـ وصول تقنيين عراقيين للتدريب في فرنسا في المحطة الكهرونووية المركزية في "ساكلي" .
ـ ارسال بعثة من الاخصائيين الفرنسيين الى مركز الأبحاث النووية ببغداد لغرض الإعداد لبناء مفاعل نووي للأبحاث مطابق لنموذج "اوزيريس الفرنسي Osiris" ، وبضمانات فرنسية لمدة 15 سنة.
اطلق الفرنسيون على اسم المفاعل "أوزيراك"؛ في حين أسمته لجنة الطاقة الذرية العراقية إسم " مفاعل 17 تموز "؛ ليكون المفاعل الثاني للعراق، بعد المفاعل السوفيتي الأول المنجز في نهاية الستينيات المسمى آنذاك "مفاعل 14 تموز" في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم.
ـ بناء وحدة تشغيل كهربائية بطاقة (600-900) ميجا واط، من قبل مؤسسة "فرام أتوم" ، يبدأ العمل فيها عام 1983.
وإضافة الى التجهيز والتشييد للمفاعل "اوزيراك"، ومفاعل " إيزيز" تضمن العقد مع فرنسا:
اولا : تجهيز منظومات لستة تجارب هندسية وفيزيائية مختلفة لدراسة مواصفات الوقود النووي، ودورات تبريده، وخصائص المواد. وتشغيل منظومات هذه التجارب يتم بعد وضعها داخل حوض المفاعل. وكذلك يتم بناء وتجهيز الورشات والمختبرات والخلايا الحارة " أي المتعاملة مع المواد المشعة "، إضافة الى محطة لمعالجة النفايات المشعة.
ثانيا : تدريب الكوادر العراقية على تشغيل وإدامة وصيانة المفاعل الجديد، إضافة الى اكتساب الخبرات الأخرى في الفحوصات والقياسات والتجارب وتشغيل المختبرات الحارة وتشغيل وصيانة محطة معالجة النفايات.
رشحت العديد من الكوادر العراقية للتدريب في مراكز المفوضية العليا للطاقة الذرية الفرنسية ووصلوا الخبراء الى فرنسا تباعا، بدءاً من منتصف عام 1979. وقد سبقهم الى باريس منذ عام 1978 الدكتور حسين الشهرستاني وغيره من الكوادر العراقية، ذات الصلة بالتنسيق مع الجانب الفرنسي.
يقدم د. حسين الشهرستانى (65 عاما) بأنه هو عالم عراقى، حاصل على شهادة الدكتوراه فى الكيمياء الذرية من جامعة تورنتو الكندية، وهو الآن يتولى منصب نائب رئيس الوزراء ، نورى المالكى، لشئون الطاقة، وهو الذى يشرف من خلال رئاسته لمجلس الطاقة، على عمل وزارات النفط والكهرباء والعلوم والتكنولوجيا والموارد المائية والبيئة... الخ.
وقبل ذلك كان المعروف في العراق، ومن خلال العديد من الكتابات المنشورة حول الموضوع، ان د. حسين الشهرستاني كان يحمل شهادة الدكتوراه في الكيمياء الذرية من جامعة تورنتو الكندية، وقد تم اختياره ضمن الكوادر العراقية التي كلف ببناء مفاعل تموز الذي حددت مهامه كونه مفاعلا عراقيا للأغراض السلمية. وحول قضية اعتقاله خلال العام 1979 جرى التداول في عديد الاوساط العراقية الرسمية وغير الرسمية انه [ تم اعتقال الشهرستاني بتهمة " ثبوت علاقتهِ بإيران من خلال انتمائهِ لحزب الدعوة"، حينما كان يدرس ويتدرب في فرنسا].
ولكن يبدو ان تلك التهمة، رغم استغلالها من قبل بعض أوساط المعارضة العراقية وايران في وقتها، كانت تخفي حقائق أخرى لازالت غير واضحة الى اليوم تتعلق بمهمة الشهرستاني بالايفاد ضمن كوادر الطاقة الذرية التي سافرت الى باريس للتدريب. وقد تم تسريب جزء من من تلك المعطيات، بهذا القدر أو ذاك، من خلال عديد الأوساط الاعلامية الغربية، خصوصاً بعد الغارة الصهيونية على مفاعل " تموز" في بغداد عام 1981. وبعد التحقيقات عن سرية المعلومات التي تم تسريبها الى الكيان الصهيوني والتي جعلته ومكنته من إستهداف مواقع عراقية، ليس للشركات الفرنسية او غيرها علم بها، وكانت تلك المواقع المقصوفة معروفة فقط من قبل عدد محدود من الباحثين العراقيين.. لذا قاد الظن بالسلطات العراقية أن الشهرستاني، ربما يكون قد نقل المعلومات لأيران، وهي بدورها تكون نقلتها الى اسرائيل، وعلى ضوء تلك الظنون حامت حوله الشكوك وجرى التحقيق معه .
ولهذا السبب أُدين الشهرستاني بـتهمة " الخيانة العظمى "، وكان يفترض ان ينفذ فيه حكم الاعدام. ولكن مثل تلك التهمة الخطيرة وإثباتها كانت قابلة للإحتمال والتأكيد أو النفي. ونقلا عن مقابلات صحفية وتلفزيونية، قد يكون حسين الشهرستاني قد نساها، وهي ان زوجته سبق لها أن صرحت في مقابلة لهيئة الاذاعة البريطانية بعد احتلال بغداد 2003 ضمن حديث تلفزي حاولت وصف " معاناتها مع النظام السابق " قد أشارت بوضوح ان زوجها سبق ان : [... استعطف حسين الشهرستاني الرئيس صدام حسين برسالة، ووساطة زملائه، وابدى استعداده لخدمة العراق، وتأكيد العكس الذي ذهب اليه الاتهام الموجه إليه.. . وبسبب تقدير صدام حسين لدوره، وشهادة عدد من زملائه في ادارة هيئة الطاقة الذرية العراقية عنه، واستعداده في العمل البحثي لخدمة المشروع النووي العراقي، استبدلت عقوبة الإعدام له بالسجن، ومن ثم تم تخفيف ظروف إعتقاله تدريجيا، ليعاد الى بيته؛ على ان يكون تحت الاقامة الجبرية.
تلك شهادة معروفة لزوجته، قدمتها يوماً، الى احدى الجهات الاعلامية، وهي موجودة لمن يريد التأكد منها، وتؤكد شهادتها، اضافة الى شهادات أخرى، ما اشرنا اليه أعلاه، وتلك الشهادة مسجلة ومنشورة تنفي تماماً، إدعاءات حسين الشهرستاني، وبطولاته الكاذبة في عملية الهروب من سجن ابي غريب، في نقطتين أساسيتين هما:
ـ انه لم يرفض ما طلبته منه القيادة العراقية في التعاون لتنفيذ المشروع النووي، حتى وان كان في الاقامة الجبرية.
ـ انه لم يكن سجينا عادياً، وانه هرب من السجن الانفرادي من زنزانة بسجن ابي غريب، بفضل بطولة خارقة تمكن حينها من الهرب من السجن بمساعدة وتنظيم من خارج السجن وهو يلبس بدلة ضابط برتبة كبيرة، وانه تمكن من الهرب الى كردستان أثناء عمليات القصف الجوي الامريكي على بغداد في شتاء 1991 خلال " حرب الكويت".
المهم هنا وكما هو معروف: ان الشهرستاني إستغل حالة الظروف الاستثنائية التي عاشها العراق يومها، فاستطاع مغادرة العراق الى ايران في شباط/ فيفري 1991. ليلعب بعدها دورا معلوما مع جماعة أحمد الجلبــي وحزب الدعوة وإيران لتشجيع إدارة كلنتون ومن ثم بوش وإعطائهما المبررات لضرب العراق وإحتلاله ومن ثم يكافأ بعدد من المغانم السياسية والوزارية، وزيرا للكهرباء، ومن ثم وزيرا للنفط، ونائيا لرئيس الوزراء لشؤون الطاقة، ويصبح الشهرستاني مكلفا بتوزيع المغانم النفطية وتوقيع الاتفاقيات مع الشركات الغربية والصهيونية التي تتقاسم نهب نفط العراق.
وبعيدا عن العمل في الطاقة النووية او الاقتراب من الجامعات أشغل حسين الشهرستاني نفسه في تخريب منظومة الطاقة الكهربائية وشلها ليبقى العراق تحت جنح الظلام واحتلال الاعداء ويتكفل برد جميل من حموا سيرته المشبوهة التي خدم بها اسرائيل ودمر المشروع النووي العراقي.
لنعود الى قصة جاسوس خانته الشجاعة أن يعترف، أو ان يذكر دوره القذر ليصبح عميلا دائماً، الى ذلك اليوم الذي قاد خطى الشهرستاني الى ذلك الحي اليهودي في الضواحي الجنوبية من باريس في آب / أوت من عام 1978، ليسكن في منزل غير بعيد عن ذلك الحي اليهودي، بالقرب من محطة "سان لازار" للمترو، حيث يستقل كل يوم، في البدء باصاً، يوصله الى محطة القطار المتوجه الى منطقة "سارسيل"، بشمال باريس، حيث كان يعمل ويتدرب لما هو مطلوب متابعته لبناء المفاعل النووي العراقي "اوزيراك".
وبطبيعة الحال مر الشهرستاني، مثله مثل بقية اعضاء البعثة العراقية، الى دورة تدريبية خاصة في المخابرات العراقية، من أجل اليقظة وتعلم أساليب التخفي وإخفاء المهمة التي جاء من أجلها، وعند الانتقال من والى المسكن والعمل، ضمن طرق دائرية الى العمل للتمويه عن تلك الاماكن. كما توجب عليه ان يخفي مهمته، ويتجنب الحديث الى أي إنسان، ويتفادى الإختلاط مع الآخرين.
رافق الشهرستاني زوجته الى باريس، ولكنها كانت غير قادرة على تحمل حياة باريس بسبب العزلة والتحفظ والمراقبة المستمرة والخوف من الرصد المعادي، وخاصة الإسرائيلي للكوادر العراقية المتدربة في فرنسا في المجال النووي.
ويبدو ان الاعداء تمكنوا من تشخيص الرجل، فوضعوا امامه يوماً فتاة شقراء، مُثيرة للإنتباه، تقصدت في البدء، اظهار مفاتنها له، من سروال ضيق، وصدر مفتوح، والإثارة الممكنة لرجل شرقي ، مع سلوك منها بالتجاهل لهذا الشرقي الذي تراه في طريقها. ولكن الرجل كان يعرف ضرورة الإبتعاد من فرص السقوط في فخ النساء، المحتمل تعاونهن مع دوائر التجسس الاجنبية، هكذا علمته دروس المخابرات العراقية في دروس التكوين الخاصة بمديرية الامن العامة قبل توجهه الى الخارج. ابتعد الرجل، قدر الإمكان خشية ان يسقط في فخاخها. وتكرر المشهد مراراً في نفس محطة الباص التي يركب منها الشهرستاني، لكنه سقط هذه المرة، في هفوة الحديث مع رجل أوربي آخر، كان يأتي كل يوم الى نفس موقف الباص ليرافق صديقته الشقراء بسيارته ويذهبان. هو مشهد مكرر في نفس المكان والوقت الصباحي يشاهده الشهرستاني ويراقبه بفضول عن رجل أوربي يأتي ليقابل ويحمل صديقته في سيارته الخاصة ويذهبا معاً. وفي أحد الايام تم ضبط اللعبة غادرت الشقراء المكان دون ان تنتظر صديقها الذي افتعل التأخر ، وعندما جاء صديقها اليها لم يجدها، فتبرع الرجل الشرقي الى الحديث معه وأخبره تقصد الحديث معه بالانجليزية التي يعفها، بدلا من الفرنسية، ليقول له ان تلك السيدة قد ذهبت دون ان تنتظره، مهترفا للرجل الاوربي انه يلاحظ لقاءه كل يوم مع تلك السيدة بمحظ الصدفة في موقف الباص. هي الفرصة التي جاءت للاوربي ليشكر حسين الشهرستاني ويطلب منه التعارف، ثم يجري الحديث جانبيا عن تلك الفتاة وانتظارها اليومي لذلك الرجل. طلب الرجل نقل الشهرستاني الى محطة القطار بدلا من انتظاره الباص فكان له ما أراد، وصار التعارف، ومن ثم عرض الصداقة والتعارف وتحديد موعد لاحق لهذا المتحدث بالانجليزية مع الشهرستاني.
وهكذا تم استدراج الشهرستاني، للتعرف مع ذلك الرجل المجهول، وحصل ذلك الرجل الموسادي وصاحبته الشقراء على ضربة حظ سعيدة، بالصداقة مع رجل عراقي مقيم بباريبس لم يفصح بالبداية عن مهمته، بعدها تدريجيا توصلت مصالح الموساد الى معرفة سكنه ووجود زوجته معه وهما يسكنان في شقة من دون اولاد. ومن ثم الوصول الى سكن قريب من موقع سكنه ومراقبته عن قرب وزرع ما يمكن زرعه من أجهزة الترصد والإنصات في شقته سواء في الجدران او في جهاز الهاتف.. وغيرها. وهكذا كان لهم ما أرادوا من تسجيل محادثاته وتسجيلها والتعرف على تفاصيل لهجته ومراقبته الكترونيا من باريس وتل ابيب.
ومن موقع شقة التجسس القريبة، والمقابلة لشقته، تمت مراقبته عن قرب، وتم ارسال جاسوسة، طالبة تعمل بصفة بائعة عطور متجولة، لتصل الى، شقته والتعرف على زوجته عن قرب، وتراقب مع أعوانها وضع الشقة، وتصبح الطالبة صديقة تتردد عليهما لبيع العطور الفاخرة، بأسعار أرخص من السوق والمخازن الباريسية، وتأتي مسرعة إليهما، كلما احتاجت زوجة الشهرستاني الى شراء العطور الفاخرة بأثمان رخيصة الثمن نسبيا، وتكون قريبة منها بساعا ت الفراغ، خاصة خلال غياب الزوج في العمل في المفاعل الفرنسي.
وهكذا رصدت الجاسوسة من داخل البيت مدى اهتمامات زوجة الشهرستاني وضجرها من الحياة الباريسية، بسب ظروف زوجها الأمنية، حتى شكت لها الزوجة وبينت لها ، في احد المرات، انها ترغب في السفر الى بغداد، خلال فترة قصيرة لمتابعة اوضاع عائلية لها ببغداد؛ مما يعني بقاء د. حسين الشهرستاني وحيدا لفترة من الوقت من دون زوجته. وبسبب تطور العلاقة الحميمية لتلك الجاسوسة "الطالبة بائعة العطور الباريسية"، تم اختراق الشقة من قبل عملاء الموساد، وتم زرع اجهزة التنصت، في غياب الزوجة التي سعدت بعلاقتها مع تلك الطالبة الطيبة التي طالما رافقتها لساعات طوال، خلال خرجات زوجة الشهرستاني للأسواق والمشتريات، حتى تمكنت من نسخ مفتاح شقة الشهرستاني. ومن ثم دخول العملاء اليها بغياب الرجل في العمل، وتمكنوا من زرع أجهزة الانصات والتصوير في الشقة.
عن طريق جهاز الإنصات عرف الموساد، ما يجري داخل الشقة، أولاً بأول، ومنها علمهم بقرار زوجة الشهرستاني بالعودة الى بغداد بالضبط، وعرفوا من خلال ذلك ان الرجل العراقي يخضع للتعليمات الأمنية التي توجهه من موظفي السفارة المشددة على المبعوثين العراقيين لحمايتهم من أخطار العدو.
ابعد الموساد مهمة إسقاط الشهرستاني عن طريق صديقة زوجته، بائعة العطور ورتبوا له فخاً آخر مع الشخص الذي تعرف عليه صدفة مع تلك الشقراء، بان استدرجه صاحبه الى شخص آخر إدعى انه يتعاطى التجارة الدولية في الالكترونيات وغيرها، حتى تمكن من استدرجه لإشراكه في قضايا تجارية، عادية كشراء خردة من الحديد أو شراء عدد من حاويات الشحن، ونجح الشخص في أخذ نصيحة من صديقه الشهرستاني لشراء تلك الحاويات ونجاحه في تسويقها والحصول على أرباح في تلك الصفقة فيصر على مكافئة حسين الشهرستاني باكرامية قدرها 1000 دولار، وتكررت حالات ذلك التاجر السعيد بأرباحه بفضل نصيحة صديقه العراقي حسين الشهرستاني.
وهكذا يصر ذلك الفرنسي على مرافقته عند الشراء والبيع ويكرمه بمبالغ بسيطة. وفي احد المرات طلب منه ملاحظة عينات من تلك الصفقات، حتى توثقت تلك العلاقة الحميمية حتى استدرجه الى شقته تاركا له البقاء فيها، ويذهب الجاسوس تاركا لصديقه، له مهمة فتح باب الشقة متى شاء، من ثم يتم استدراجه الى تركه مع صديقته الشقراء وممارسة الجنس معها ويتم تصوير المشهد سريا كمادة قد تنفع الجواسيس يوما للابتزاز بواسطتها لحسين الشهرستاني عند الحاجة.
وبذكاء تم ترتيبه جر ذلك الجاسوس صديقه حسين الشهرستاني بعيدا عن ذلك العمل التجاري العادي، الى مفاتحته بخصوص إبداء رأيه عن بيع صفقة لأنابيب خاصة تعمل بالهواء المضغوط وتستعمل لشحن مواد مشعة لأغراض طبية، ويريد التاجر بيعها الى احد وكلاء الدول الافريقية وحاجة التاجر الى استشارة تقنية طلبها من صديقه حسين الشهرستاني الذي لازال يقدم نفسه الى صاحبه الفرنسي انه طالب في الكيمياء الاشعاعية يدرس في احد معاهد فرنسا لفترة قصيرة. كانت تلك الاستشارة بالموضوع تورطه في إظهار معرفته بطبيعة تركيب وخصائص الانابيب، والتاجر يستمر في اكرام صديقه الطالب العراقي مقابل تلك الاستشارات التي تتالت واصبح حسين الشهرستاني يقبض مقابلها على مبلغ كبير ويتعامل مع التاجر وكأنه مستشار ويتعرف تدريجيا على عالم انجليزي آخر، يدعي انه يسكن في لندن، ويطلب من حسين المساعدة في تشخيص وشراء بعض المواد مقابل مبالغ كبيرة لإبداء رأيه في مثل تلك الصفقات.
وهكذا ابدى الشهرستاني رغبته بمساعدة صديقه التاجر الحائر في الشراء والطالب للاستشارة التقنية. وبدأت عملية الاطاحة بحسين الشهرستاني عندما قال له صديقه التاجر ولكنك كطالب في الكيمياء لا يمكنك معرفة طبيعة استخدامات المواد، وقد تكون استشارتك غير مفيدة لانك لازلت طالباً قاصرا على توفير الاجابة الصحيحة وقد تعرض الصفقات التي نشتريها الى خسارة كبيرة، سقط حسين الشهرستاني في فخ الاعتراف وافتخر بقدراته وقال لصاحبه انه عالم يحمل دكتوراه في التخصص الكيمياوي، وانه يعمل ضمن بعثة عراقية جاءت الى فرنسا بمشروع خاص.
وامام الوعد بإغراءات الحصول على مكافئات جيدة من صفقة التاجر، تم استجلاب حسين الشهرستاني بطائرة خاصة ارسلت للتاجر من اسرائيل ونقلته مع حسين الشهرستاني الى امستردام من دون ان يستخدم جواز سفره العراقي، وقد نقل التاجر مستشاره العراقي الى مكتب هناك، أين استقبله اثنان من العلماء الاسرائيليين، اللذان اخبراه انهم مجرد تجار في مجال تصدير مثل هذه المعدات وغيرها، وهي قد تكون من المواد النووية التي يجهلونها سيقومون بتصديرها الى عدد من اقطار العالم الثالث، وبحكم خبرته واختصاصه فهم سيحتاجون الى مشورته من دون الاتصال بصاحبه التاجر الذي جلبه الى امستردام، وان العمل مغري وجيد سيوفر لحسين الشهرستاني مكافئات مجزية من قبل هؤلاء التجار الذين تعرف عليهم عن طريق صاحبه.
بدون تردد قبل الشهرستاني التعاون معهم من وراء ظهر صديقه التاجر السابق، الذي كان يراقب اللعب عن بعد، بالتنسيق مع فريق الجواسيس الآخرين، وهم في الحقيقة مجموعة من العلماء الاسرائيليين، الذين عرفوا واستكشفوا إهتمامات ومدى فهم حسين الشهرستاني، ومعرفته للمواد التي قالوا انهم يريدون بيعها لمحطات طاقة نووية افتراضية ببلدان من العالم الثالث.
عاد الشهرستاني من امستردام الى باريس في نفس اليوم بالطائرة الاسرائيلية الخاصة دون أن يسأل نفسه لماذا غابت عن السفرة اجراءات الحدود والفيزة وجواز السفر الذي تركه في شقته. هاد حسين الشهرستاني هذه المرة وفي جيبه ثمن 8000 دولار مكافئة للاستشارة العلمية الأولى لصديقه التاجر، عاد اتلى باريس واتفق مع أؤلئك التجار الغرباء بالعمل دون إخبار صديقه الذي عرفه بهم. ورغم خيانته لصديقه سمح لنفسه أن احتفل مع صديقه بشقته ومعهما فتاة لعوب.ذ
إدعى الصديق التاجر سفرا الى بلاده الى لندن، تاركا لحسين تلفونا وعنوانا قد يحتاجهما عند رغبته الاتصال بصديقه التاجر. ولكنه اطمأن الى العمل مع الخبيرين التاجرين الذين إلتقاهما بامستردام، وسمح لنفسه مقابلتهما هذه المرة بباريس عندما طلبا منه هذه المرة مواصفات عن محطة كهرونووية وبمواصفات معينة يريدان توفيرها لدولة من العالم الثالث، فلم يجد الشهرستاني الا نسخاً من مواصفات المحطة النووية العراقية التي يجري بناء مفاعلها في باريس. ولم يتردد عن تقديم معلوماتها لزبائنه عندما تزايد إلحاح التاجرين الخبيرين على بعض التفاصيل، مع وعد بزيادة المكافئات المالية له.
وهكذا كان حسين الشهرستاني يقدم المزيد من تفاصيل مخطط وموقع وبرنامج المحطة النووية العراقية من دون ان يكشف عن نفسه لأصحابه انه يعمل فعليا على تحضيرها في فرنسا، وهو يتدرب مع بقية اعضاء البعثة العراقية على بنائها وتشغيلها في العراق مستقبلا.
وعندما بدأ العملاء يطلبون منه نسخا ومخططات تفصيلية عن إستشاراتهم له بدأ الخوف يتسرب الى قلبه من انه: ربما تورط مع جواسيس إسرائيليين، وانه يلعب في المنطقة المحظورة، وقد يكون قد تورط، وانه الآن ليس مع تجار عاديين المان يتاجرون باللمواد النووية، فاستنجد بصاحبه الاول من لندن طالبا منه المجئ بسرعة لمساعدته للخروج من تلك الورطة. وفعلا جاء صاحبه، فاعترف له حسين الشهرستاني بورطته، وانه ذهب من وراء صاحبه في التعاون مع أناس بدأ يشك فيهم، ويخاف ابتزازهم له، واعترف لصاحبه: انه ربما خدع واعترف له بكل تفاصيل الصفقة السرية.
ولكن صاحبه الخبيث، وبعد ان سامحه على غدره والتعاون من خلف ظهره مع غرباء، طمأنه، ولمح له متقصدا تخوفه من ان يكون هؤلاء التجار: هم من عملاء المخابرات المركزية الامريكية، ونصحه أن يستمر معهم، خيرا، وتفادياً من احتمال انتقامهم منه، وأعاد له دعوته الى شقته، وبانتظاره عاهرة اخرى، جاسوسة أخرى، لإسقاطه أكثر ومزيداُ في الفخ الصهيوني.
وفي تلك الليلة صارح التاجر اليهودي الجاسوس صاحبه حسين الشهرستاني، انهما وقعا معاً فعلاً، في ورطة التعاون مع عناصر المخابرات الامريكية، وتم استدراجهم فعلا، من حيث لا يعلمون.
بكى حسين الشهرستاني ليلته صارخا، بان العراق سيعدمه او يشنقه، إن عرفوا بورطته هذه. ورد عليه صاحبه : لا تخف، أكمل تعاونك، ونحن نحميك، واخبره بضرورة تزويدهم بأهداف العراق ومخططات المشروع، والقائمين عليه. فقدم الشهرستاني له كل ما طلبوه. ومنها باع سر وصول الشهيد العالم النووي المصري د. يحيى المشد، باعتباره مدير المشروع الذي سيصل الى باريس سرا لتفقد تنفيذ حلقات المشروع النووي. وسرب تفاصيل مقابلة د. يحيى المشد لافراد البعثة العراقية. وهم بدورهم حاولوا عن طريق الشهرستاني الوصول الى د. يحيى المشد نفسه، ولو لأجل التعرف عليه ومقابلته في مطعم، واقترحوا أن يتم اللقاء المطلوب مع د. يحيى المشد كما لو كان صدفة في مطعم ما . لكن تصرف د. يحيى المشد وتحركه بحذر شديد أسقطت من يد ومحاولة حسين الشهرستاني الفرصة الى جره الى الموضوع وذلك الكمين الموسادي بحضور اؤلئك الأغراب.
حصل الموساد تدريجيا على كل ما يريده من حسين الشهرستاني وحصل على البرنامج العراقي، ومراحيل التوريد للمعدات. نفذ حسين الشهرستاني كل تلك العمليات التجسسية وهو لازال يظن انه يعمل مع المخابرات المركزية الامريكية.
وعندما عادت زوجته، بعد غياب، لاحظت تغيره في جميع الجوانب، مالا وتصرفات غير معهودة عليه، وعندما سألته عن ذلك المال إدعى امامها أولا انه حصل على ترقية ومكرمة من العراق على عمله، ثم تراجع واخبرها بقصته مع التجار الذين اوصلوه الى ورطة التعامل المباشر مع المخابرات الأمريكية، لكن المرأة كانت من الذكاء ما يكفي فذهبت بعيدً، وأدركت ان الورطة قد لا تكون مع الأمريكيين فعلاً، كما يظن زوجها؛ بل تكون مع الإسرائيليين مباشرة، وليست مع الأمريكيين، وتلك هي الطامة الكبرى عليها وعلى زوجها، لو اكتشف العراقيون أمره.
بفضل المعلومات الدقيقة ومواعيد الارسال المقررة للمعدات تمكن الاسرائيليون من الوصول الى حيث المستودع الذي تم خزن المفاعلين العراقيين المعدين للتصدير الى بغداد وهما في طريق شحنهما الى العراق. استعانوا بخبرة خمسة مخربين وعالم نووي إسرائيلي، ودخلوا ضمن رتل الشاحنات الفرنسية التي حملت المعدات والمفاعلين الى المستودع. وقد كانت وفرة المعلومات والمخططات التي حصلوا عليها كافية لكي يقوم العالم النووي الاسرائيلي المرافق للمخربين بتحديد موضع شحنة التفجير الكافية لتدمير المفاعلين اللذين تم بناؤهما خلال ثلاث سنوات كاملة من العمل، قبل شحنهما ببضعة ايام الى العراق.
تم للموساد، بمساعدة معلومات حسين الشهرستاني تفجير المفاعلين بوضع 5 شحنات بلاستيكية متفجرة في مواضع مدروسة من قلبي المفاعلين في أحد مستودعات مدينة "سين سور مير Seyen-sur-Mer الفرنسية الواقعة على ساحل البحر الابيض المتوسط. تم نسفهما بتفجيره بخمسة شحن ناسفة مدروسة بدقة لانجاز التخريب المطلوب، فدمروا أكثر من ستين بالمئة من مكونات المفاعلين، وبخسارة 23 مليون دولار، وتأخير لعدة شهور اخرى .
وللتغطية على العملية، اعلنت مجموعات مجهولة سمت نفسها" مجموعة انصار البيئة الفرنسيين" أو " اليسار المتطرف " او نسب الامر الى " فلسطينيين موالين الى ليبيا" ... الخ. وإعلان مسؤولياتها عن الحادث؛ رغم نفي الشرطة الفرنسية لتلك الادعاءات. وعندما قال البعض بمسؤولية الموساد صرخ انصار إسرائيل : "هذه اتهامات من جهات لا سامية ".
هرب المخربون، وتكفلت فرقة تجسس اخرى، في متابعة حسين الشهرستاني، الذي كان يسمع ويقرأ خبر تفجير مكونات المفاعل النووي العراقي داخل الاراضي الفرنسية، كان يتابع الاخبار وهو يتناول عشاء فاخراً مع زوجته في احد المطاعم الفرنسية.
وعندها كانت أغلب الجهات تشير بالأصابع المتوجهة، منذ اللحظة الاولى الى المخابرات الامريكية والإسرائيلية "الموساد" تحديدا، صابه ذعر شديد، وظل يصرخ بهستيرية، وصاح بوجه زوجته : " لقد نسفوا المفاعل، والآن جاء دوري، سوف ينسفوني". واتصل بصاحبه طالبا المشورة، وما ينبغي عمله، فرد الجاسوس اليهودي الخبيث : اطمئن ونم بهدوء انك خارج الشبهات، ولا أحد يستطيع ربط علاقة بينك وبين الحادث. واختتم قوله : "غدا سنلتقي".
اعاد حسين الشهرستاني على صاحبه بان توقعات زوجته، ربما تكون صحيحة في ان اسرائيل وراء تفجير المفاعل العراقي على الأراضي الفرنسية، وانه قرر ان يعود وزوجته الى العراق؛ طالما ان زوجته تلح على العودة من باريس حالا. ورد عليه صاحبه: ليس ذلك حلا وحذره : انهم سيبتزونك، حتى وأنت في العراق، عليك إستمرار التعاون مع الإسرائيليين مباشرة من دون خوف.
لكن حسين الشهرستاني قد بلغ به الخوف حدا بعيدا، فقرر العودة الى العراق مع زوجته مهما كان الثمن، وبناء على قرار ورأي زوجته التي ظنت ان العراق هو البلد الأسلم لزوجها.
وعندما حكم على حسين الشهرستاني ل -
في رهانات العرب... لا تتخلوا عن العراق
في رهانات العرب... لا تتخلوا عن العراق
شبكة البصرة
ا.د. عبد الكاظم العبودي
لا بد من التذكير بما قال الخليفة عمر بن الخطاب (رض) الذي كان عهده مبشراً بفتح العراق، وفي ظل قيادته سقطت أكبر امبراطوريتين في ذلك العصر هما الامبراطورية الفارسية في العراق والبيزنطية في الشام.
(العراق جمجمة العرب، وكنز الإيمان، ومادة الأمصار، ورمح الله في الأرض، فأطمئنوا: فأن رمح الله لا ينكسر).
ينجر العرب منذ أكثر من عقدين إلى أكثر من لعبة خاسرة، تشتتوا فيها وضاعت بوصلاتهم ومعاني وجودهم كشعب وأمة. تتالت الهزائم الواحدة بعد الأخرى، وكأنهم قد حُكم عليهم أن يضيعوا في التيه الأخير من القرن العشرين والتيه الأول في بدايات قرن التحرر العالمي المقبل.
كثرت المتاهات العربية مشرقاً ومغرباُ، وضاعت من أيادي العرب لأكثر من جيل الكثير من الفرص سواء في التحرر أو التنمية والإنعتاق الحقيقي من كل أشكال التبعية للاستعمار، ولم يحل أي من الأجيال العربية المتعاقبة مشكلة العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
ومنذ بزوغ فجر الانتفاضات والثورات العربية في مقتبل القرن الماضي ضيع العرب جيلا بعد جيل كل خرائط الطرق الموصلة بهم إلى المجد، الذي يليق بهم كأمة وشعوب، بدلا من الاستدلال بالخرائط الاستعمارية وما رسمته الأيادي البريطانية والفرنسية في معاهدة سايكس ـ بيكو وما تلاها من نفوذ أساطين السياسات الأمريكية ـ الصهيونية من مسارات ذهب الكثير من نخب وحكام العرب المغفلين فيها إلى هاوية لا قرار لها، قولا ومصطلحا ومساراً.
وعبر ثلاث عقود متتالية ضاعف الإيرانيون والأمريكيون والصهاينة معاً استكمال ما نُفذ وطُبق من سياسات الأنظمة العربية وصارت اللعبة ممارسة جرى التمكن فيها من حبك ألاعيبهم في تشتيت صفوف العرب وتمزيق لحمتهم، وخاصة في الموقف التساومي من العدو الصهيوني بعد زيارة السادات للكيان الصهيوني وتوقيع النظام المصري والتزامه باتفاقيات كمب ديفيد ولحقه النظام الأردني بتوقيع اتفاقية وادي عربة وتهالكت البقية من القطيع على التطبيع مع العدو الصهيوني بصيغة وأخرى، سراً وعلانية.
وهكذا تجسد التراجع العربي عن الالتزام بالحقوق القومية وحق شعوب الأمة العربية في الاستقلال والحرية والتنمية والوحدة القومية. وكان التفريط بقضية العراق بعد فلسطين، بدا واضحاً وأكثر خطورة في مشاركة العديد من البلدان العربية في العدوان الثلاثيني على العراق واستكمال خطوات حصاره وغزوه ومن ثم تكريس احتلاله وإسقاط دولته الوطنية، والاعتراف بحكومات أذناب الاحتلال المتتابعة، في ظل هذه التراجعات الكبرى جرى أيضاً ضياع الصومال وفشل الوحدة اليمنية وانقسام فصائل الثورة الفلسطينية واستمرار الصراع الطائفي بلبنان وصولا إلى الحرب الأهلية وسقوط هيبة مصر وانكفاء دول المغرب العربي في عزلتها عن بعضها البعض ومع المشرق العربي، تم ذلك مع استهتار الأنظمة الدكتاتورية المشبوهة في تطلعاتها وعبثها بحرية وكرامة الشعوب وبتكريس أنظمة الاستبداد والتوريث والفساد بكل أنواعه، وعلى جبهات أخرى ظهر العبث والتفريط بالمال ونهب خزين الطاقات الكامنة داخل الأرض بدلا من استغلال وارداتها لتشكل الطاقة الضامنة لمستقبل الشعوب العربية بعد نفاذ النفط والغاز.
نصف قرن متواصل من التراجع والانكفاء وراء أوهام الدولة القطرية وهيكلية الدويلات الميكروية والأنظمة الاستبدادية، وليدة الانقلابات العسكرية، حتى تحقق للمخططين الإستعماريين تنفيذ تلك الخرائط والمسارات الاستعمارية المطلوبة من العرب تنفيذها. ونشهد اليوم عمليا نكبة عربية كبرى تتجسد في ضياع فلسطين والعراق وتجزئة العديد من البلدان العربية إلى طوائف وتحالفات ومشهد سقوط عربي لا قرار له في هوات سحيقة تحت ضربات الصراعات المستجدة والمتفجرة والموقوتة. ونلمس ذلك بوضوح، خاصة بعد محاولات حرف نهوض الانتفاضات العربية لجماهير وفئات وطبقات ضاقت ذرعا بتسلط الحكام واستمرار أنظمتهم وكياناتهم الهزيلة في سائر أرجاء الوطن العربي بلا تنمية أو استقرار أو حياة تليق بكرامة الإنسان وتحسسه بمواطنته.
وبات ذكر العراق نكرة في تيه تلك المخططات، وضاع شعبه من مستقبل وعناوين البلدان العربية وتقاسمته مفردات معاجم الدساتير المستوردة من بلد عربي إلى بلد موصوف بالانتساب إلى الجامعة العربية، وإلى بلد مؤسس للجامعة العربية... الخ. من أساليب الرطانة اللغوية الدستورية التي توجهت أساساً في نصوصها المس بهوية وانتماء العراق والتشكيك بمكونات شعبه وإلغاء صفة عروبته، وحذف موقعه التاريخي والحضاري، كعنصر وبيئة ظلت فاعلة في حياة العرب والمسلمين على مدى الدهور.
وإذا كان الفعل المتعمد في تدمير العراق قد نُسب إلى أيادي وأفكار نخب سياسية عراقية، سبق أن احتضنها المحتل وأعدها لتلعب أدوارها المطلوبة، بعد أن حملها ضمن ناقلات دباباته ليحكم باسمهم شعب العراق في سنوات الاحتلال وما بعد الانسحاب المزعوم، إلا أن كل ذلك لا يعفي بقية العرب الذين دفعوا بأموال شعوبهم فاتورة الأسلحة التي غزت بها الولايات المتحدة العراق، ووفرت لتلك الأسلحة قواعد الانطلاق لتدمير جمجمة العرب وكسر سيفهم. ومهدت لتشويه المقاومة العراقية بإرسال دفعات الإرهاب لكسر الإرادات الوطنية وتكريس الاحتراب بكل أنواعه
وللأسف إن صراخ العراقيين وطلبهم لنخوة ونصرة أشقائهم العرب لم يسمعها احد في صخب اشتداد الصراعات المذهبية وحروب الطوائف السياسية؛ فالذبح في المسلخ العراقي بات طقساً يومياً معتاداً، يتم تارة باسم الثأر للمظلوميات السابقة، والدعوة إلى ثارات باسم الإسلام الشيعي والسني وطوائفهما السياسية تحت عرش الدولة المحتلة وتقاسم محاصصاتها وامتيازاتها.
وعندما يستنكر العراقيون الفتنة الطائفية من أي جهة كانت ويلعنون مشعليها، يذهب الصراع إلى منحى آخر ويتم إشعال الصراع تحت عنوان الاحتدام والضغائن الإثنية والقومية بين طرف عربي وآخر كردي وثالث تركماني حتى بات الحديث عن تحديد حدود المناطق المتنازع عليها وصارت حلولها من مهمات الغير، تتدخل فيها مؤسسات الأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإسلامية، والدول المجاورة، صغيرها وكبيرها، التي مدت خراطيمها نحو كل بئر نفطي لتشفطه بالمشاركة أو بالانفراد.
باختصار أن كل تلك الصراعات التي نسمع بها تشملها وتجمعها وحدة المصالح والأطماع البترولية المحلية والدولية، وليس من سبب غير ذلك. أما القائمون على التنفيذ فهم خدم الاحتلال والموظفين فيما يسمى بالعملية السياسية.
صفويون وسلاجقة وبويهيون وأتراك وعربان مستعجمين ومستعربون وشعوبيون من شتى الانتماءات تهالكوا على تدمير العراق ومجابهة مقاومته الوطنية نيابة عن قوات الاحتلال وبحمايتها، جاؤوا من سائر الخلجان العربي والفارسي، تراهم بكل الصفقات وهابيون ومرجعيون وإخوان، وإسلاميون وملاحدة، عرب من جميع القطريات وأعاجم قادمون يرسمون للعراق في دستوره قاعدة التقاسم والمحاصصة والتجزئة.
صار العراق ومن بعده بقية أقطار البلدان العربية نموذجا لشعار" كم أدفع لكَ لكي تحتلني"، وهو الشعار المترجم اليوم في أولويات أصوات ندوات وتصريحات الإعلام العربي في النقل المباشر، وصار طلب وصول القوات الدولية بنداً من بنود وقرارات الدول العربية حيث توظف بعض بلدان الخليج جزءا من أموالها في الاستثمار في صفقات الديون المالية لمساعدة العصابات السائبة القادمة من الخارج في مهمات مشبوهة لإسقاط نظام معين أو الابتزاز لآخر باسم ثورات الربيع العربي.
وظيفة جديدة للمال العربي الاستثمار في تحويل جهد الانتفاضات الشبانية وما سمي بـ "الربيع العربي" وتنصيب من تراه مناسبا لقيادات المرحلة العربية القادمة سواء في البرلمانات المنتخبة أو الرئاسيات الجديدة. وتجهد الفضائيات النفطية نفسها في تلميع الوجوه المطلوبة لقيادة الوضع العربي من خلال مقابلات تعد بشكل انتقائي وإعطاء ادوار في قيادات الانتفاضات على حساب الأبطال الحقيقيين والشهداء والمنتفضين ضد الجوع والحقرة والاستبداد.
حتى انتفاضة العراقيين في ساحة التحرير في 25 شباط 2011 جرى التآمر عليها عربيا قبل الاجهاز عليها بالقمع الشرس من قبل سلطات المالكي وعصابات المليشيات الطائفية وتحالفاتها الاقليمية والمحلية؛ لكون تلك المظاهرات كانت تشكل وتؤشر انها ستكون من اكبر الأخطار في الوطن العربي على الأنظمة فيما لو امتدت في سهل المقاومة العراقي كهبة شعبية، واحتضنتها بنادق الثوار ضد الاحتلال والعملية السياسية الزائفة.
فضائيات العرب وأخواتها تنكرت لنقل الأخبار العاجلة من بغداد، واكتفت ببث مراسليها مُسلحين بالمال وهواتف الثريا، وجندت معلقيها من استوديوهاتها يبثون الخبر المطلوب إنقائياً ويقزمون دور الثوار الحقيقيين بانتظار ملامح الصفقة الدولية المطلوب تنفيذها بالتعاون مع النخب التي رشحت نفسها بالقبول والتنسيق مع الأمريكيين قبل ذهابها إلى الانتفاضة الشعبية او الانخراط في حمل الصناديق الانتخابية المطلوبة شعبيا لاختيار الحكام والقادة الجدد.
تبدو كثير من الأفعال مرسومة سلفاً، خاصة عندما لوحظ تحمس بعض الحكام العرب وممثليهم في الجامعة العربية من الذين عرفناهم في أجواق مشعلي فتن واحتلال العراق وغيره، وهم بيقيني واهمون من أن وصول النيران إلى معسكرهم ومخيماتهم لازال بعيدا، ويمكنهم إطفاء النيران في الانتفاضات العربية، وخاصة في مصر، ان الثورة قادمة لا محالة إلى ضفاف آبار الخليج وقصور مشايخه.
الكل كان مستعدا للتغطية والعمل المجاني من اجل إيصال صور الاعتداءات والممارسات والمذابح الجارية في العراق إلى الوكالات والفضائيات إلا أن صوت العراق ومقاومته الوطنية وانتفاضاته المتتالية لازال ممنوعا من الإسماع، وحتى التنصت، وقرار الإفراج عنه سيتم حتى إشعار آخر.
الإيرانيون أحكموا لعبتهم القذرة في العراق وسوريا ولبنان وبعض من بلدان الخليج وهم يساومون بالعراق ومصيره ورقة في الصفقات التي سوف لا تفضي إلى شئ سوى ما أفصح عنه الإيرانيون أخيرا: أنهم يتطلعون إلى وحدة اندماجية مع العراق، ويسارع الكويتيون ببلادة إلى عرض سخي لحكومة المالكي في ضم العراق إلى دول اتحاد دول الخليج العربي، وقد استنكر الإيرانيون هذا الطلب وسارع بوق وغراب حكومة المالكي علي الدباغ إلى الاستهزاء بالطعم الخليجي وسخف من عقول مقترحي المشروع مشيرا بشكل صفيق إلى انتماءهم الإيراني وسيادة الروح الانفصالية لدى شركائهم الكُرد وتوزع العراقيين في طوائف وملل واديان وأحزاب مذهبية ومرجعيات لا وطنية.
هكذا يجري الاستفراد الإيراني بالعراق وشعبه، وكأن العرب ينتظرون منا تقديم المليون الثالث من الشهداء كي ترى عدسات كامراتهم فداحة الأوضاع المزرية في العراق.
باتت البلدان العربية مُجرد أكوام حطب يابس كالهشيم، هناك من يصب الزيت عليه، ويتطوع آخرون بقدح أعواد الثقاب المحلي والأجنبي ويكتفي آخرون بالنفخ بالرماد بادعائهم أنهم من مطفئي الحرائق العربية كما هو الحال في اليمن الذي صار أكثر من يمن وفيه ورثة صالح وقبيلته.
الأولوية في كل محرقة عربية باتت سبقا صحفيا وإعلاميا ومبادرة لصور تلفزية تُهيأ لها المراسلات والمراسلين التي باتت تنقلها إعلاميات الجزر العربية الميكروسكوبية والمسماة في القاموس السياسي المعاصر، دولاً عربية وهم من " أهل القرى" النفطية يقودون انتفاضات الغير من منتجعاتهم ومن بيوت الراحة على ضفاف البحر، فهم دولا حسب الطلب تارة خليجية وتارة عربية وتارة دول مصدرة للنفط أو الغاز. المهم صارت آبار الحزام النفطي العربي لكل واحدة منها دولة ووكالة أنباء وتلفاز وقمر صناعي يبث بعدة قنوات، وله عدة صحف تصدر في بعض طبعاتها من عواصم المتروبول، لكل بيت مالي خليجي شركة اتصالات للهاتف النقال، ولكل شيخ ونائبه وولي عهده وحولهما مستشارون وكُتاب وروائيون ومؤرخون، وعلى كل قصر لشيخ راية وشعار للدولة الميكروية، وله فريق " قومي " لكرة القدم، وتتنافس حوله عدد من "الأندية الرياضية" تتسابق في دوري الإمارة النفطية أو تلك للفوز والتنافس على عدة كؤوس، تارة باسم الحاكم وتارة باسم ولي عهده وحتى باسم كلبه وعبيده وبقية مؤسساته العائلية التي اقتسمت ترأس جميع تلك المؤسسات السخية بالمال لمن هب ودب. ويتم التقاط لاعبي الفرق ومسابقاتها من نفايات فرق دول العالم لإجراء المسابقات الرياضية بكل أصنافها وعناوينها ونقلهاعبر قنوات تلفزية لا حصر لها، فإضافة لكرة القدم، اللعبة الأكثر شيوعاً، هناك سباقات للتنس والكولف والهوكي وسباقات الخيل والقوارب وحتى الإبل وسباقات السيارات " الفورملا" والدراجات الهوائية والبخارية، يتسيد عليها اللاعبون ألأجانب وعصابات النهب باسم الرياضة، حتى صارت لدينهم أخرى باسم مسابقات للتزحلق على الجليد وعلى رمل الشاطئ ورياضة مطاردة الغزلان وفقئ عيون الطرائد في البراري العربية بالصقور الأميرية التي يمتلكها شيوخ المقاطعات النفطية.
وأمام هذه الملهاة الكبرى في سيرك الملاهي للشيوخ والأمراء ودولهم يتسائل المنصفون أين هم هؤلاء من هم العراق وشعبه ومعاناته، وإذا ما دعتهم جامعة الدول النفطية العربية مع ملحقاتها من الدول الفقيرة كجيبوتي والصومال نراهم يتسارعون لملئ مقاعد الديكور السياسي والمقاعد باسم دويلاتهم وهم ينشطون المؤتمرات واجتماعات وزراء الخارجية العرب ومنظمة التعاون الإسلامي ولا يرفضون الحضور إلى القمة العربية "الإيرانية" ببغداد، وقلما يمتنعون من حضورها إلا بأعذار أقل ما يقال عنها [ رب عذر أقبح من فعل] حين يقولون أنهم لم يحضروا القمة العربية الأخيرة، تضامنا مع شعب العراق ومن اجل وحدة شعب العراق التي مزقتها حكومة المالكي؟.
بالأمس تناخت هذه الميكرويات المُدولة في مستعمراتها النفطية، وصرخت على حين غرة بالإحساس بجرح كرامتها القومية، بدأت مناوراتها البحرية والجوية والبرية، واستنفرت معها شركات الحماية الأمنية لاحتلال شوارعها وتأمين قصورها الفارهة. قبلها باسبوع فقط كانت البرقيات تتهاطل على شيخ الإمارات ووزير دفاعها وتتناقلها الفضائيات بأخبار عاجلة معلنة بعد قطع البث العادي بفوز الحصان الانجليزي [قيل من أصل وسلالة عربية] ويركبه فارس انجليزي أيضا لمجرد أن الحصان السعيد تعود ملكيته للأمير الخليجي، كان فوز الحصان عرسا إماراتيا بامتياز لأنه ربح سباق الخيل على مضمار لسباق الخيول في إحدى الدول الإماراتية، مضمار سباق الخيل والحصان والفارس كلهم انجليز، والكل يعملون بإدارة بريطانية صرفة أما الاحتفال فقد كان خليجيا بامتياز.
عندما شاهدنا الاحتفالات التي وصفها البعض بعرس القرن الرياضي وسماع البرقيات خلنا أن الإمارات العربية ولدت من جديد، وكأن ضخامة نصوص التبجيل لفخامة "طويل العمر" التي عكستها البرقيات والتهاني العربية والخليجية تُنبئ الناس أن ثمة خلل في العقول، والقوم على دين حكامهم فوارس وفرسان حتى من دون ركوب الخيول المطهمة، لكنهم احتفلوا بمبالغة لا مثيل لها بفوز الإمارات، وتحدث البعض من أن ذلك الفوز سيكون بادرة فأل وخير لاسترداد وزير الدفاع الإماراتي صاحب الحصان المبروك إحدى جزره الخليجية المحتلة، أو بدء الحشد العربي بتلك الخيول العربية وفرسانها باسترجاع الجزر العربية الثلاث أو بعضها من يد الغاصب الايراني.
للأسف لم يمهل الوقت أصحاب الفرحة الغامرة وأصحاب الرقصات بالسيوف المذهبة اللامعة وهم يلوحون بالرايات بفخر نيل كأس الفوز التاريخي لذلك الحصان الانجليزي المحظوظ بالرعاية الشاملة، رغم علم الجميع أن الحصان الانجليزي المُشترى كان جاهزاً ومركوباً من قبل أحد الفرسان الانجليز في مضمار صاحب الفخامة والسيادة وزير الدفاع الإماراتي الشيخ محمد آل نهيان، حتى فاجأهم الخبر العاجل التعيس بتدنيس الأطلال الرملية المنسية منذ أربعين سنة بأقدام الرئيس الإيراني محمود نجاد.
هذا الشاه الجديد الطامع بعرش إيران الصفوي الكامل الممتد من تخوم أفغانستان إلى ضواحي بيروت الجنوبية والغربية وتشمل رعايته قطاع غزة، وصعدة اليمنية وهو المتطلع إلى تحقيق طموحات الفتح الصفوي على كامل بقية إمبراطورية المشرق العربي، وهو اليوم يبدأ باعلان الضم الرسمي لجزر الخليج العربية، يضمها رسمياً، ويسميها مجتمعة مع بقية أخواتها وجزء من عربستان السليبة "الأحواز العربية" ومع جزر أخرى منسية هنا وهناك لتصبح المحمية الايرانية الخليجية الرسمية بامتياز نجادي اسمها "محافظة الخليج الفارسي".
محمود نجاد رأيناه كسابقه، الشاه المقبور، حالم بالتعايش الإستبدادي في مصير الخليج العربي وبحماية أمريكية في السر والعلن. شاه إيران يقوم بجولة سياحية مطلوبة منه في هذا الوقت لكسب الأصوات خلال انتخابات تكميلية لمجلس نواب البازار الإيراني ـ الصفوي. وكأنه يقول للصحابي الفاتح سعد ابن أبي وقاص وللخليفة الاعادل عمر بن الخطاب "رض" : ها قد عدنا يا عمر.. ها قد عدنا ياسعد. عاد الفرس ويخجلون ان يقولوا انهم لازالوا مجوساً ولكن هذه المرة يخترقون بلاد العرب تحت رايات إسلامية متشيعة مشبوهة الاغراض.
أخبار جزر طنب الكبرى وطُنب الصغرى وأبو موسى وبجوارهما جزر مستقلة، إضافة إلى الإقليم الاحوازي العربي المحتل، منذ أكثر من قرن بصفقة بريطانية، ستبقى منسية، كما نُسي العراق ودولته، طالما أن دول الخليج لازالت غارقة بهموم حسابات بئرها النفطي أو تدفقات بئرها الغازي، وهي سعيدة بأخبار ريال مدريد وريال الرياض وريال الدوحة، ولها راياتها الخفاقة في ميادين سباق الخيول، ما بالها والجزر المحتلة قد طواها زمن خؤون وموحش، لكن البركة في حراسات موانئ التصدير الخاصة والتأمين على حياة المارينز في ستيلية، وسلامة خواطر حكام قطر والبحرين وراس الخيمة ودبي الميناء والدولة الشامخة بأعلى برج في العالم... الخ. من الترهات الفارغة وحشد الأسماء الأمريكية التي لا عناوين لها إلا في " الخليج الفارسي" كلها إهتزت لإعلان ترسيم المحافظة الإيرانية الخليجية، وصار الكل يتسائل فيما إذا قد شمل القرار الإيراني ضم بقية المشايخ، إضافة الى الجزر المحتلة الثلاث.
من ينسى العراق تحت الاحتلال الإيراني لا يرى من طنب الصغرى أو أبو موسى سوى بقية من مركب غارق، مثل ذكرى "تيتانيك"، وسط لجة الصراعات الأمريكية والمصالح الإيرانية وتقاسم الأطماع في ضفاف "الخليج الأمريكي"، تسمية حقيقية له على واقع الاحتلال القائم.
البازار النفطي تذكر فجأة الجزر الثلاث وأراد أن يؤكد حضوره في السوق السياسية والإعلامية اللاهية بنقل أخبار الانتفاضات الشعبية في شوارع مدن الفقر العربية. كرر الإعلام الخليجي الوعيد والتهديد بمقاطعة نظام الملالي بطهران، وذكر الامتيازات التي يمكن أن يقدمها الشيوخ والأمراء للبازار الإيراني في حالة تخفيفه من الابتزاز الطائفي والسياسي بتقديم مستحقات الولاء بأرقام فواتير الشركات النفطية وكارتلاتها في الرصيد البنكي الدولي، أو الانضمام إلى الحملة الأمريكية الانتخابية لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، وصار الاستعداد الخليجي لمقاطعة ايران وسوريا اقتصاديا معلنا بكل الوسائل المتاحة، ومكثفا في إعداد برامج وندوات الإعلاميين العرب المقيمين في الدوحة وابي ظبي والمتربصين بطول السنتهم بهذه المناسبات طلباً للخبز والدولارات وتمديد الإقامات الفاخرة لعدة أيام. فلكل أزمة رجالها ونسائها يا خليج العرب، يا واهب المحار والبترول والردى. رحمك الله يا سياب العراق والعرب، أيها المنسي حزينا في ظلمة ولجة الخليج في ضفاف جيكور المحتلة.
العرب بامتياز هم أصحاب الفواتير والحسابات المالية والعنوان الدائم لمقرات استثمار شركات البترول ونقله وتوزيعه على بلدان العالم، سواء بالبيع او مقابل الصفقات بالمجان، عندما تتطلب ذلك المصلحة الأمريكية والبريطانية. العرب يُباعون شعوبا وقبائل وأحلافاً ومشيخات وأحزاب وعمائم وفق التسعيرة الأمريكية في البورصة الانتخابية التي تتكرر كل أربع سنوات، لذلك فخروج البعبع الإيراني من قمقمه كمارد يحاول شفط النفط والجزر مهم بالنسبة للدعاية والتحريض الأمريكي بعد غياب شبح بن لادن وخطابات الظواهري في مثل هذه المناسبات الحميمية عند قرب المواعيد الانتخابية.
تظل الولايات المتحدة الأمريكية بحاجة إلى إيران في كل مناسبة تتطلب الحشد الأمريكي الداخلي للأغراض الانتخابية، الملف الإيراني، وملف محاكمات شباب من بلدان الخليج في غوانتنامو في محاكمة القرن لابد أن تتناسق مع لحظة ترشيح أوباما للرئاسيات في نوفمبر القادم، الى ذلك الحين لا بد من تضخيم عدو إرهابي خطير، وملف نووي كاذب، وتشهير عربي بملفات الفساد. وفي كل الحالات هي فرصة لبيع مخزونات الأسلحة المتبقية في مخازن شركات السلاح الغربية.
العدو الأمريكي والإيراني اعتادا اللعبة ويمررونها في كل مرة من على رؤوس العربان في الخليج وغيرهم. كل يخدم مصالح الآخر، ونحن نقتل بعضنا بعضا وندفن قضية الأحياء المقاومين في ساحات الإعلام الممول خليجياً.
" سبحان وفاق الدبين" قالها الشاعر الثائر مظفر النواب يوماً قبل نصف قرن، صرخة جريحة صادقة، وهو يرى رفاق حزبه السابق يتصالحون مع "الامبريالية عدوة الشعوب" تلك المصالحات الأمريكية ـ السوفيتية طواها الزمن وورثتها جزئيا روسيا الآن في قضية سوريا وغيرها في التلاعب بالمواقف الدولية ومنابر الأمم المتحدة ومجلس الأمن. وعلى نفس المنوال: " سبحان وفاق الشيطان الأكبر وولي الله الفقيه في طهران" أنهم يتفاوضون على النووي ببغداد، هل هناك أكثر من هذا من مكان لا تثار به الشبهات الإيرانية. كل هذا النفاق بهذا الوفاق، ولا يظهر "الحجة المهدي المنتظر" من شقوق أرض العراق.
وفاق الدبين هذه المرة بين تكساس وطهران، والمزرعة التي يتم فيها التوافق هو حدائق المنطقة الخضراء، اقتسام الفريسة تتم في العراق، فكلما تقدم الراعي الأمريكي ليحلب ناقة من نياق العرب في مراعيهم ونفطهم كان يطلب ابتزازها بالذبح بمدية إيرانية صفوية.
وحالنا حال الناقة المسكينة التي لا تستدر حليبها غريزيا إلا إذا كان وليدها جائعا ومتواجدا بالقرب منها، وهي تمنحه حليبها راضية حتى وان شربه في تلك اللحظة حلاب غازي أو محتل. وعندما تشم الناقة حوارها ويكون في قرب منها توافق العطاء راضية مستكينة وطائعة على الحلب بطبعها الغريزي، لكن النوق العربية ظلت تشترط في إدرار حليبها من ضرعها إلا اذا لامسها حوارها الذي ولدته عن بطنها وشمت رائحته عن قرب. الحيران العربية ذُبحت في طقوس الولاءات الاستعمارية للعرب نحو جيرانهم، وفي كثير من الحالات ظلت النوق العربية تُحلب وهي مكسورة ومهيضة الجناح او كانت مضللة من قبل أهلها، ولم يبق جنب الناقة العربية في الخليج إلا كيس التبن المغلف لجلد الحيران المذبوحة، يوهمها منح اللبن لإبنها وتقبل استمرار اللعبة القذرة يمارسها الأعراب.
وتلك هي الوسيلة الأمريكية المفضلة والوحيدة لاستدرار حليب البترول العربي وخيرات الأرض العربية، تأخذه مدرارا تحت خنجر وشبح التخويف بالذبح الإيراني. التصريح الإيراني في طهران، يكفي لفتح الحسابات وهو الذي يلهب الأسعار في بورصات النفط في باريس وواشنطن ولندن.
والتصريح الإيراني بغلق مضيق هرمز يلهب الأسعار ويبيع الأسلحة الغربية الكاسدة في معامل التصنيع الحربي، ويسمح بتدفق تصدير خردة جيوش الغرب وإسرائيل الى مخازن الثكنات الخليجية الخالية من المقاتلين والجند، نشترى أسلحة بلا جنود، جيوش عربية من وهم الفواتير ومناسبات الاستعراضات في معارض بيع السلاح في دبي.
الخليجي يشتري سلاحا، حتى ولو كانت حالة السلاح رثة ولا فائدة منه. ويكتفي البعض من الحكام بعرضه في المتاحف أو منحه إلى قطعات الجنود الأمريكيين الغازين لأفغانستان والعراق في حربي 1991 وغزو 2003. وأخيرا وجدت سوق السلاح الغربي ضالتها بتمويل خليجي وأذرع ثوار بحاجة إلى من يحميهم من قمع أنظمتهم فذهبوا الى الاستنجاد بحماية الناتو وطائراته للتحرير وإسقاط أنظمة حلفاء الأمس من الطغاة والمستبدين. أليس درس العراق يتكرر في أكثر من ساحة صار الجلبيون [نسبة إلى العميل أحمد الجلبي عراب الاحتلال] لا يستحون من طلب التدخل والاحتلال لبلدانهم والفاتورة سيدفعها تراكم المال الخليجي.
صار تكريس الاحتلال الإيراني وحضوره في العراق وسوريا ولبنان وغزة والبحرين والإحساء والقطيف واليمن في صعدة وحضرموت والصومال وباتت حاجة أمريكية ملحة لتطمين عملائها بحمايتهم، إن أرادوا تشغيل مؤسسات الشركات الأمنية الخاصة. وحدات المارينز وقادتها باتوا مرتزقة للتكليف بتنفيذ المهمات القذرة في أكثر من بلد عربي، وهم يتواجدون بصيغ عدة في هذا البلد أو ذاك في كثير من الأحيان بصيغة مرتزقة ومقاتلين بالمقاولة لتنفيذ أية مهمة قتالية قذرة، وتشتغل عديد الوحدات العسكرية الأمريكية والبريطانية والفرنسية بصفة مقاولات تنفذ لشركات من مثل " بلاك ووتر" ومثيلاتها.
ويفتخر كل شيخ أو قبيلة نفطية أو عائلة غازية ومملكة كارتونية، وحتى أبناء وأسر بعض الجمهوريات التي صارت جملوكية بأنهم وقعوا عقودا مع شركة أمنية لحماية قصورهم وسلطاتهم وممتلكات الشعوب التي سرقوها.
هكذا نُسي العراق ومقاومته في حُمى أراجيف الخوف العربي من التدخل الإيراني والإحتلالات الالكترونية والإعلامية والرقمية، وصار شبح التلويح بالمخاطر النووية الايرانية الجديدة يقض مضاجع حكام الضفة المقابلة للأحواز العربية المحتلة. كل هذا يتجسد في محنة وضياع العراق عندما أدار العرب ظهورهم ورؤوسهم كلية عن رؤية بغداد وهي تُحتل وتُستباح وتُذبح أمام كامرات فضائياتهم.
صار حجم المأساة أكبر من أن تراه حدقات زرقاء اليمامة في قصور نجد والجزيرة العربية المحتلة بكل أنواع الإحتلالات الغربية والأمريكية والصهيونية والإختلالات العقلية في الرؤوس العربية.
بات العرب لياليهم السوداء والبيضاء ولا يتذكرون العراق إلا ماضيا كانوا يفتخرون بانجازات عظمته وكانوا ينتسبون بالفخر الى بيت حكمته، وسيف معتصمه، وفروسية منصوره، وعظمة رشيده. وهم يتذكرون كل ذلك اليوم ويتدثرون كل ليلة برجفة المصائب والأخبار الدموية وتداول الإحتلالات التركية والصفوية بعد سقوط عاصمة الخلافة الإسلامية بغداد على يد هولاكو والتتار المغول.
تداول عرب الخليج صفعات الكابوس الإيراني الجاثم ببغداد قرونا صفوية مقيتة لم تنقطع إلا بإحتلالات عثمانية ليصبح العراقيون بعدها عربا مقسمين إلى سنة وشيعة يتحاربون حول أحقية الخلافة بعد اجتماع المسلمين بسقيفة بني سعد، صاروا عربا وشعوبيين أو أعاجم " مستعربين" أو صفويين او مسلمين يمارسون صلواتهم بالتقية ينعتهم كتاب السلاطين حسب رغبة الحكام والمحتلين بالانتساب المذهبي للمحتل.
ببغداد المحتلة أو طهران الغازية أو الإستانة الحامية توزعت ولاءات العراقيين. وتلك محنة العراق المعاصرة وريثة عدة قرون من الإحتلالات والاختلالات في البنية الاجتماعية، لكنهم ظلوا على الدوام طليعة وجمجمة العرب وسيفهم، شعب مقاوم يظل دائماً ينتظر لحظة التخمر الثوري، ويستعيد عافيته ووحدته الفورية بتلقائية عند نزول الطلائع إلى ميدان التحرر مبشرين بالثورة الجامحة التي ينحني دائما أمامها سجل التاريخ الثوري الخالد للامم الحرة التي تستحق البقاء والوجود.
لم أقرأ مرة ان العرب أغاثوا العراق واسترجعوه من أيادي محتليه فُرسا كانوا ام أتراك أم تتار أو انجليز او يانكيين لقطاء جمعوا من نفايات الجيوش الغازية؛ بل قرأت في كثير من الحالات إن العراقيين هبوا لنصرة العرب في محنهم بدء من عبور نبوخذ نصر إلى القدس ومرورا بمعارك حطين وبطولات صلاح الدين الايوبي في الحروب الصليبية، وانتهاء بملحمة التحاق جحافل وقطعات جيش العراق إلى الجبهة الشرقية في معركتنا الشهيرة ضد العدو الصهيوني في اكتوبر 1973 لإنقاذ دمشق ومنع سقوطها تحت الاحتلال الصهيوني.
عقد من السنين الثقيلة مر على العراقيين تكلكلت بظلالها المرة على شعبنا الصابر الكريم، عقد يمر على مأساة بيع العراق في البازار النفطي العربي للأمريكيين ومن خلالهم للإيرانيين ليظل الحاكم العربي مطمئنا على بقاء كرسيه وسلطته في قاهرة المعز، وضمان البقاء لأسرته وتسلطها في غوطة الشام الدمشقية، وموعود بحكم أبناء سلالته أسدا بعد أسد، وذئب بعد ذئب الى آخر المنقرضين من سلالة الثعالب الحاكمين باسم الوحدة والحرية والاشتراكية. أصفار النفط وعقالاتهم [ نعت الراحل هواري بومدين شيوخ الخليج بالأصفار " زيروات من جمع زيرو بالفرنسية" ] التي يتم تصفيرها كل مرة أمام صفير الريح العربية العاتية والآتية في انتفاضات فقراء المدن في شوارع المدن الثائرة من اجل حقوق البقاء كبشر لهم حق الحياة واكتساب حقوق المواطنة بعيش كريم على مسقط رأس الناس في قراهم ومدنهم الأصلية المستباحة.
شعب العراق يضمد جراحه ويقاوم ولا يعرف عنوانا لمقاومته الا ببغداد الرشيد، حاضرة مقاومات العالم، تدعو العرب إليها للانضمام إلى ثورتها، تذكرهم بشهدائها، وتمسح المسميات الإحتلالية والطائفية باسم التحرير.
بغداد ستبقى عاصمة العراق الموحد، حتى وان سماها أعلام الارتزاق " بمسميات التقسيم الطائفي مابين عواصم " المثلث السني " تارة " والمخمس الشيعي" و" المناطق الساخنة" والإقليم الكردي المُبرزن [نسبة الى إمارة برزان مسعود]، وأن محيط بغداد صار حاضنة للإرهاب، وتابعا لـ "جمهورية العراق الإسلامية"، وأن سلطة المنطقة الخضراء بسفارتيها الامريكية والايرانية تحارب " فلول البعث الصدامي"... الخ من صياغات الابتذال السياسي.
والحقيقة تؤكد فقط ان هناك جمهورية العراق، وشعب العراق، ومقاومة العراق، وبوحدة التحرير الصلبة نواجه الإحتلال الأجنبي ونواجه زمر المتسلطين باسم الإسلام السياسي ومذاهبه الطائفية، ومن سموا أنفسهم بمسميات الأحزاب والكيانات من رهط الإسلاميين الطائفيين المتطرفين من دعاة التطرف المذهبي تارة باسم السنة وتارة باسم الشيعة، وهم في الحصيلة عصابات الحاكمين اليوم في جمهورية المنطقة الخضراء المحتلة بحماية اغرب إحتلالين متوافقين في كراهيتهم لأمة العرب.
الخط الفاصل بين شعبنا وأعدائه واضح لا يحتاج إلى لجان دولية لترسيم الحدود ما بين العراقي والعراقي الآخر. لا كيانات في العراق سوى العراق الواحد الثائر، أما ما يسمى بحدود عربستان وكردستان وشيعستان وسنيستان فكلها جمهوريات الوهم الأمريكي والإيراني. ستسقط كسقوط جمهوريات الموز الكارتونية في اقرب الآجال وبأقرب هبة جماهيرية.
هي جمهورية مقاومة العراق، عربا وكردا وتركمانا، مسلمين ومسيحيين وأرمن وشبك وآشوريين وكلدان. كلهم في الكيان العراقي الواحد، تصهرهم وحدة العراق الجغرافية والتاريخية والحضارية، وأهداف تطلعهم واحدة هو التحرير الكامل من رجس الاحتلال وصنائعه، تبقى صرختهم المدوية إنهم كانوا وسيبقون عراقيين وأحرارا إلى الأبد.
قد يظن البعض من الواهمين، أنه لم يعد هناك من جهد عربي أو عالمي يسأل أين شعب العراق وجمهورية العراق التي أسقطها الاحتلال بالغزو والتآمر من جهات عربية وإقليمية. لكن العراق قائم بما أفرزه الاختمار الثوري في سائر الوطن العربي، الكل اليوم يعلمون ان لحظة الثورة قصيرة وأسرع من البرق في توهجها وعندما تنفجر مرة واحدة لا يمكن رصدها بالكامرات الخفية او العلنية للإحتلالين الأمريكي والإيراني.
واذا كان بعض العرب قد اعترفوا في لحظة اليأس واعترفوا إن العراق الذي اختطفته العصابات الطائفية لازال رهينة بالمنطقة الخضراء وشدوا الرحال الى قمة النخاسة الأخيرة فإنهم يصطدمون في كل يوم بمدى صلابة شعب العراق وحلمه.
بالأمس كان العرب يتحدثون عن ضرورة المصالحات الوطنية بين العراقيين، وحتى جامعتهم العتيدة بقيادة عمرو موسى فرضت قانونا غريباً على من حضر وذهب الى القاهرة مباركا دعوة العرب في استرجاع وحدة العراق، لكنها للأسف كانت دعوة بعيدة عن المنطق، تجسدت في مطالبة الجامعة العربية بالمصالحة بين المقاومين والخانعين للاحتلال. لم تعترف جامعة العرب ووزراء خارجيتها بثوار العراق؛ بل اعترفوا بكيان حكومة الاحتلال البغيض. وجاء إلى القاهرة يومها عراب الطائفية ووجهها القبيح المدعو إبراهيم إشيقر الجعفري، رئيس حكومة الاحتلال الثالثة آنذاك، لم يستح القول ولم يخجل من فعل زنا المحارم الإحتلالية وراح يطرح نفسه مُنظرا وخطيباً ووقحا،ً راح يشترط على قادة العراق كيفية الخنوع للدخول إلى بيت الطاعة الإيرانية والأمريكية المتحد في خلوة المنطقة الخضراء تحت حماية سلاح المارينز.
سكت العرب حين طالبت حكومة المليشيات الطائفية من الثوار بوضع السلاح وقبول الإنخراط في بيت العملية السياسية الكسيحة في العراق. ولما لم يجدوا أي من المقاومين الأحرار من يقبل الجلوس مع خدم الدبابات الأمريكية وشراذم العمائم الإيرانية، بدأ تمزيق العراق، بشكل فضيع. كل يريد حصته الطائفية، ويرسم حدود إمارته وسلطات حكمه الذاتي والطائفي.
بعد مسرحية الانسحاب الأمريكي الموهوم من المدن العراقية ليصير الهم الأول سلسلة من الترضيات لاقتسام ما تبقى من مزبلة الإحتلالين الأمريكي والإيراني. الكل يجري ويسعى من اجل المصالحة بين أقزام الاحتلال ما بين برزاني ومالكي، وبين مالكي واليافع الضال بجيش لا هدى له من قم، مقتدى الصدر، وما بين غنج عمار الحكيم ودلال ابراهيم إشيقر الجعفري وتمنع عادل عبد المهدي وتصلب صولاغ ولاءات حاخام براثا، وحسابات احمد الجلبي وطموحات هادي العامري في عصابة بدر، الكل يركض إلى الدخول فيما يسمى اليوم بـ" المصالحة الوطنية". والسؤال هنا يبدو منطقيا من جديد : " من يصالح من؟؟"، هل العملاء إذن بحاجة إلى مصالحة بعد ان فرقتهم فواتير المقاولات والنهب المنظم للعراق. وهل لن العملاء اليوم بحاجة إلى الدخول إلى بيت الطاعة الشيعي، ذلك البيت الذي أسسه وسماه أحمد الجلبي بعد إفلاسه السياسي غداة الاحتلال في العراق. الكل مدعوون هذا الأسبوع إلى دخول خيمة التحالف الوطني بشروطها المالكية وقبول السجود في خيمة دولة اللا قانون، هم خلقوا لهم دكتاتورا وهو يريدهم كذلك عبيدا وأزلام وغلمان بقبولهم سلطة حزب الدعوة المالكية المطلقة.
ووسط هذا التيه في أروقة المنطقة الخضراء ومصيف صلاح الدين هناك من يجري يمينا وشمالاً لمصالحة مسعود البرزاني مع مام جلال الطالباني وأنو شروان وما بينهما من جحوش الأمس واليوم من عرب وكرد.
وإذا كان لا بد من مصالحة وطنية فالعراق فلا بد من تحديد أطرافها تحت قاعدة واضحة وجلية أن لا مصالحة بعد اليوم مع من لم يتصالحوا مع شعبهم وارثه وتاريخه العظيم فقسموا وطرحوا أبماء العراق الأحرار وصاروا هم بمحظ إرادتهم وإمرة أسيادهم خارج الاقواس والبيت العراقي العتيد.
ربيع عربي لم نسميه بعد دقيقاً، وكيف هي ألوانه وغنائه ونشيده، لا احد سيجيب حتى الساعة، ربيع تتناقله صفحات الاخبار، زمن موحش لازال العراق فيه خارج الفصول كلها. شرف للعراق أن يكون الفصل الخامس من فصول العرب؛ لأنه اختار لون فصله في صلابة وعصف ريح المقاومة والثورة والتضحية وعدم القبول بالتسويات الدولية ذليلاً.
أكثر من عام ونيف، والفصول الأربعة تتالت في مداهمات جدران وزارات الداخلية العربية ومتاريس رجال أمنها، حاكم مصر نزيل سريره في مستشفاه العسكري الرفيع، هو مستمتع بمشاهدات غزوة الجمل وجدالات المسيرات المليونية وزئبقية مواقف الأخوان وانتهازيتهم السياسية للوصول الى السلطة على حساب مواقف الأمس والعمل على تشتيت الثوار الحقيقيين؛ بغية الاستحواذ على أصوات الانتخابات المفبركة.
لا أحد يقول لنا لماذا تتعرى الثورات العربية ثورة بعد أخرى؟ هل جزاء تضحيات شباب اليمن أن يأتي ظل صالح رئيساً لليمن الثائر؟؟، ولماذا تتآكل الانتفاضات الشعبية في مهب الأيام المتتالية التي مرت وكأنها أشجار يابسة في عصف نيران الرياح الخريفية، هل لأن الأسد محتمي بظل الفيتو الروسي؟؟ لماذا تنكسر عصي الثورات في مخابر التفكيك الأمريكية لأن بعض اللحي غيرت تسريحتها واصطبغت بألوان من غير الحنة، وتنازلت عن المسواك بفرشاة انجليزية تمضغ معاجين الديمقراطية الجديدة وتبصق بنكران الفضل بوجه الثوار الذين جاؤوا بهم من السجون إلى الساحات على الأكتاف؟ لماذا التراجعات أمام سلطات القمع وعودة ديناصورات الجنزوري الى كراسي الوزارة المصرية؟؟ هل طابت جلسات التكييف للمسارات الأمريكية وتسارع البعض لتطمين الغرب وإسرائيل على مستقبل التطبيع والبقاء في القطيع؟؟.
نحن نقلق على مصير ثورة عراقنا الأبية أيضا عندما يتم تفكيك لحمة شعوب امتنا العربية إلى مشاهد كارتونية تلفزية ملونة بالدماء وجثث القتلى ومطاردات الشرطة واستمرار المداهمات التي تنقل على المباشر؟ لا بد من هبة جماهيرية واحدة من المحيط الى الخليج عندئذ سنرى العراق على حق عندما تسائل أحراره المنسيين أي ربيع عربي ستتوجه اليه الآلام والآمال العربية هل في القاهرة أم بغداد.
لا حل للعرب ولا ربيع إلا الالتفاف حول ثورة العراق وفلسطين واليمن وسوريا واعتماد الخلاص في وحدة مصير عبر قيادات ثورية محنكة عرقت أياديها قبضة البارود، لم تعرف أياديها رجس المصافحات مع الأمريكيين ووكلائهم في صالات فنادق الخمسة نجوم.
نحس بالاختناق، وقد تراكمت فوقنا سحب الخريف العربي مشرقا ومغربا من دون نتائج حاسمة، المال النفطي يسيل بالوقت كسيلانات أمراض الانظمة والأحزاب التي تجاوزها الزمن. سحابة إعصار اسود تضلل العواصم العربية المنتظرة لفيض نتائج الإقتراعات والانتخابات والحملات على الفيسبوك والمنتظرة الأخبار القادمة عن فوز ساركوزي أو خصومه من باريس، ومن واشنطن هل القادم سيكون أوباما أم شريكه المرشح الجمهوري، وكلاهما يمثلان الوجه الأمريكي البشع في احتلالات العراق وافغانستان ومصائب امتنا في كل من ربيعها وخريفها.
العراق المنسي يدق أبواب الحرية ويزداد جراحا سيقدم كشفا عن ما فعله الديمقراطيون المزيفون. العراق صورة البؤس الإحتلالي الايراني الجديد أين يتعامل العملاء فيه لتحويله الى مستنقع آسن لا يمتلك الناس فيه سوى الدوس على جمرات الاحتلال وتتصاعد منه أبخرة النفط والغاز لتباع وتستقر في جيوب أمراء العصابات الطائفية والإثنية على حساب أرض وشعب العراق ومستقبله.
ليست القضية اليوم في العراق قضية تسوية لحدوده مع الكويت ولا ازاحة رصيف من ميناء مبارك، ولا توسط شيخ الكويت في الخروج من البند السابع سواء بقرار أمريكي أو موافقة كويتية ولا استرجاع أسلحة جيشه التي نهبها الإيرانيون وتقاسمتها مليشيات الأكراد الانفصاليين، ولا مناوشات التصريحات لطوائف وكيانات علاوي مع المالكي، ولا اختيار البديل الأنسب طائفيا عن دكتاتورية المالكي واستبداله بمملوك آخر من نفس العصابة الطائفية المحكومة باستلام السلطة بأغلبية وبمباركة المرجعيات الرجعية الغارقة بوحول الاحتلال والولاءات للتبعيات الإيرانية.
الكل يخطأ في تحديد اتجاه البوصلة، لكن ثوار العراق لهم قبلتهم الوحيدة هي بغداد الثورة والتحرير، وسوف يخطأ ممن يراهن على الانتظار والتردد ووصول دعم الأشقاء العرب، وما سيفرزه الربيع العربي من حكام جدد.
لا جدوى من كل هؤلاء طالما بقي الطنطاوي وريث مبارك الماموث المنقرض، ووريث علي عبد الله صالح ابنه في الحرس الجمهوري ونائبه صار رئيسا، والأسد لازال يغازل هدهده ويكلفه التفاوض ويقيم الانتخابات لمجلس نوابه وسط محارق الشام ومدنها المكلومة، وورث القذافي وزيره للعدل السابق، والملوك يتناولون خيارات تشكيل حكوماتهم ما بين خصاونة الأول وطراونة الثاني..الشارع العربي يغلي والبركان في مرجل الثورة لا ينطفأ طالما هناك مقاومات وبقي كهان الهيكل السياسي العربي من دون تجذير.
البعض يراهن على آخر سيناريوهات وصفقات حركات الأخوان وأبناء عمومتهم، والحركات التي تسيدت الموقف بعدما إختبأت تحت عباءة القرضاوي وكسبت الدعم والضمان التركي والولاء لمتطلبات الغرب في تشذيب الوسطية الإسلامية الى اعتدال ما بعد الحداثة المطلوبة.
إن ثورات توجهها فضائيات العربية والجزيرة والحرة والبي بي سي واخواتهما تحت قيادة مايسترو واحد تطالبنا الاعتدال والسلمية في طلب السلطة وقبول الاقتسام والمحاصصة وهو ما يسعى إليه المال النفطي الخليجي في تهذيب سلوك الثوار في الساحات. لكننا نقول لثوار العراق توحدوا واصنعوا ربيع العرب الحقيقي في عنف الثورة واقتحام السلاح للمنطقة الخضراء، لا تسوية مع من رفض المصالحة وحولها مطية للاجتثاث والاعتقالات وتصفية الخصوم.
يا ثوار العراق سوف تخطئون في تحديد سلوكيات قادة الجريمة المنظمة سياسياً عندما تنتظرون إلى أمثال حامد المطلك وظافر العاني ورموز الحزب الإسلامي بشقيه العربي والكردي، لا تثقوا من أنهم من امتدادات حركة الأخوان وإنهم يخافون الله في تسلطهم على العباد لكنهم متهالكين على توزيع الموائد السياسية في تلك المحاصصة الطائفية الوسخة.
إنهم ومن لف لفهم لن يسترجعوا بثرثراتهم وصفقاتهم كرامتكم ولا يشدون جرح العراق النازف من خلال مؤتمرات ما يسمى بالمصالحة الطائفية التي ترفرف عليها رايات إيران والبرزاني، ويحضر جلساتها السفير الأمريكي ويحضرها من دون استحياء سفراء إيران وممثلي ولاية الفقيه وترى لهم جواسيساً في كل حزب وكيان سياسي في دروب العراق.
ما يدعون إليه في " المؤتمر الوطني" هي عودة العمائم والطرابيش والسداير واللحي المعطرة لكي تتصافح من جديد كما بدأت يوماً في مؤتمرات لندن وواشنطن وصلاح الدين، هي ذات الأيادي القذرة التي شاركت باغتيال شعبنا في السر والعلن ورفعت في خناصرها خواتم المرجعيات الطائفية والمذهبية لتوقع على وثيقة تسليم العراق لأمريكا ومن بعدها إيران.
" اللقاء الوطني" المرتقب، ليس وطنياً، لان ليس له وطن في العراق؛ طالما أن أصحابه يباتون لياليهم في خيم الاحتلال وشقق السفارة الأمريكية ويصبحون نهارا في صالات البرلمان ويصوتون على بيع العراق لقمة سائغة للقتلة واللصوص والعملاء. انهم يختلفون اليوم لكي يقتسموا بنسب أخرى محاصصاتهم الجديدة على ضوء أرقام الريوع المتصاعدة عن تصدير النفط،إنهم ينهبون بقية الفيض النفطي وإعادة توزيعه كل حسب جرائمه وتعداد مليشياته، ولا فرق بين أزلام القائمة العراقية بيضاء كانت او سوداء أو تكتلات المواقف الرمادية، أو كانوا من دولة القانون أو جيش المهدي أو عصابات بدر، ذهب زمن مباركة خمس المرجعيات وما تدفعه شركات الدول الاجنبية للعملاء وأدلاء جحافل الاحتلال ليلة التاسع من أفريل 2003، رأيناهم كيف يحرثون ارض العراق بفؤوس الفتنة والتقسيم والصراع الدائم.
وهم يجتمعون غدا ببغداد الصابرة على ضيمهم، ترضية لتسديد فواتير الإستيراد المتصاعد للبضائع الفاسدة العابرة من حدود إيران أو تركيا وهم يتقاسمون تهريب النفط العراقي ومشتقاته خارج عيون المحاسبة والضبط للدولة المنهارة نفطنا يذهب إلى تركيا وإسرائيل وإيران. هذا ما قال واتهم به حلفاء الأمس بعضهم بعضاً، الكل حليف الشيطان رغم طول المسابح ذات المئة وخرزة واحدة، الكل أمام هيئة النزاهة كاذب ومفتري ومختلس ومتواطئ في الكسب الحرام.
المؤتمر الوطني لإعلان اندماج فصائل المقاومة في جبهة وطنية عريضة سيكون من بغداد المقاومة، ولا حليف لشعب العراق سوى بنادق ثواره وضمان وحدة مناضليه. ولا خير يُرتجى من تداول إعلامي بائس يتحدث بشفقة حول أوضاع شؤون شعب العراق. المهم بقاء البنادق العراقية مشرعة لتحرير العراق والأمة في بقية الأقطار التي تنتظر قدوم رياح الثورة العراقية وعصفها القومي.
لا رهان على دعم عرب النفط ومشايخهم لثوار العراق في اللحظة الأخيرة أنهم مشغولون بملك البحرين الشقيقين وفي أحوال الشعبين الشقيقين المتقاسمين جناح المعارضة الشيعية وجناح الحكم الملكي على ارض الجزيرة التي يتطلع إليها السعوديون جزيرة للراحة وفتح البارات وشرب الموبقات.
لا يهم الإعلام المتناسي لمحنة شعب العراق رحيل الأسد الثاني، أو بقاء ذرية -
هل سمحت الجزائر لفرنسا بتفجير قنابل نووية في صحرائنا ؟
هل سمحت الجزائر لفرنسا بتفجير قنابل نووية في صحرائنا ؟
منتصر اوبترون
يقول عالم الذرة الفرنسي بيرتران فولد شبيث في كتابة ''المغامرة الذرية'': إن فرنسا أجرت التفجيرات التحت أرضية بالجبال الغرانيتية، بإنيكر في الهفار بعد عام 1962 بموافقة الحكومة الجزائرية، وكان المسؤولون الفرنسيون أكدوا خلال الأزمة السياسية والدبلوماسية التي نشبت بين الجزائر وفرنسا في شهر مارس من العام 1963 عندما قام الفرنسيون بتفجير قنبلتهم الذرية الثالثة ''الزمرد'' في 18 مارس 1963، إن اتفاقيات إيفيان تسمح لهم باستعمال قواعد ''رفان'' و''الهفار'' في تجارب نووية، وردوا على الجانب الجزائري بالقول إن التعاون المنصوص في الاتفاقية يشمل أيضا هذا الجانب، وبأن الجزائريين صوّتوا في 1جويلية على الاستقلال والتعاون مع فرنسا• ومازالت هذه الحجج تستعمل من طرف الفرنسيين سياسيين أو مؤرخين كلما تعلّق الأمر بفتح ملفات الثورة وحرب التحرير•• وبدت تظهر مطالب جزائرية بالتعويض عن الأضرار الناجمة عن الإشعاعات النووية والنشاط الإشعاعي المدمر للغطاء النباتي والمياه الباطنية والحيوان والإنسان• هذه الأطروحات المغلوطة تكذبها الدراسات الجادة لباحثين فرنسيين وكذا المسؤولين الجزائريين، لأن اتفاقيات إيفيان لا تتضمن نصا يسمح لفرنسا بإجراء تفجيرات نووية في الأراضي الجزائرية، وهو ما يؤكده سيرج مورو، رجل قانون ومختص في القضايا الجزائرية في كتابة ''اتفاقيات إيفيان ومستقبل الثورة الجزائرية'' الصادر في ماي 1962 بدار النشر فراسوا ماسبيرو، الكاتب يتضمن النص الكامل لاتفاقيات إيفيان، مع تحاليل للنقاشات التي صاحبت كل قسم من هذه المعاهدة، مع المقارنة باتفاقيات الاستقلال التي أبرمت مع دول مستعمرة أخرى سواء مع فرنسا أو بريطانيا• وفيما يخص قضية القواعد العسكرية، يقول سيرج مورو: إن اتفاقيات إيفيان تحتوي على عدة اتفاقيات تعاون على المستوى الاقتصادي، المالي، الطاقوي، الثقافي، ولا يوجد بها اتفاق تعاون عسكري• أما القواعد والمنشآت بمرسى الكبير، رفان، الهفار، حمافير، بشار، إضافة إلى المطارات، فقد تم الاتفاق على أن تبقى القوات الفرنسية بها لمدة 5 سنوات• ويؤكد المحللون القانونيون: سيرج مورو ومارك ديكوك وروجي لالمان، أن المفاوض الجزائري وافق على أن تبقى هذه القواعد العسكرية تحت تصرف الجيش الفرنسي بشرطين: الشرط الأول: هو عدم استعمال هذه القواعد مهما كانت الظروف كقواعد للقمع أو حفظ للأمن في الجزائر أو في دول أخرى بإفريقيا•
والشرط الثاني: أن لا تشكل هذه القواعد خطرا على الصحة العمومية في الجزائر أو خارجها•• هذان الشرطان المذكوران في كتاب سيرج مورو لا يظهران بشكل واضح في نص الاتفاقية، هذا النص الذي لا يشير أيضا بوضوح لإمكانية إجراء تفجيرات، كما يدعي المسؤولون الفرنسيون•• وعن سؤال لنا للسيد دحو ولد قابلية، الرئيس الحالي لجمعية قدماء وزارة التسليح والاتصالات العامة ''مالف'' أثناء محاضرة ألقاها في المركز الوطني للأرشيف ببئر خادم، هل سمحتم بشكل علني أو سري مباشر وغير مباشر لفرنسا باستعمال الأراضي الجزائرية لإجراء تفجيرات ذرية؟ فقال ولد قابلية ـ الذي كان وقتها في الثورة مسؤول القسم العسكري بقاعدة ديدوش مراد بطرابس، وكان ضمن اللجنة التي درست الاقتراحات الفرنسية وزودت الوفد الذي ترأسه كريم بلقاسم بالإجابات، قال: أبدا ''محال''•• مؤكدا تحليل سيرج مورو القائل: إن المفاوض الجزائري لم يسمح بأي شكل لفرنسا بتفجير قنابل ذرية في الصحراء الجزائرية• أما الحكومة الجزائرية بعد الاستقلال فإنها احتجت على تفجير فرنسا قنبلة ''زمرد'' يوم 18 مارس .1963 واجتمع مجلس الوزراء يوم السبت 17 مارس وحذر فرنسا وطالبها بعدم إجراء التفجير، وأخذت المأساة أبعاد أزمة، حيث قام وزير الخارجية المرحوم محمد خميستي بتحذير السفير الفرنسي• كما تم استدعاء سفير الجزائر بباريس آنذاك عبد اللطيف رحال (المستشار الديبلوماسي الحالي لرئيس الجمهورية)• اجتمع المجلس التأسيسي للتنديد بالتفجير الفرنسي والمطالبة باتخاذ إجراءات ضد الدولة الفرنسية• كما نظم الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين مظاهرات عارمة رفعت فيها شعارات ''القنبلة في باريس''، ''إعادة النظر في اتفاقيات إيفيان''، واجتمع الرئيس بن بلة بالطلبة لتهدئة الأمور وتفادي أعمال عنف ضد الفرنسيين في الجزائر• كل هذه الأحداث التي تناقلتها وكالة الأنباء الفرنسية، ومبعوث جريدة ''لوموند'' فيليب هرمان، تكذب أطروحة بيرتران فولد شميث• لكن بعض الغموض لايزال يخيم على هذه المسألة، سيما وأن فرنسا أجرت تسع تجارب أخرى في الهفار، وكانت التجربة الأخيرة باسم ''جورجيت'' يوم 16 فيفري .1966 وفي سؤال للرئيس السابق أحمد بن بلة، في عام 2005، أكد لنا أنه رفض التجارب واستعملها ورقة ضغط لتأميم الأراضي الفلاحية وبالخصوص متيجة، وهي من أخصب الأراضي في العالم• وما كان بالإمكان استرجاعها لأن اتفاقيات إيفيان تنص صراحة على بقاء الملكية المكتسبة للأوروبيين• وقد غادر الجيش الفرنسي قواعد ''رفان'' تاركا عشرات الآلاف من الأطنان والمعدات المشعة تحت الرمال، وأحاط جبال إنيكر بالأسلاك الشائكة، في الوقت الذي صرفت فيه فرنسا ملايير الفرنكات لتطهير جزر موروروا وفانفاتوفا ببولينيزيا الفرنسية، وتفكيك المنشآت التي تركتها هناك• وهو الشيء الذي لم يحدث في الجزائر التي أودت فيها الإشعاعات النووية بحياة الإنسان والحيوان، وستبقى خطرا دائما على صحة السكان والبيئة لعدة قرون، دون أن تشغل هذه المسألة الخطيرة اهتمام السلطة.
بقلم.. اوبترون منتصر -
عندك بقرتان... فمن تكون انت؟؟
عندك بقرتان... فمن تكون انت
عبد الكاظم العبودي
الانظمة في طبيعة علاقتها بالكائن الموجود تحت سلطتها مواطن يجب ان يمتلك بقرتين، وعلى ضوء العلاقة بالريع المطلوب من البقرتين للسلطات تتحدد طبيعة وحقوق وموقع المواطن من النظام. النظام السياسي يتطلع الى ضرع البقرتين ولا يهمه ان كان جالسا على بئر نفطي او فوق اكداس من ديون صندوق النقد الدولي او يخضع بتراتبية الدفع بخمس ولاية الفقيه. المقالة مترجمة من البولندية ترجمتها العام الماضي واستعيد ذكراها وانا اقرأ لوائح وبرامج ودعايات المترشحين من اجل السلطة ومن اجل اغتصاب صاحب البقرتين.
لا اعرف كاتب المقالة ولكن موقعها المنشور بالبولونية Surrealizm; Masz dwie krowy
Rzad karze ci brac lekcje na harmonijce
www. Demotywatory.pl
:
سريالية : عندك بقرتان؟؟؟؟
الحكومة تقترح عليك أخذ دروس في التوافق.
تعاريف مراحل الانظمة السياسية من منظور سريالي للاقتصاد البقري.
مترجم عن البولونية / وضع النص العربي من قبل د. عبد الكاظم العبودي
الاقطاعية: عندك بقرتان، يأخذ منك سيدك جزءاً من الحليب.
الاشتراكية الخالصة:عندك بقرتان، تأخذهما الحكومة مع بقر الآخرين جميعا، وعليك أن ترعى البقر، والحكومة تعطيك من الحليب، بقدر حاجتك منه فقط.
الاشتراكية البيروقراطية: عندك بقرتان، تأخذهما الحكومة مع بقر الآخرين جميعا، الى حيث تتم هناك تربية الدجاج أيضا، انت مجبر على ان تربي الدجاج الذي تشرف عليه الحكومة، فتعطيك الحكومة بعض الحليب وبعض البيض، على ضوء تعليمات ولوائح تقرر وتعترف بك: انك محتاج.
الفاشية: عندك بقرتان، تأخذ الحكومة كلاهما منك، ويستخدمونك عاملا لرعايتهما، ومن ثم يبيعونك الحليب.
الشيوعية الخالصة: عندك بقرتان، يساعدك جارك على رعايتهما، وانت تتقاسم معه الحليب.
الشيوعية الروسية: عندك بقرتان، عليك ان ترعاهما، والدولة تأخذ منك الحليب.
الشيوعية في كمبوديا: عندك بقرتان، الدولة تأخذ منك البقرتين، ومن ثم يذبحونك.
الدكتاتورية: عندك بقرتان، الدولة تأخذهما منك، وتسوقك مجبرا مجنداً الى الخدمة العسكرية.
الديمقراطية الخالصة: عندك بقرتان، جيرانك يقررون من الذي يأخذ الحليب.
الديمقراطية التمثيلية: عندك بقرتان، جيرانك يختارون أحدا ً للحكم، وهو الذي يقرر من الذي سيأخذ الحليب.
البيروقراطية: عندك بقرتان، في البداية تصدر الحكومة قانونا، ينص ويحدد ماذا عليك القيام به في إطعام البقرتين، ومتى يتم حلبهما، بعدها يدفعون لك؛ لكي لا تحلبهما، ومن ثم تؤخذ البقرتان، إحداهما للذبج، والاخرى للحلب، ويسكب الحليب في قنوات الصرف الصحي. بعدها تأمرك السلطات بالتصريح ولتوقيع محضرعن ضياع بقرتين.
سيادة الفوضوية : عندك بقرتان، أما تبيع الحليب بسعر جيد، أو أن الجيران سيقترحون عليك ذبح البقر او استيراد ه.
الليبرالية الراسمالية الفوضوية: عندك بقرتان، تبيع واحدة وتشتري ثورا.
ٍSurrealizm; Masz dwie krowy
Rzad karze ci brac lekcje na harmonijce
www. Demotywatory.pl -
ليبيا والعراق مقارنة بين مخاطر التلويث الاشعاعي والكيمياوي
ليبيا والعراق مقارنة بين مخاطر التلويث الاشعاعي والكيمياوي
والابتزاز المستقبلي بالمخاطر المحتملة
نشرت مقالتنا : ليبيا والعراق... مقارنة بين مخاطر التلوث الاشعاعي والكيميائي على موقع البصرة على الرابط التالي:
http://www.albasrah.net/pages/mod.php?mod=art&...
شبكة البصرة منبر العراق الحر الثائر
www.albasrah.net
ا.د. عبد الكاظم العبودي
منذ اليوم الأول لبدء عمليات القصف الجوي من قبل قوات الناتو سبق لنا أن حذرنا من مخاطر إشعاعية محتملة في ليبيا جراء استعمال أنواع معينة من ألاعتدة لأسلحة قصف بها الحلفاء عددا من المواقع الليبية، وأشرنا إلى عدد من الأمراض المحتملة التي يمكن أن تنتج عن ذلك القصف لو إستمر على نطاق واسع، وحذرنا حينها من يعنيهم الأمر، من دول الناتو والولايات المتحدة وحتى الدول المجاورة لليبيا من إحتمال تفاقم مثل هذا الخطر الإشعاعي الذي يمكن أن يهدد المدن الليبية التي جرى فيها القتال والقصف وقد يمتد انتقال النويدات المشعة الى أجواء وتراب الدول المجاورة لليبيا ومنطقة شمال المغرب العربي في حالة استمرار القصف على نطاق واسع.
وقد نشرت مقالتي تلك في الاول من نيسان/ افريل2011 ، ومعها وجهت ندائي إلى كل دول العالم والهيئات الدولية العالم وتداولتها الصحافة ونقلتها العديد من ووكالات الانباء[ راجع الرابط] http://www.islamtimes.org/vdcdj909.yt0xz6242y.... داعيا الجميع تحمل مسؤولياتهم لحماية الشعب الليبي قبل فوات الأوان والعمل من اجل منع الكارثة الإشعاعية المحتملة في ليبيا. والمقالة منشورة وموجودة في مدونتي http://ar.netlog.com/aboudika/blog وتناولتها ونشرتها الكثير من المواقع الالكترونية والإعلامية الهامة في العالم العربي والعالم، ونقلت صحيفة الخبر الجزائرية نص النداء. أصدرنا ذلك النداء حينها تلبية للواجب الإنساني المطلوب منا كباحثين عرب لنا الخبرة والتصور عن تلك المخاطر المنتظرة لو تطورت الحالة الليبية الى مثيلتها في العراق. وحرصنا على الاستدلال بالمقارنة بين الحالتين الليبية والعراقية بفضل الوعي والادراك لدينا من تجربة سابقة لنا في التعامل مع مثل هذه الكوارث الإشعاعية التي عانينا من مراراتها ونحن نراقب تطورات الوضع في العراق في تسعينيات القرن الماضي لنا وما عاناه شعبنا وبلادنا المحتلة العراق لاحقا والى اليوم، وبالاستفادة من محصلة غنية بحوث العلماء والاطباء العراقيين ومن دراساتنا وكتبنا المنشورة السابقة لملف جرائم إستخدام أعتدة اليورانيوم المنضب في العدوان الثلاثيني على العراق عام 1991 وفي استعماله في عمليات القصف الجوي والصاروخي للعراق في السنوات التالية، خلال سنوات الحصار الأمريكي الجائر على العراق الذي دام أكثر من 12 عاما، واستكمل بجريمة الغزو العسكري المباشر للعراق ربيع 2003 من قبل القوات الامريكية وحلفائها من دول الناتو وغيرها.
لقد أصبح العراق البلد الأكثر تلوثا في العالم بالإشعاع والمواد الكيميائية السامة الأُخرى وتجربته مرة وفريدة. وها هي نفس الأسلحة ونفس الأعتدة القادمة من مخازن الناتو ومن الترسانة الأمريكية والغربية تتوجه مرة أخرى نحو ليبيا وتستخدمها طائرات قوات الناتو وهي من نفس الأعتدة المشعة في عمليات واسعة من القصف الصاروخي والجوي على مواقع ليبية لتستهدف الدروع والدبابات ومخازن الأسلحة والملاجئ العسكرية والمدنية، بما فيها المطارات الليبية، لإحداث اكبر قدر ممكن من التدمير بهذه الأعتدة المحرمة دوليا لتجريبها في تدمير شامل لعديد المنشآت المدنية والعسكرية الليبية، ولتستخدم قوات الناتو وتجرب أجيال جديدة من تلك الاسلحة وفحص مدى قدراتها الخارقة في تدمير أسلحة الجيش الليبي الذي أطلق عليه الغرب تسمية جديدة سماها "كتائب القذافي".
إن استعمال مثل تلك الأعتدة المشعة تركت وراءها آلاف الأطنان من شظايا القنابل ورؤوس الصواريخ ونفايات الأعتدة المشعة باليورانيوم المنضب. كل قذيفة منها كانت تحتوي على كميات من اليورانيوم المشع بلغت في مجموعها الكلي مئات الأطنان المترية. كما إن المواقع العسكرية الليبية السابقة التي استهدفها القصف ظلت غير معروفة، وفيما إذا كانت تحتوي على مخازن للأسلحة والمواد الكيميائية التي استوردها النظام الليبي وكانت تحوم حولها الشكوك ويثيرها الإعلام الغربي عندما يدخل في صراعات مع النظام الليبي السابق في العقود الاربعة الماضية.
وتؤكد المشاهدات والملاحظات الطبية إن ألأمراض الناجمة عن التعريض الإشعاعي تبقى واحدة ومتكررة، وباتت معروفة من قبل الخبراء الفيزيائيين والأطباء المختصين وعلماء الأوبئة والكوارث الصحية والبيئية، وهي نتاج تلويث أسلحة حربية تدميرية مباشرة ومنها أيضا تتبقى مواد متنوعة يمكن ان تفعل تأثيراتها الضارة لآلاف السنين. كما ان عملية نشرها أو التجاهل عن وجودها كمواد ذات نشاط اشعاعي من جهة وذات تأثيرات سمية عالية من جهة أخرى. تعتمد خطورتها على مستوى التعريض الإشعاعي للأفراد لها بعد القصف، وحسب الموقع المنكوب، وحجم التلويث الاشعاعي والكيميائي وطبيعة تفاعل موادها وطاقاته المنبعثة في كمات الإشعاع مع مكونات البيئة من ماء وترب وهواء، وكذلك تزداد مخاطرها على فترة التعريض الإشعاعي للأفراد وتواجدهم في البيئات الملوثة، وهي تفعل فعلها التدميري لمكونات الحياة والخلايا الحية سواء نتجت في الحالات الناتمة عن تفجيرات نووية أو حوادث نووية، أو التعرض إلى مواد ونفايات نووية إشعاعية بسبب الإهمال في صيانة مخازنها أو تركها عرضة للنهب والتماس معها من قبل السكان.
كل هذه الحالات تؤدي إلى الإصابات بمختلف السرطانات المبكرة والمتأخرة، منها السرطانات المكتشفة مباشرة كسرطان الدم والعظام والغدة الدرقية ومنها التي ستبقى متأخرة إلى آجال أخرى قادمة، ومنها تنجم عن اصابات جينية وكروموسومية ستظهر في أجيال لاحقة مختلفة ضمن مناطق التلويث أو خارجها بسبب الإقترانات الجنسية والتزاوج بين الأفراد وتنقلهم. ومن الأمراض المباشرة لها سرطان الدم والغدة الدرقية والرئة والقصور الكلوي والعقم والإجهاض المبكر والولادات المشوهة وضعف الجهاز المناعي، مثل تلك الأمراض سجلت على حد سواء عند الحيوانات أو البشر.
وبسبب القصف بالأعتدة المشعة يجري تدمير المحيط الحيوي وتلويثه بنظائر مشعة ذات أنصاف أعمار إشعاعية طويلة جدا وقصيرة ومتوسطة. كما يمكن لدقائق اليورانيوم المنضب المشعة التي تتركها إنشطارات القذائف والأعتدة الحربية الانتشار بسرعة كبيرة تقطع خلالها مسافات بعيدة، بحكم حركة الرياح وظروف المناخ، وخاصة في المناطق الصحراوية المفتوحة وبفعل ظروف إرتفاع درجة الحرارة وهبوب العواصف الغبارية. كذلك يمكنها الانتقال إلى الأجساد البشرية عبر التنفس أو السلسلة الغذائية، ومن خلال تلويث المياه السطحية والجوفية او عبر العديد من الاغذية التي تجمعها في تراكيبها وتتناقلها الكائنات النباتية والحيوانية فيما يسمى بالسلسلة الغذائية مسببة عوامل إضافية ممرضة ومعقدة بفعل آليات الإصابة الناجمة عن التعريض الإشعاعي الداخلي وما ينتج عنه أيضا من سرطانات وامراض عدة أخرى.
إن ما سُجل في العراق من أرقام مرعبة لتعداد الضحايا، تجاوز المليون ونصف من البشر، غالبيتهم من فئة الأطفال، بحكم إنهم من الفئات الأكثر نموا، وخلايا أجسادهم حساسة جدا للإشعاع حتى ولو كان فترة التعريض لجرعات إشعاعية واطئة أو منخفضة.
وفي الحالة الليبية الراهنة، كما هو الحال مع سيناريوهات الحرب على العراق، لابد من التنويه هنا ان الولايات المتحدة قد سربت مسبقا عددا من الوثائق الممهدة لاحتمال تعرض ليبيا إلى كارثة إشعاعية أو كيميائية قبل عمليات قصف الناتو بسنوات، ونسبتها إلى حوادث إهمال السلطات الليبية لحاويات تحتوي على اليورانيوم المخصب من مفاعل تاجوراء الليبي، التي قيل عنها إنها تركت في العراء، وهي في حالة مخزنية يُرثى لها، وقيل عنها أيضا: (... أنها لم تنقل إلى روسيا في موعدها، حسب الاتفاق المبرم بين ليبيا مع الولايات المتحدة) عندما رضخ القذافي وطلب بنفسه تصفية المشروع النووي الليبي بمبادرة شخصية منه وقراره بتسليم معداته ومواده إلى الغرب مجانا. وقد وصفت تسريبات ويكيليكس حينها أيضا، (... من أن هناك قلقاً متزايدا حول مصير مجهول لمواد كيميائية وإشعاعية يمكن ان تتسرب إلى أيادي غريبة)، يستخدم فزاعتها النظام الليبي لإيهام الغرب انه لم يصفي كل ترسانته النووية أو الكيميائية بسهولة باتفاق واحد مع الولايات المتحدة.
وعلى قاعدة لعبة " توم وجيري" الكارتونية؛ فالقط الأمريكي كان ممثلا ببوش وإدارته، وشخصية الفار الليبي كان مُمثلاً بالقذافي وعائلته وأبنائه وأركان نظامه من اللذين قبلوا اللعب مع الأمريكيين في لعبة " الغميضة"، والكل كانوا مدركون لحدود اللعبة وأثمانها، وانهم سيلعبون في بقية الوقت الضائع أو لسنوات طويلة حسب الارادات الدولية وقراراتها.
ظل ملف وورقة تخزين ما تبقى من المواد الإشعاعية أو الكيميائية الليبية وتقديمها للتفتيش إلى الخبراء الأوربيين، عند الطلب الملح، لإتلافها أو نقلها عند الضرورة إلى مكان ما أو إعادتها إلى مصادرها الدولية لعبة متفق عليها مع نظام القذافي. وكان شرط إتلاف تلك المواد أوتسليمها لتلك التي باعتها الى نظام القذافي بمثابة مكافئة مالية ومادية تقاسمتها الدول والسركات التي تاجرت معه وسهلت له تصدير تلك السموم مقابل سلب أموال الشعب الليبي بمليارات الدولارات للتباهي بها كمشاريع لا جدوى منها سوى البطولات الفارغة للاستهلاك المحلي.
وقد استمتع العقيد القذافي وبطانته بمثل هذه اللعبة لإيهام العالم وشعبه انه دولة عظمى ولو من غير نووي حقيقي. وفي السنوات الاخيرة إتخذ سياسات ومنحى آخر وادعى انه يحاول تفادي ضربة عسكرية محتملة لبلاده من قبل الغرب، كما حدث في العراق، وان الحكمة دعته حينها إلى التعقل وتسليم كل شئ إلى الغرب طواعية، ومن دون أي مقابل مادي أو معنوي أو حتى سياسي، سوى الوعد ببقائه على سدة الحكم وتبرئته من تهمة الارهاب الدولي، وجرى تقديمه كمثل لطاغية من طغاة العالم الثالث يرعوي للشرعية الدولية ويخضع للشروط الامريكية حين بدأ يتراجع عن طموحاته الواهمة في بناء امبراطوريته الليبية او الافريقية في وقت عصيب. وهكذا قدم القذافي نفسه نموذجا للاعتدال حسب الطلب الامريكي ويمكن من خلال تجربته أن يدعو بقية الطغاة الآخرين الاقتداء به كمنقذ لشعبه من ضربة حرب محتملة تُشن عليه من قبل الغرب والولايات المتحدة. لكنه مثل النعامة التي دفنت رأسها في الرمال وتركت صناديق المواد الاشعة والكيمياوية في عشها وحول بيوض أنسالها القادمين.
كما جرى تلميع دور سيف الاسلام القذافي ووصفه بأنه داهية أخرى، يمتلك شيئا من الذكاء والعقلانية تارة والمراوغة والحيلة تارة أخرى وهو يسعى بإخفاء بعض المواد الخطرة والمساومة بها مع الغرب ليكون الوريث القادم لحكم ليبيا. وثائق ويكيليكس تحدثت عن تعنت القذافي الأب تارة حيلة ابنه سيف الإسلام تارة أخرى، وصورت النظام الليبي بالثعلب الماكر، من أنه ليس بتلك السهولة في قبول الخضوع التام للإملاءات الأمريكية على نظامه في الخضوع لجملة الشروط المتتالية عليه أو تنفيذ تلك الاتفاقات التي اتفق بها مع الأمريكيين سراً وعلانية.
لقد ورد من خلال نشر وثائق ويكليكس في نوفمبر 2009 انه: " [... كانت الخطة تقتضي أن يشحن اليورانيوم على متن طائرة شحن روسية ضخمة، وهي من ضمن طائرات قليلة متخصصة ومجهزة بالمعدات لنقل مواد نووية على مستوى العالم، وفي العشرين من نوفمبر، وقبل يوم واحد من مغادرتها إلى منشأة نووية في روسيا، قام مسؤولون ليبيون، وبشكل غير متوقع بإيقاف تلك الشحنة، من بدون شروح مسبقة حين أعلنوا أن اليورانيوم سوف لن يُسمح له بمغادرة ليبيا، وقد تركوا السبع دانات" العلب" الحاوية على ذلك اليورانيوم، بحاوياته ذات وزن خمسة أطنان للواحدة منها في العراء وتحت حراسة بسيطة، وهي مُعرضة للسرقة من طرف تنظيم القاعدة، الذي كان لازال ناشطا في المنطقة، أوالسرقة بواسطة حكومة خارجة عن القانون قد تكون علمت بوجوده"].
بطبيعة الحال حمّلت تلك الوثائق نظام القذافي مُسبقا المسؤولية الناجمة عن كافة الأخطار النووية المحتملة بسبب مثل ذلك الإهمال لخزن وتواجد مثل تلك المواد الخطرة إشعاعياً على ليبيا وعلى العالم. وقد نقل موقع "ويكليكس" ومجلة أتلانتيك في وثائقهما المنشورة المتسربة عن وثائق الادارة الامريكية وسفاراتها أخباراً عن: (... قيام دبلوماسيين روس وأمريكيين بالتفاوض مع ليبيا لمدة شهر ويوم للإفراج عن ذلك اليورانيوم وشحنه إلى الخارج... وفي نفس الوقت قام المهندسون من كلا البلدين بالعمل على تأمين تلك المواد النووية وحمايتها من السرقة والتسريب، وهي مخاطر حقيقية كانت محتملة الوقوع طالما كانت تلك الدانات" العلب" موضوعة في العراء).
وفي الواحد والعشرين من ديسمبر2009 سمحت ليبيا أخيرا للطائرة الروسية بنقل "الدانات"، لينتهي رسميا ما أطلق عليه برنامج ليبيا للأسلحة النووية، ومعها ما تبقى مما يسميه القذافي والغرب من لعبة الابتزاز النووي الليبي التي كان يلعبها كل طرف للأغراض التعبوية والسياسية والإعلامية على حساب تعاسة الشعب الليبي والتفريط بأمواله وتنميته الحقيقية. بطبيعة الحال لم يسرب موقع ويكيليكس وغيره كل شئ عما جرى فعلا خلف الكواليس الامريكية، كما يتوهم البعض، بل تم حذف بعض التفاصيل الفنية لهذا الموضوع، بالإضافة لحذف أسماء كل المسؤولين الأمريكيين في ليبيا ممن تابعوا الملف أو ما سمي بتصفية " مشروع القذافي النووي".
وكما تُلوح الأوساط الأمريكية والأوربية باحتمال فتح أمثال ملفات لوكربي من جديد لإدانة نظام القذافي بجرائم ذات صلة بالإرهاب الدولي، فلا يستبعد أن تثار قضية إخفاء بعض المواد النووية والمشعة والكيميائية في صحارى ليبيا، كتهمة جاهزة تستخدم ضد مصالح وتطلعات الشعب الليبي في كل وقت. وتستغل قضية الإشارة إلى طريقة خزنها السيئة، وعدم حراستها او سقوطها بيد القاعدة... الخ. كحجج للتخويف والترهيب وحتى للمساومة أو تبرير التفتيش للأراضي الليبية في كل وقت يشاؤون.
لقد بدأت تتكشف للعالم، سواء عن طريق الصدفة أو عن طريق التفتيش، العديد من الحالات التي تتواجد فيها مواد كيميائية خطرة متروكة من دون حراسة أو متروكة في العراء الليبي، ومنها الحالة التي كتبنا عنها في موقع مجموعتنا " رقان في الذاكرة" على موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" عن توارد لأخبار مصورة عن مثل [ خزانات غاز الخردل التي بدأ الغاز يتسرب منها في ليبيا] راجع المواقع:
www.youtube.com
www.libbya.co
وسبق أن علقنا عليها برسالة موجهة إلى الأستاذ عبد القادر الفيتوري المشرف على موقع "صرخة الصحراء" ونُشرت على الموقع هذا الأسبوع ، كما أُرسلت تلك الرسالة إلى جهات عدة معنية بمثل هذا الأمر ، نلخص منها ما يلي.
اكتشف فصيل من وحدات الليبيين الثوار أربعة صهاريج مملوءة بغاز الخردل، منها تظهر في الصورة بأنها باتت مثقوبة بفعل فاعل، ويتسرب منها الغاز بشكل مباشر، وهي متروكة في العراء من دون حراسة أو تطهير أو معالجة. الرسالة والفلم الذي نشرناه حال وصوله الينا على صفحتنا في الفيسبوك وعلى موقعنا "صرخة الصحراء" سيزيد من قلقنا وأحزاننا على المصير الليبي بعد التغيرات العاصفة في البلاد والانفلات الأمني السائد، ومثل هذه الأخبار تكشف عن مدى الإهمال الذي لا يمكن السكوت عنه بأي شكل من الأشكال في ليبيا وغيرها. يكفينا ما حدث من مأساة لإستعمال غاز الخردل أو غيره من الغازات السامة في مدينة حلبجة العراقية خلال الحرب العراقية الإيرانية شمال العراق قبل عقود مضت. الكل يحاول اليوم تبرئة ساحته ونفسه من المسؤولية ويدين الآخرين بإثبات أو بدونه. لكن حقيقة ما جرى من قتل وإبادات وفضائع باستخدام الاسلحة الكيمياوية والغازات السامة خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية يثير الاشمئزاز والإدانة، وتدعونا جميعاً لوقف الموت المجاني المستمر في هذا القطر العربي أو ذاك.
الموت هنا وهناك تم ويتم بدم بارد في مدن وجبهات وساحات وصحارى ومواقع، القليل منها معلومة وأكثرها ظلت مجهولة، إلى هذه الأيام، ويصعب على المرء والمراقب وحتى الهيئات الوطنية والدولية المتخصصة إحصاء ضحاياها.
وكما تُركت مواقع عدة من غير حراسات بسبب سقوط الدولة العراقية بعد الغزو الأمريكي على العراق وتم نهب المواقع العسكرية والمدنية تكرر ذات السيناريو في ليبيا. هناك مدن اختنقت ومات سكانها بصمت ونسيان مريب بالمواد الكيميائية وتسرب الغازات السامة، ومنها الخردل،والسيرين وغازات أُخرى تمتلأ بها خزائن الطغاة والأعداء من كل صوب.
علينا أن نعترف لشعوبنا، مهما كان ثمن الصراحة المرة، بأن البيئة قد تلوثت ويموت الكثير من الأحياء والضحايا من أهلنا بصمت بسبب تلوث البيئة ومكوناتها، وتتضاعف الحالة وتتراكم بشكل متوالية هندسية بسبب إهمال السلطات السابقة والجديدة لواجباتها؛ فرغم علم العديد من الحكومات بالوضع الكارثي الموروث عن عهود سابقة وما نتج عن الحروب والصراعات والغزوات لازال التجاهل هو الحال السائد، ولم تجر أية عمليات للتخلص من تلك النفايات الضارة بشكل علمي ومدروس والعمل على تطهير المناطق المنكوبة. وبانتظار القيام بذلك لابد من رصد ميزانيات لأعمال باهضة التكاليف. ومثل هذه العمليات تحتاج إلى خبرات دولية وهيئات متخصصة. ووقائياً لا بد من عزل تلك المناطق وتسييجها وحراستها بشكل تام، وحتى يمكن إجراء عمليات إخلاء سريع وإجلاء السكان من المناطق الملوثة والمنكوبة. كما أن الجهل والتكتم الواسع على تأثيرات السموم الكيميائية وانتشارها دون حدود ورقابة هو السائد والغالب والمطبق على إعلام دولنا وحكوماتنا فلا بد هنا من إجراء توعية اعلامية واسعة تشمل تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات ومنظمات المجتمع المدني.
الحالة الليبية مأساة عربية أخرى تتكرر بجهل وتناسي أخطار مثل هذه السموم، فالكثير من الشواهد تشير إلى أن عملية تركها وبهذه الصورة الفظة قد تم بعناية وتدابير مقصودة وتنفيذاً لمآرب عدة ستكشف عنها الأيام، وستبقى غامضة الى حين في الوقت الحاضر. من يتصور أن موقعاً واحداً فقط، كالذي شاهدناه على مواقع اليوتيوب جاء من ليبيا يمر أمام مشاهداتنا هكذا من دون شعور بالخيبة والذنب وتتداوله مواقع الاعلام وكأنه مشهدا عادياً. ولأننا نجهل أخطاره القاتلة والكامنة في درجة سميته فنحن متهمون إما بالغباء أو اللامبالاة. المشهد يبدو من بين عشرات المواقع الأخرى المجهولة يكشف عنه فلم قصير ومتحدث غير مختص، لكن ماسمعناه منه من طلب الاستغاثة ان الرجل كان مدركاً لفداحة الأخطار المرتقبة وهو يطالب نخوتنا بالاستغاثة السريعة لحماية أرواح الأبرياء. فلم قصير ببضعة دقائق يلخص حجم واحدة من المآسي العربية المنسية في أطراف المدن الليبية، وحين يظهر شبح الموت أمامنا مجسداً في حجوم كبيرة من الصهاريج والخزانات المملوءة بغاز الخردل، انه خطر لايستهان به ولن يغفر الله لنا بلادتنا. منظر أحد الخزانات الأربع يبدو مثقوباً ويغلق المتحدث في الفلم الثقب بغصن رفيع، وبدى المنظر خطراً حين تدفق غاز الخردل بلونه البني واضحا. الفتحة المثقوبة برصاصة، كما تظهر في الصورة يتسرب منها غاز الخردل بكثافة عالية نتيجة ضغط الغاز في الصهريج الممتلئ عن آخره والذي بدأ عليه التآكل والصدأ بفعل تفاعلات المحيط والرطوبة والمواد الكيميائية. مشهد مأساوي حقاً عندما يستنجد السكان العزل من دون أن يستجيب لهم أحد، طالما ان الحكومة وفصائل الثوار المسلحة في ليبيا لاهون في عد المغانم المادية والسياسية والوظائف والامتيازات الجديدة واقتسام ما تبقى من تركة نظام القذافي.
يكفينا أيها السادة ما حدث في مأساة موقع التويثة النووي العراقي بعد التاسع من
أفريل / نيسان 2003 عندما غفل العراقيون عن صيانة وحماية استقلال بلادهم وترك البعض منهم الأمريكيين يسودون ويحكمون العراق بحجة " إسقاط نظام طاغية" أو " نزع أسلحة الدمار الشامل في العراق"، لكنهم وبعد احتلالهم بغداد بيومين، كانت وجهتم الأولى بها هو مبنى وزارة النفط العراقية والمركز النووي العراقي في جنوب بغداد في منطقة التويقة، إضافة الى خزائن المتحف العراقي وكنوز الحضارات العراقية. السكان المحليون القاطنون بجوار المركز النووي العراقي، وهم في غالبيتهم من فقراء وسكنة أحزمة الفقر المتناثرة في محيط منشئآت المركز النووي العراقي في التويثة، جنوب بغداد، لم يحلموا يوما من الاقتراب من أسوار المركزن فكيف وهم يرون القوات الامريكية شجعهم المرتزقة والعملاء المرافقون لهم كسر الابواب والشروع بنهب المركز النووي ومحتوياته بموافقة أمريكية.
هو مشهد من مشاهد فضاعة الاحتلال الامريكي وجرائمه المخططة ضد العراق، موضوعة منذ عقود رأيناه مجسدا ومنقولا على المباشر عندما تركت القوات الأمريكية السكان وهم يدخلون دون منع أو رقابة الى المركز النووي. تثبت شهادات موثقة " أن هناك من المرتزقة المدربين المرافقين للدبابات الأمريكية هم من وجه المخربين والغوغاء وقادهم إلى حتوف الموت في تماسهم المباشر مع المواد النووية الخطرة، وهم من تركهم ينهبون بنايات المركز النووي، ويحملون منه ما أرادوا من الأواني والمعدات والخزانات المملوءة بالمواد المشعة بعد أن تم تفريغ حمولتها في العراء، وفي ساحات المركز النووي".
شمل التلويث الاشعاعي محيط المركز السكاني حتى إمتلئت شوارع الأحياء والمزارع القريبة من موقع التويثة بالمواد السامة والإشعاعية القاتلة، كما صورت كامرات التحالف الأمريكي ووكالات الإعلام المرافق لدبابات الاحتلال أولئك الفقراء التعساء وهم يحملون الى بيوتهم غنائمهم من بقايا اليورانيوم المخصب من دون علمهم بالمخاطر ليعجنوه مع رغيف خبزهم ويشربوه في مياههم الملوثة، نعم تلك صورة الهدية الامريكية لتحرير العراق مجسدة في إقتسام كميات من ما يسمى بـ "الكعكة الصفراء" في أرجاء المكان الذي تركته القوات الأمريكية بعد أن مكنت الجهلة من التخريب والنهب. هربت القوات الامريكية بجنودها وخافت من الاقتراب من بقايا ركام المكان الذي كان معلماً علمياً، تخوفت الوحدة الامريكية الغازية للمركز النووي من الأخطار التي ستلحق بجنودها فغادرت المكان ليقتل العراقيون بخسة ولؤم.
تم ذلك أمام مرأى وأنظار وخبراء القوات الأمريكية وبعلم فرق تفتيش أسلحة الدمار الشامل الأممية والأمريكية التي هاجمت المكان وزارته اكثر من مرة علنا و بغتة في ليل الغزو والسنوات السابقة خلال فترة الحصار، فقد سبق للولايات المتحدة والامم المتحدة أن تعرفت على مكوناته خلال جولات فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية واطلعت على تقارير الجواسيس الذين لبسوا بزات الفرق الاممية كخبراء نوويين.
كان بليكس والبرادعي وبتلروغيرهم في مقدمة الجواسيس وهم يعرفون بالضبط ماذا كان يتواجد في ذلك المكان. وكما اعتقلت قوات الاحتلال في الساعات الأولى من دخول بغداد عدداً من علماء العراق، وطردت ما تبقى من الخبراء النوويين العراقيين من المركز من الذين حاولوا منع التخريب المتعمد عندما رأوا المركز النووي يُنهب من قبل الدهماء والمخربين فهبوا بأجسادهم وأياديهم العارية لحماية منشآتهم العلمية والنووية الوطنية التي بنوها وطوروها خلال أكثر من ثلاث عقود متتالية.
لقد احتل الغوغاء والسُراق والجهلة والنهابون والفضوليون والعملاء بنايات المركز النووي العراقي في التويثة، وتم نهبه وتخريبه بحضور وحدة المارينز المتخصصة ومعها خبرائها النوويون والكيميائيون، وبذلك نفذت الادارة الامريكية واسرائيل واحدة من مهام الاحتلال بتنفيذ مهمة التخريب الكامل للمشروع النووي العراقي السلمي. وبعد انسحاب الوحدة الأمريكية وخبرائها ممن كلفوا بمعاينة المركز حال دخوله ومن ثم تخلوا عن حراسته عندما سجل الإشعاع المتسرب عن تبعثر المواد النشطة إشعاعيا. هل هي صدفة؟ أم عمل منظم؟ أم جهل بالأقدار القاتلة والمبيتة للمستقبل؟.أسئلة سيجيب عنها المستقبل؟.
القوات الأمريكية التي بررت احتلالها للعراق تمسكت بحقها في التفتيش عن مواقع أسلحة الدمار الشامل وإلغائها والتخلص منها، وهي كانت مطلعة على ظروف المركز ومحتوياته من خلال تقارير فرق التفتيش التي زارته طوال 12 سنة من المراقبة الاممية. وعندما غزت القوات الامريكية العراق ودخلت بغداد في الاسبوع الاول من نيسان/ افريل 2003 سارعت الى تفتيش المركز بعد احتلاله عسكريا في الساعات الأولى لوصولها، وهي التي سمحت وقررت بالعبث والتخريب لمحتوياته رغم معرفتها المسبقة بالأخطار الناجمة عن التلويث الإشعاعي وانتشار المواد الخطرة في محيط بشري كثيف بالسكان.
ويقيني ان ذلك قد تم عن دراسة وسابق قصد ومعرفة وإدراك بالعواقب الوخيمة الناجمة عن انتشار التلويث الإشعاعي والكيمياوي في العراق، حتى يمكن للجهات الامريكية لاحقاً إلصاق المسؤولية على عاتق العراقيين وعلمائهم وقادتهم السياسيين. يمكنكم ان تجدوا عدداً من المقالات التي كتبناها ونشرناها في حينها على عدد من المواقع الالكترونية بعنوان "كارثة التويثة النووية في العراق"، والتي ناقشنا فيها وفضحنا ما جرى من إجرام متعمد في تلويث منطقة التويثة وجنوب بغداد، وما سببته تلك الجريمة الإشعاعية من التلويثات الإشعاعية الخطرة من وفيات وسرطانات وقتل مروع بالسكان المحليين على أطراف ومحيط مدينة بغداد الواسع.
وقد فسرنا ذلك حينها بالأدلة والقرائن الاهداف والمقاصد والغايات الامريكية في تدمير العراق وتحويل شعبه الى حالة بائسة من المرض والفقر والتشرد، وجاءت الوقائع التالية في سنوات الاحتلال التسع المتتالية لتؤكد للجميع بأن الأمريكيين قد سمحوا لمثل هذا التلويث والتخريب للمركز النووي العراقي وغيره من المراكز العلمية والجامعية عن قصد وسابق معرفة وإدراك للمخاطر المحتملة، وهم حين شجعوا بعض السكان المحليين وبتحريض من عملائهم والفرق المتخصصة والمدربة على نهب ما تبقى من ممتلكات المركز النووي العراقي أكملوا الجزء الثاني من الجريمة في قتل وتصفية المئات من الكوادر العراقية والعلماء الذين يمكن ان يقفوا بوجه الكارثة. هكذا خططوا ليغطوا بذلك على جريمتهم النكراء المعروفة باستخدامهم المفرط لأعتدة اليورانيوم المنضب في عمليات القصف الواسعة منذ العدوان الثلاثيني على العراق صباح 17 جانفي 1991، وخلال عمليات القصف في سنوات الحصار الظالم على العراق ما بين سنوات (1991 ـ 2003) وعندما قرروا غزو العراق فقصفوا أعداداً متزايدة من الأهداف المدنية والعسكرية في بغداد وخارجها من اقصى شمال العراق الى جنوبه، فتسببوا في واحدة من أكبر الكوارث النووية والإشعاعية على الكرة الأرضية بانتشار مئات وآلاف الأطنان من أعتدة اليورانيوم المنضب، وكي يختلط الحابل بالنابل نجح الأمريكيون في أن يختلط العامل التدميري الإشعاعي بالكيميائي وحتى بالجرثومي لتكتمل عمليات الإبادة المنظمة لشعب العراق خلال سنوات الحصار وبعدها سنوات الاحتلال وسوف تستمر المأساة الى عقود أخرى من السنين ما بعد الاحتلال.
بالمثل جرى في ليبيا، ولو بأسلوب وظرف وتوقيت آخر، وبتعمد ترك مثل هذه المواد الكيميائية الخطرة في العراء وفي أكثر من مكان في ليبيا وهم يعلمون مواقعها وكمياتها وأنواعها، ويعلمون أيضاً انها تركت في مناطق مكشوفة، ومنها الكثير الذي سيقع في متناول أيدي السكان العاديين، وقد تركت المواد الخطرة، كغاز الخردل، من دون حراسة ومراقبة او حتى معالجة كيمياوية أو دفن أو تطهير، وهي بمجملها حالات تعبر عن جريمة دولية منظمة لا تخلو من غرابة التكرار المتعمد من قبل بعض الوصايات الدولية المسؤولة عن مثل هذه الحالات، كالوكالة الدولية للطاقة الذرية وهيئات البيئة والصحة والزراعة وغيرها من منظمات الأمم المتحدة. ما يجري في ليبيا جرى قبله في العراق بشكل أشبه بالاستنساخ.
ان من فتشوا عن أسلحة الدمار الشامل في ليبيا من خبراء الناتو وهيئات الأمم المتحدة وغيرهم، وما جرى تسريبه من معطيات متفاوتة الدقة في وثائق ويكيليكس وقرأها العالم على الشبكة المعلوماتية حتى قبل سقوط نظام القذافي، قد تناسوا مثل هذه الحالات الخطرة بعد رحيل القذافي، وسكتوا عن المطالبة بحماية السكان من أخطار الكوارث النووية والكيميائية المحتملة الناجمة عن تسرب تلك المواد الخطيرة وسيادة الانفلات الأمني في ربوع ليبيا الشاسعة. وحتى تلك المعلومات التي جرى تسريبها ونقلها الإعلام المُعولم بأشكال وصيغ ولأهداف عدة، كان ظاهرها العام هو العمل على إدانة نظام القذافي وكشف مدى استهتاره في التعامل عند امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، والعمل على تصويره كنظام مغامرا قد يلحق الأذى بشعبه أو بمصالحهم ومجتمعاتهم ورعاياهم ، أو يحاول أن يبتزهم بامتلاكه الأسلحة النووية والكيميائية، رغم علمهم الكامل بأن إداراتهم السياسية لمثل هذه الأزمات قد أحكمت التسيير والتحكم بالقذافي ونظامه وجعلته ينتقل تدريجيا تحت الإشراف الطوعي والمباشر لدوائر الغرب وسياساته وخبرائه .
مثل هذه الأمور ستبقى مقلقة عندنا اليوم، بانتشار مثل هذه المواد من دون رقابة وطنية أو دولية محكمة، وبقاء مثل هذه الحالات سلاح ذو حدين بيد الغرب ودوائره السياسية، فمن جهة يمكن أن يستغلها بأنها مواد خطرة قد تقع بيد الإرهاب وعصابات القاعدة و بها سيبرر تدخله في الشأن الليبي والإفريقي. ومن ناحية ثانية سيبررها الغرب أنها جرائم ضد الإنسانية ستبقى جزءا من تركة وإهمال نظام القذافي وحكمه، وتعكس عدم احترامه لحياة مواطنيه ورعيته ونظافة بيئته. وسوف يستعمل الغرب مثل هذا الحدث وغيره في سياسات تستنزف الدولة الليبية الجديدة بحجة فضح تركة نظام القذافي وتجريده من أسلحة الدمار الشامل التي كانت ليبيا متهمة دائما بحيازتها ويطالب الحكومات الليبية القادمة على تقديم ولاءات الطاعة للنظام الدولي الجديد والسماح بتفتيش الأراضي الليبية في أي وقت والقبول باستخدام الخبراء والشركات الغربية في مقاولات تطهير الأراضي الليبية من التلويث الإشعاعي والكيميائي.
ان عددا من الشركات الغربية بدأت تتحدث عن مطامعها في تقديم مشاريع ستستغل مثل هذه الاكتشافات عن وجود انتشار لمواد كيميائية وأسلحة خطرة وبدأت بتقديم عروضها في العمل في ليبيا الجديدة وتعد بأنها قادرة بخبراتها على تطهير مثل تلك المواقع المشتبه بها. مثل هذه الأعمال والمقاولات ستكون باهضة التكاليف والأثمان وستضاف إعتماداتها المالية إلى الفاتورة الثقيلة التي دفعتها وستدفعها الخزانة الليبية من ما تبقى من مدخرات الاحتياطات المالية الليبية المستنزفة اليوم لصالح العديد من الجهات والمصالح الدولية الطامعة بسلب ليبيا وتجريدها من كل حدب وصوب.
نتفق أن نظام القذافي يتحمل كثيرا من الآثام والجرائم المعروفة التي اقترفها في سني حكمه، وهي مسجلة في حسابه ووثائق تجريمه منذ سنوات طويلة، لكن ترك مثل هذه الأخطار البيئية المحتملة وخاصة تلك الناجمة عن تسربات وانتشارالمواد المشعة أو الكيميائية، كغاز الخردل وغيره، الى مكونات البيئة الليبية، بعد سقوط النظام لا يعفي السلطات الليبية الجديدة من أخذ مسؤوليتها عن عدم الإحتراز المبكر لهذا الموضوع والانتباه له، وسوف تتم محاسبتها عن عدم المتابعة لتركة النظام السابق وما خلفه من كوارث نتيجة استهتاره وعبثه. كما لا يمكن التغافل عن إقدام عصابات النظام السابق وعملائه ومناصريه في استخدام مثل تلك المواد في أعمال خطرة وإجرامية ضد خصومهم والحكم الجديد إذا ما توفرت لديهم الفرصة السانحة. كما أن ترك مثل هذه المواد الخطرة في متناول سهل بيد السكان العاديين، وهي عرضة للعبث بمصير الحياة أو تركها قريبة من عبث الجهلة والفقراء والأطفال اليافعين، الذين يجدون في مثل هذه الاسطوانات والخزانات والحاويات والصهاريج والمعدات الأخرى، ومنها المضخات والمكائن وتحويلها إلى السوق، حيث سيستخدمها البعض مواداً للاستعمالات المنزلية والحياتية الاخرى أو بيعها في أسواق الخردة ورميها في مكبات النفايات الحديدية، ومنها ما ستتسرب إلى أماكن أخرى وحتى إلى دول مجاورة، وبذلك سيتضاعف معها حجم الأخطار المحتملة، ويتوسع معها حجم ومساحات التلوث الكيميائي والإشعاعي للبيئة الليبية والإفريقية.
لابد من دعوة الحكومة الليبية الحالية والهيئات الدولية للقيام بواجباتها وتحميلها كل المسؤولية السياسية والقانونية لأجل حماية السكان ومنع تلوث البيئة الليبية على نطاق واسع. ويمكن ان ترسل مثل هذه الوثائق والأفلام والشهادات والتقارير التي يجري تداولها اليوم بشكل متزايد إلى هيئات البيئة والصحة والدفاع المتخصصة وإشراك هيئات الأمم المتحدة ومن يمثلها في ليبيا والجامعة العربية في إيجاد الحلول والشروع في التخلص من المواد المضرة منها وإجراء التطهير اللازم.
لا يمكن التعايش مع مثل هذه الأخطار القاتلة أو التغافل عنها ولو لأيام وساعات؛ لأنها ستبقى كارثة مفتوحة على كل الاحتمالات في كل وقت ومكان، وخصوصا أن قضية التعامل مع تسرب الغازات الكيميائية السامة والخانقة باتت مشكلة دولية مقلقة للجميع.
إن ما اكتشف في هذا المكان الذي شاهدناه في الصور الموثقة الأخيرة، ومن خلال مشاهدة الخزانات والصهاريج الأربعة، نقدره بأنه يعادل آلاف الألتار من غاز الخردل المتروك في العراء من دون رقابة أو حراسة. كما أن تسربه يكفي لإبادة سكان مدينة متوسطة الاتساع، ويمكن أن تتجاوز الكوارث وأخطاره المميتة والقاتلة مساحات خطرة أكبر من موقع تواجد تلك الصهاريج؛ إذا ما ترافق انتشار الغاز القاتل مع مواسم هبوب الرياح في يوم عاصف.
وكما حدثت عمليات نهب المفاعل النووي العراقي بحضور ووجود القوات الأمريكية، فإن ما يتكرر الآن في ليبيا من مشاهد العثور على مواد تدخل في صناعة واستخدام الأسلحة الكيميائية غير بعيد عن تلك اللعبة الأمريكية القذرة. فمشاهد العثور على مواد كيميائية خطرة وتركها بيد الجمهور وفي مناطق مكشوفة وخطرة على حياة السكان هي ذاتها رصدناها وسجلناها في العراق، فالقوات الأمريكية كانت متسامحة مع الغوغاء وهم يهاجمون وينهبون المخازن العراقية، وكانت متواطئة مع اللصوص والمغامرين في محاولات نهبها ونقلها وحتى تخزينها، كما أنها تركت آلاف الأطنان من خزين قواتها بعد الانسحاب ووقعت اتفاقات مشبوهة مع حكومة المالكي للتخلص أو دفن تلك النفايات الكيميائية القاتلة في العراق وحتى في محيط القواعد الأمريكية في الكويت وقطر والبحرين والشمال السعودي، وكثير من التقارير تشير إلى تسرب جزء كبير من تلك المواد المشعة إلى بيوت المواطنين لتركها في العراء، كما تمت سرقة المعدات النووية والأجهزة والمخابرالعراقية وسقوطها بيد اللصوص والنهابين وتجار الخردة وحتى إلى أيدي الجمهور العادي الذي اكتسح بالأمس مركز التويثة النووي العراقي ونهبه عن آخره، بما فيه الشبابيك والأبواب وأقفاص الحيوانات ومجاميع الحشرات التي كانت تحت التجارب وتكرر ذلك بعد انسحاب القوات الأمريكية من بعض القواعد التي استقرت بها طوال السنوات التسع السابقة.
أدى حادث تلويث التويثة الكيميائي والإشعاعي وما جاورها ونهب المخازن العسكرية والمدنية ألأخرى إلى مشاكل بيئية وصحية خطيرة وواسعة ببغداد وغيرها من المحافظات يتم السكوت عنها من قبل أطراف عدة متواطئة حول هذا الموضوع. واليوم تكتشف مواقع عدة جرى فيها طمر النفايات الكيميائية لتي تركتها القوات الأمريكية في صحارى العراق وغير بعيد عن المدن العراقية المكتضة بالسكان. وسوف يعلن عن اكتشافها مستقبلا بأنها تركة من نفايات النظام العراقي السابق عندما يحاول الأمريكيون تبرئة أنفسهم من تلك الجرائم.
وحول الوضع الليبي كانت هناك تلميحات وردت في نصوص ويكليكس المسربة من وثائق الإدارة الأمريكية تنص صراحة بالإدانة المسبقة للنظام الليبي وتبعاته وسوف يستخدمها الأمريكيون في أي وقت يشاءون وكذلك الغرب عندما يفتحون الملف البيئي الليبي. نقتبس إلى بعض من تلك التسريبات من موقع الويكيليكس: (... إن الزعيم الليبي معمر القذافي كان على استعداد لان يترك كميات من اليورانيوم العالي التخصيب في بلاده عرضة لاستيلاء الإرهابيين عليها، أو تعرضها لانصهار مدمر، لكي تتعلم الأمم المتحدة درساً أراد أن يلقنها إياه).
كما أشارت تلك الوثائق أيضا إلى: (... أن شحنة من سبعة براميل معدنية ـ تزن كل منها خمسة أطنان مختومة لغايات النقل، وليس التخزين ـ تُركت في باحة إحدى المنشآت النووية الليبية، من دون حراسة، إلا من حارس مسلح واحد. وفزع منها دبلوماسيون أمريكيون وروس وسارعوا الى محادثة مسؤولين ليبيين حول هذا الأمر، بينما حذر علماء: من أن اليورانيوم داخل البراميل كان بدرجة عالية من الإشعاع، وان حرارته بدأت ترتفع بسرعة... وكانت تلك المواد في الأصل جزءاً من خطة القذافي لإنتاج أسلحة نووية). النصوص كثيرة لكن صيغتها تعبر عن أهداف مستقبلية مبيتة عند اللزوم.
هل سيعاد سيناريو اتهامات العراق ونظام الرئيس صدام حسين في العراق بحيازته على الأسلحة النووية في الوقت الذي كان الشعب العراقي يموت يوميا بالإشعاع الناجم عن قصف أعتدة اليورانيوم المنضب الأمريكية، وتسرب المواد المشعة والكيميائية من المراكز النووية العراقية والمخازن العسكرية والمدنية المنهوبة أمام أعين وكامرات القوات الأمريكية الغازية، إلى المحيط الحيوي للمدن والى أيادي السكان. -
http://www.eldjoumhouria.dz/pdf/19-11-2011.pdf
-
الدليل في دحض التضليل في جريمة أفعى سيد دخيل وغيرها في العرا
الدليل في دحض التضليل في جريمة أفعى سيد دخيل وغيرها في العراق
ا.د. عبد الكاظم العبودي/ جامعة وهران
التهويل بالكائنات الغريبة والترويع بالطفرات الجديدة وفقدان التنوع الحيوي في الاهوار
خيارات الموت الديمقراطي في العراق الجديد
من تماسيح العمارة والديوانية الى افعى سيد دخيل وظهور القرطة وفصائل كلبية شرسة
المخبر العلمي الامريكي والتجارب على الفئران البشرية في العراق
يتسائل العراقيون بسخرية حول جدوى الموت الديمقراطي وباختيار طريقة الانتحار البطئ لتعساء وادي الرافدين بعد "تحرير العراق" امريكيا وتسلط الجهلة والاميين والمتحاصصين على أرقام القتل الجماعي لشعب بات أسير الخراب الامريكي والطائفي الشامل، وما بين الموت بعضّات الأفاعي القاتلة وخيار القبول بالفناء المرسوم بين فكي تمساح امريكي زائر تعترض مسار الحياة اليومية للعراقيين صور صناديق جثامين نقل الضحايا الى المقابر الجماعية المسكوت عنها إعلاميا.
البارحة الاحد 25 من ايلول 2011 يصر شهر سبتمبر ان يسجل فضائح بقية الكارثة العراقية المستمرة، حين شهدت وكالات الانباء والفضائيات مباراة خطابية وكلامية لوزيرين من حكومة المالكي الناقصة حول تداعيات افعى سيد دخيل، ففي تصريح اعلامي متشنج ووقح منسوب لوزير الصحة موجه الى قناة البغدادية يرى ان حصتها التلفزية التوثيقية التي بثتها مساء الاربعاء الماضي 21 من ايلول الجاري والتي مكّنت عوائل وضحايا عضات الافعى تقديم شهاداتهم وعرض معاناتهم بالارقام الحقيقية عن تعداد القتلى، بغياب وتهرب اي مسؤول رسمي، وخاصة وزارة الصحة، يأتي رد الوزير بعد اربعة ايام ان كل ماقيل انه: ( انها مجرد زوبعة اعلامية) وكشّر الوزير عن انياب حكومته بوجه النقد الموجه ضد وزارة الصحة والموت العراقي مُكّذِبا ترسانة المعلومات التي باتت محركات البحث في الشبكة المعلوماتية، ومنها محرك البحث جوجول، تنوء بها من هول أخبار جرائم الافاعي في العراق.
وفي ذات الوقت ينبري للرد على وزير صحة الموت المالكية من خلال نفس القناة محمد شياع السوداني وزير حقوق الانسان بنفس الحكومة مؤكدا ان تلك الزوبعة الاعلامية، هي الحقيقة بعينها، وكانت اخبارها قد طرقت ابواب المنطقة الخضراء برلمانا وحكومة وسفارات أجنبية، وهي الشغل الشاغل لإجتماع وزاري سبق أن ترأسه المالكي نفسه في هذا الشهر، وتم اعتماد إجراءات ومخصصات اضافية ومالية وتعليمات خاصة لمواجهة نكبة ناحية سيد دخيل ومنها الاستعانة بالخارج لوضع حلول لقضية الامصال ومعالجة الضحايا. وأكد وزير حقوق الانسان حضور وزير الصحة والموت في المستشفيات في ذات الاجتماع. ويبدو ان وزارة المالكي تجتمع وفق قاعدة حوار الطرشان ووزرائها مغرومون باللوذ والتهرب من المسؤوليات بحكايات الزوابع الرملية والسياسية والاعلامية التي تهب على حكومتهم، فوجدوا في إثارة توابع جريمة افعى سيد دخيل وقبلها تماسيح الديوانية والعمارة من قبل قناة البغدادية وقبلها ريبورتاجات عشرات المحطات والفضائيات والاذاعات ومئات المقالات والتصريحات مجرد زوابع اعلامية، هاهم متجردين، كما عهدناهم من الحس الانساني في معالجة مئآسي العراق اليومية التي تسطرها يوميات الاحتلال وحكومات الاحتلال المتتابعة. نعيد لحكومة المالكي وتوابعها وحراس المنطقة الخضراء شريط الاحداث تسجيلا للحقائق العلمية علّ ان تنقشع من أمام عيونهم رمال العواصف التي أعمتهم عن رؤية الحقائق كما هي على ارض العراق.
منذ فترة عاشت الديوانية رعباً واستنفاراً أمنياً، وقبلها كانت العمارة بسبب ظهور التمساحٍ لاول مرة في تاريخ العراق في جداول وانهار الجنوب وسط تجاهل لعدد من السابحين الصغار في نهر المدينة. وتمكنت الشرطة أخيراً من قتل احد التماسيح بعد 3 أيام من ملاحقته بين ضفاف النهر واعماقه وسط حملة اعلامية تذكرنا بالفتوحات والانتصارات الامنية لدولة القانون.
وفيما حذرت السلطات السكان من عدم الاقتراب من الانهار لحين التأكد من خلوّها من تماسيح أخرى، كان الناس يتندرون بالموت بطريقتهم العراقية عند مواجهة المحن الكبرى. قيل نقلاً عن الناطق الرسمي للشرطة المحلية والوحدات الخاصة التي تجندت لمهمة القائد العام للقوات المسلحة في الديوانية: ( لقد تم ـ قتل التمساح الكبير- بعد أن صعد الى شاطئ النهر، لكن التمساح الصغير إختبأ بين الأعشاب داخل النهر). خبر التمساح وشكله مرعباً وغريباً لسكان مدينة تجاور البوادي العربية وليست في مجاهل وادغال افريقية أو حوض الامازون. وتؤكد الحقائق المسجلة : (هذه أول مرة يظهر تمساح على شاطئ الديوانية) وربما في العراق.
تشير مديرية البيئة في محافظة الديوانية الى: ( أن مصدر تلك التماسيح إما مسطحات مائية خارج العراق، وإما حديقة حيوانات قريبة من النهر، أو بفعلِ فاعلٍ وإن كان عددها بين 2 و3). كل فقرة من النص السابق يحتاج الى التحليل والتوقف العلمي والبيئي. فلا توجد هناك حدائق حيوان ولا غابة افريقية سوى بوابة شط العرب على الخليج العربي والمسافة بين الديوانية والعمارة ليست سهلة على الانتقال لتماسيح صغيرة مثل تلك التي شاهدناها على شاشات التلفزة. اما " فعل الفاعل"فمتروك التعليق عليه لنباهة العقل العراقي وذاكرته التاريخية في التعامل مع الغرائبيات والأساطير وحتى مع خرافات القرن الامريكي. لكن القضية لا تحتمل الأسطرة ولا التخريف؛ فالتماسيح أمام الكامرات عُرضت في مشهد احتفالي مثيرا للدهشة عبر قناة تلفزية أمريكية هي "الحرة"، وتناقلت الخبر مرارا إذاعة أمريكية للاحتلال عنوانها "راديو سوا"، والحملة الأمنية على التماسيح قامت بها وحدات خاصة لجيش المالكي الذي أمر الهجوم عليها بالرشاشات ان لم تكن بقذائف المدفعية والآر بي جي سبعة.
وفي مثل هذه الحالات تنشط تصريحات مدراء البيئة والصحة وحتى الداخلية وقيادات قوات المحافظات. يقول مسؤول مديرية بيئة الديوانية
حسب المواصفات الأولية التي حصلنا عليها، التمساح المذكور هو أحد أنواع تمساح النيل، ومن أخطر الأنواع. والمفارقة الغريبة أن التماسيح تعيش في المياه الضحلة، ولكنها ربما تكيفت للعيش في نهر الديوانية). لا رقابة ولا جمارك على مثل هذه التصريحات التي تطلق من كل حدب وصوب.
وشر المصيبة ما يضحك فقد قيل ان القيظ اللافح في الديوانية واستعار صيف جنوب الوطن لم يسمح للسابحين في شط الديوانية حتى فرصة الهرب او الخوف من خطر السباحة بمشاركة التماسيح الغريبة الضيفة على انهارهم، وقد أظهرتهم فعلاً الكامرات التلفزية وهم غير مكترثين بالتمساح القتيلِ على الشاطئ ولا بإشاعة بقاء تمساحين آخرين متربصين باقيين في عمق النهر. والسبب يعلله العراقيون بدهشة قبول الموت بأية طريقة يصل الى أجسادهم سواء الموت بسبب ارتفاع درجات الحرارة أو انقطاع الكهرباء، أو تخيّل الموت اللذيذ بين فكي تمساح جائع يرون الإقامة في جوفه برودة وراحة خير من انتظار الكهرباء التي انطفأت في أسلاكها لأكثر من 20 ساعة في اليوم طوال موسم الصيف.
نهر الديوانية هو احد تفرعات نهر الفرات، ويدخل الى الديوانية بعد مروره بمحافظة الحلة ثم يتجه إلى محافظة المثنى، وشهد النهر نقصا واضحا في منسوب مياهه خلال السنوات الأخيرة، نتيجة التبخر الشديد لمياه النهر ولاقتطاع كل من سوريا وتركيا كميات أكبر من حصصهما المقررة، وبالتالي التأثير على حصة العراق من مياه الفرات، وجفافه لا يشجع التماسيح والكائنات المائية الأخرى على الاصطياف فيه.
لكن الغرابة هنا لها منحى سريالي أمريكي على قاعدة الصدمة والدهشة والترويع ؛ فعندما يقل الماء ويحل التصحر تُصّدر التماسيح الينا وتتكاثر عندنا الأفاعي من كل نوع في جنبات بيوتنا حتى بتنا نفتش عن التوازن الايكولوجي بكل ثمن للوصول الى هدنة بيئية مع الكوارث المتلاطمة فوقنا واحدة إثر الأخرى، وها نحن ندفع أثمانا أبعد من قيمة الحياة نفسها، وخسارتنا لا تتوقف عند تقديم حيواتنا وآلام أجسادنا فقط ؛ بل بفقد الكثير من فطنتنا العراقية وذكاء أهلنا المعروف، عندما كنا نفهم الأُمور و"هي طايرة" ، كما يتندر العراقيون يوما عند وقت الشك والريبة في الآخر وتعامله معنا.
منذ سنوات بحدود 2007 شاهدت فيلما تلفزيونيا ناطقا بالانجليزية يبدو انه من انتاج أمريكي مترجما بالعربية كانت تدور أحداثه حول خطة أمريكية تسعى لتطوير إنتاج افعى سامة في أحد مخابر الجيش الأمريكي، بقصد نشرها في العراق، ولهذه الأفعى القاتلة مهمة قتل البشر لدغ الإنسان ولا يقاوم سم لدغتها أي مصل أو ترياق، وهكذا اظهر الفلم كيف جرى تهجين وانتاج وإعداد تلك الأفعى في مخيم عسكري ضمن قاعدة عسكرية في جنوب العراق، اين تم تجهيز هذه الافعى وتطويرها ليتم نشرها وفق خطة مبيتة في العراق، قصد الترويع والإفناء الحتمي، ولكن دارت الدوائر بعكس ما اشتهى المجربون البيولوجيون الأمريكيون وما أراده صانعي الشرور، وكما تدور احداث الفيلم، فقد فلتت الأفعى من المخيم بعد لدغها بعض العساكر، وبدأت في التكاثر حول المخيم ومن ثم بدأت تتسرب الى المخيم نفسه فقتلت الكثيرين، ولم تتم السيطرة عليها الا بعديد من مغامرات الفلم الامريكي الهوليودي، وبدا الباحثون أولاً في محاولات استخلاص المصل اللازم لعلاج اللدغة، لكنهم توصلوا الى مصل آخر، فالأفعى كفيروس الايدز طورت سمومها وتكيفت في بيئة جديدة خارج نطاق وظروف المخبر الامريكي التجريبي. ينتهي الفلم بقرار تفجير المخيم ونسفه طلبا للخلاص، وبلقطات مخيفة ومرعبة متمثلة في افاعي متجمعة في مغارة قريبة من المجمع، ولقطة لأفعى كبيرة كانت تتوهج نارا من رأسها وعيونها تبرق بالشرر.
ومنذ شهور وأنا أعيش اليوم واتفاجأ بذات السيناريو على ارض الواقع، ومسرح الخبر ناحية سيد دخيل، مشهد حقيقي ومرعب يتحدث حول وجود أفعى في العراق قامت بقتل العديد من الضحايا من الشباب والاطفال والرضع والعجائز، داخل وخارج البيوت. والغريب انها تحمل نفس المواصفات في الفيلم الأمريكي المشار اليه. انها تقتل الشخص بمجرد لدغه مباشرة. قبل الغزو وخلال سنوات الحصار الظالم على العراق سربت المخابر البيولوجية الأمريكية عشرات الفيروسات والبكتيرات والفطور لتدمير غذاء وبيئة العراقيين في حرب بيولوجية بدت صامتة، ولكنها لم تكن منسية سجلناها في توثيق رسالة دكتوراه لنا قدمت الى جامعة وهران. ولكن ما تناقلته وكالات الأنباء منذ نجاح الغزو الأمريكي للعراق 2003 يبدو ان مرحلة اخرى للحرب البيولوجية الامريكية على العراق ستستمر. لا يختلف مشهد الافاعي والتماسيح الغريبة عن فكرة الفلم.وسيناريو فلم الافعى الامريكية المتسربة من المخبر العسكري الامريكي والمنفلتة في تكاثرها في ناحية سيد بخيت وما جاورها يتطلب الاسراع في تشخيص صنف سمومها وترياقها المطلوب بيولوجيا وبيئيا وحتى سياسيا.
يقول رئيس اللجنة المكلفة بمتابعة ملف أفعى سيد دخيل في مجلس محافظة ذي قار السيد هلال حسين السهلاني: ( إن الأفعى القاتلة يوجد 11 نوعا منها في ناحية سيد دخيل ( 20 كم شمال شرق الناصرية ) أخذت تتكاثر وتزحف نتيجة الجفاف ومحدودية استخدام المبيدات الزراعية باتجاه القرى ودور المواطنين، مشيرا الى تعرض 121 شخصا للدغة الأفعى المذكورة توفي منهم 40 شخصا في الآونة الأخيرة). رقم موثق نضعه امام أنظار لجنة النائب البرلماني جواد البزوني وغيره للاطلاع والتأمل قبل التصريحات السياسية لنفي الظاهرة او التقليل من عدد الضحايا واختزالهم بحادثة واحدة هذا العام على حد ما نُسب اليه من تصريحات مسجلة رسميا.
وحسب مصادر أخرى متداولة وعديدة وموثقة : تسببت "افعى سيد دخيل" بنحو 150 لدغة، توفي منهم نحو 40 شخصا منذ عام 2003 وحتى الان. تقع ناحية سيد دخيل على بعد 15 كم جنوب شرق مدينة الناصرية،380 كم جنوب العاصمة بغداد، وتقدر مساحتها بـ (220) ألف دونم، وتتبعها 75 قرية. ويقدر عدد سكان الناحية بـحوالي 87 الف نسمة، 75 % منهم يمتهنون الزراعة.
وردَّ هلال حسين السهلاني خلال اجتماع لمجلس المحافظة عقد مؤخرا وحضرتها صحيفة المدى العراقية،(أسباب تزايد أعداد الوفيات بين المصابين الى عدم توفر المصل الواقي من سم أفعى سيد دخيل في المؤسسات الصحية في المحافظة).
وحمّل السهلاني الذي يشغل أيضا منصب رئيس لجنة منظمات المجتمع المدني في مجلس المحافظة المؤسسات الصحية في المحافظة مسؤولية وفاة هذا العدد الكبير من المواطنين، مشيرا الى تلكؤ تلك المؤسسات في تأمين المصل اللازم لإنقاذ الضحايا.
في كل مرة يُعاد التعريف بهوية افعى سيد دخيل:تعرف الآن أفعى سيد دخيل، أو ما يطلق عليها "أم الصليب" بأنها من أصول آسيوية، تتراوح أطوالها بين (30 - 100سم). وتسير بشكل حلزوني، وتحمل علامة الصليب بمقدمة رأسها. وغالبا ما يتعرض ضحاياها،في حال تأخر العلاج لأكثر من ست ساعات إلى نزف في اللثة والأطراف، ولاسيما في أصابع القدمين .
شاعت الاخبار منذ سنين عن أفعى سيد دخيل، نسبة الى تلك المدينة المنكوبة الواقعة بالقرب من مدينة الناصرية التي اجتاحتها فسببت مقتل العشرات واصابة المئات من الضحايا دون رحمة وامام تفرج السلطات المحلية، وصولا الى رئاسة الحكومة والبرلمان ووزارات الصحة والبيئة والزراعة والاهوار صارت المأساة قضية عراقية جديدة يقابلها صمت الجهات الامريكية التي اكتفت فقط بدفع قناتها التلفزية "الحرة ـ عراق"الى اعداد حصة تلفزية عن رعب " افعى سيد دخيل" في الناصرية، وحصة اخرى عن ظهور ثلاث تماسيح في القادسية، واكتشاف تمساح آخر في العمارة. وتتحدث التقارير الصحفية الاخرى عن تسجيل ظهور فصائل كلبية من حيوانات غريبة عن محيط الجنوب العراقي، تذكر الناس بأساطير القرطة وأُم المساحي وغيرها من الحيوانات التي كانت تدرج ضمن خرافات الفولكلور العراقي في الجنوب.
تجمع التقارير الاعلامية على عجز السلطات الصحية في الناصرية وعن تقديم العلاج، والاكتفاء بترحيل الضحايا الى مستشفيات البصرة والسماوة لعدم توفر المصل الكافي. ويزداد الامر سوءاً فقد اعلنت اخيرا مديرية بيئة محافظة ذي قار ( خبر وصول افعى سيد دخيل الى مدينة الناصرية والى مركز محافظة ذي قار عن طريق الشاحنات المحملة بالتراب" .).
وافعى سيد دخيل المعروفة في المنطقة منذ عقود تختلف عن نظيرتها الجديدة التي ظهرت بعد غزو عام 2003 بدرجة سميتها القاتلة، التي لا تمنح الفرصة للضحية الحياة الا بضع ساعات من العذاب. ويختلف الخبراء في تصنيفها ومظهرها الخارجي وسلوكيتها. فالافعى الاولى كانت توصف انها تعيش في المناطق الرطبة وقرب المياه ولا تقترب من البيوت ومنازل السكان وهي افعى مصنفة انها "دفاعية" اي ليست هجومية، ويمكن معالجة ضحاياها بتوفير المصل الخاص بها والعديد من ضحاياها غالبا ما تماثلوا للشفاء بعد الاسعافات الاولية الصحيحة او الحصول على المصل قبل فوات الاوان. أما الافعى الجديدة التي توصف بوجود صليب على رأسها وتتحرك حركة افقية وحلزونية سريعة وتلجأ الى البيوت والمنازل تاركة المناطق الرطبة واللجوء الى اليابسة، وهي تهاجم الضحايا عند توفر الفرصة لها او الغفلة منها. والجديد في رعبها انها قاتلة ومميتة رغم توفر بعض من الامصال تعود اليها او الى صنفها.
صارت أفعى سيد دخيل الخبر العاجل للوكالات الاخبارية وانشغال تقارير الوزارات والهيئات الحكومية منذ أشهر، فهي اليوم ضمن الخبر الرسمي للدولة وتتصدر تصريحات المسؤولين وآخرها : ( الأفعى السامة الملقبة بأم الصليب والمعروفة بـ [ أفعى سيد دخيل ] وصلت الى مركز مدينة الناصرية وذلك عن طريق الشاحنات التي تحمل التراب والقادمة من أطراف محافظة ذي قار... وتم اكتشاف بيوض تعود للأفعى المذكورة في بعض الشاحنات المحملة للتراب الذي يستخدم لاغراض البناء او ماشابه ).و ان
المديرية قامت بابلاغ ومخاطبة الجهات الامنية بمنع دخول مثل هذه الشاحنات ومرورها عبر السيطرات الرابطة بين مدينة الناصرية والقرى والضواحي القريبة منها وقد استجابت الاجهزة الامنية لهذا النداء ).
وفي لجة الرعب الاعلامي والاشاعات وتوارد تقارير موت الضحايا من قرية سيد دخيل فقط صار لهذه الافعى حصة في التقارير العلمية على مواقع الانترنيت نجملها معا للتعريف والتوثيق : (... أفعى سيد دخيل تُعد من اخطر أنواع الأفاعي في العالم من حيث السمية، كما صنفها أطباء ايطاليون عند زيارتهم للناحية 2008....ويعزو باحثون ظهور بعض انواع الافاعي وبعض الحيوانات الخطيرة في محافظات العراق الى التغيير البيئي الحاصل في المنطقة بما فيها شح المياه وعمليات التصحر... وكان مصدر طبي في محافظة ذي قار قد اكد للوكالات ان العلاجات التي تقدمها دائرة صحة المحافظة للمصابين بلدغة الافعى غير مجدية، وغير نافعة للمرضى، مما يؤدي الى عدم تحسن حالتهم الصحية وبالتالي تتسبب بوفاتهم).
وعندما زار وفد برلماني المنطقة رفع تقريره الى المالكي ومجلس النواب، مكتفيا بان التهويل الاعلامي عنها يدرج في خانة نظرية المؤامرة والتشويش على عمل الحكومة ووزاراتها التي كان خبرائها يفتشون عن مبررات لتفسير إستشراس هذه الافعى ومشاركتها الناس بيوتهم في قرية "سيد دخيل". وعندما ترافق الحدث مع ظهور تماسيح القادسية الثلاث وتمساح العمارة اصبحت تقارير الوكالات لا تخلو من الطرافة والنقد عند اختيار عنوان الخبر المشترك: [ أفعى سيد دخيل» وتماسيح الديوانية تقترب من بوابة «المنطقة الخضراء» في بغداد].
اذن لم تعد اخطار الافاعي والتماسيح تطرق ابواب محافظات العمارة والقادسية والناصرية والسماوة والبصرة بل داهمت وزارة المالكي ومجلس نوابه ومحافظاته الجنوبية. وفي مثل هذه الحالات يتبرع أصحاب التصريحات الاعلامية ومن ليس لهم علم لا بالافاعي ولا بسمومها بتقديم التصريحات والإيضاحات امام كل ميكروفون مفتوح على الهواء؛ فنائب رئيس لجنة البيئة البرلمانية يصرح لـ «الشرق الأوسط» بملئ فمه: (لا نستبعد نظرية المؤامرة). وهو يتهم الإحتلال ، سواء كان استنتاجه على يقين أو منطلق عن معطيات ملموسة على الارض، أو أطلقها بلا وعي، لكنه قال الحقيقة وأصاب كبدها: لان هناك فعلا مؤامرة امريكية في ظهور مثل هذه الكائنات وتوقيتها واستفحال شرورها في فترة انسحاب القوات الامريكية التي تذكرنا بما تركته القوات الاسرائيلية عند انسحابها من ثغرة الدفرسوار بعد حرب 1973، فعلى ارض دلتا النيل ومن سيناء ان اطلقت وحدات الحرب البيولوجية الاسرائيلية الخاصة اصنافا من الحيوانات والكائنات المدمرة للبييئة، كما هو حال الجرذان المعدّلة وراثيا التي افتكت بطعام الشعب المصري وهاجمت حقول القمح والمزروعات، وخربت الانتاج والاقتصاد الزراعي المصري في دلتا النيل لسنوات طويلة قبل ان يتم اكتشافها بكونها كائنات تعرضت الى طفرات وراثية تستهدف تنفيذ الحروب الاقتصادية ضد الخصم.
بطبيعة الحال نتوقع ان نقرأ عددا من التصريحات والمقالات التي ستربط شراسة الأفعى وتغير درجة سميتها بالجفاف وتبعات النظام العراقي السابق كالعادة وتتجاهل الدور والمختبر الأمريكي الجاثم خلف الكارثة والاحتلال. فالأفعى يربط ظهورها في المنازل مع حالة الجفاف في الأهوار وقلة الاراضي الرطبة التي كانت تقطن فيها. لكن لا احد تحدث عن سر مجيئ التماسيح الى جنوب العراق ومن الذي وضعها او وضع بيوضها لتتفقس هنا وهناك حيثما هو مقرر ومرسوم في خارطة الطريق للرعب الامريكي ما بعد الانسحاب من العراق.
من بغداد: كتب حمزة مصطفى الى الشرق الاوسط: ( منذ عام 2002 ضربت العراق موجة من الجفاف، تميزت بقلة الأمطار، لا سيما الأمطار المبكرة التي كانت تروي الزراعة الديمية التي عرفت بها مناطق شمال العراق، والأمطار الرعدية التي كانت تهطل بغزارة من فبراير (شباط) من كل عام حتى بدايات أبريل (نيسان) والتي كانت تروي مساحات واسعة من الأراضي في وسط وجنوب العراق. وبموازاة ذلك، فإن كمية المياه التي بدأت تدخل العراق عبر نهري دجلة والفرات من تركيا وسوريا بدأت أقل من معدلاتها منذ عقود طويلة من الزمن، في حين بدأت إيران، وعلى الرغم من علاقاتها المتميزة مع الأحزاب والقوى السياسية العراقية، سياسة مائية هي الأكثر قسوة عندما حولت مجاري بعض الأنهر وأغلقت البعض الآخر وآخرها نهر الوند. وتسببت هذه الظروف الجوية والسياسية في تغييرات هائلة في البيئة العراقية، تمثلت بظهور أنواع من الحيوانات والحشرات الضارة والسامة، ومنها أفاع لم تعرفها البيئة العراقية من قبل، مثل الأفعى التي أطلق عليها الآن «أفعى سيد دخيل» طبقا للمنطقة التي ظهرت فيها وهي ناحية سيد دخيل في محافظة ذي قار جنوب العراق، التي يجري تداول حكايات عنها منذ نحو ثلاث سنوات، وأخيرا ظهور تماسيح في محافظة الديوانية (180 كم عن بغداد).
وتختلف التأويلات السياسية والشعبية في تفسير هذه الظواهر، التي وإن كانت لا تزال بعيدة عن تخوم وهموم المنطقة الخضراء المحصنة، إلا أنه بدا يجري تداول أحاديث عنها وإتخاذ إجراءات بشأنها من قبل الحكومة والبرلمان قبل ان يستفحل الامر الى ابعد من ذلك. لم يستبعد نائب رئيس لجنة البيئة والصحة في البرلمان الدكتور حمزة داود الكرطاني، في تصريح لـ «الشرق الأوسط»، ما سماه (نظرية المؤامرة التي يمكن أن تقف خلف هذا الانتشار لهذا النوع الغريب واللافت من الحيوانات»، مضيفا أن «التلاعب بالبيئة العراقية سياسة تقف وراءها دول وأجندات، وفي مقدمة من شجع على كل هذه المسائل هو الاحتلال الأميركي». وأضاف الكرطاني أن «المعروف لدينا أن ما يسمى عندنا (أفعى سيد دخيل) أو الحية السوداء موطنها الهند، وبالتالي فإن ظهورها في العراق خلال هذه السنوات وعدم وجود مصل شاف لها، على الرغم من أنها قتلت حتى الآن أكثر من 30 مواطنا من تلك المناطق وباتت تهدد باجتياح مناطق أخرى - أمر بدا يلفت نظرنا، ومثلها حكاية التماسيح التي ظهرت في الديوانية، وكلها بيئات مختلفة عن بيئاتها الأصلية).
وفي الوقت الذي انتهى فيه الجدل الخاص بتمساح الديوانية، حيث لم يؤشر ظهور تماسيح جديدة في تلك المنطقة، حيث يتفرع نهر الديوانية من نهر الفرات، فإن الجدل بشان «أفعى سيد دخيل» بات يطرق أبواب السياسيين بقوة، لا سيما أن أعضاء البرلمان العراقي عن محافظة ذي قار بدأوا يحذرون من وصول هذه الأفعى إلى مركز مدينة الناصرية وهو ما يعني اتساع رقعة انتشارها ومخاطرها معا. لكن وزارة الصحة لجأت الى مسكنات التصريحات المهدأة حين أعلنت منذ أيام: أنه تم توفير المصل المضاد لسموم هذه الأفعى التي من المتوقع أن تبدأ بالاختباء تدريجيا مع انخفاض درجات الحرارة لتعاود الظهور الصيف القادم، في وقت لم يعد بمقدور أحد أن يتكهن بنوع الحيوان الغريب الآخر الذي ينتظره العراقيون صيف عام 2012.
وفي انتظار اخبار التفجيرات والسيارات المفخخة من مدن العراق بيوم العيد وخلال شهر رمضان ، جاءت الاخبار الصاعقة والعاجلة من قرية سيد دخيل، حيث كتب : احمد عبيد مظلوم في يوم الأحد 4 سبتمبر 2011 عن : ( افعى سامة ظهرت في اول ايام عيد الفطر المبارك وهجمت على عائلة في الريف في ناحية سيد دخيل في محافظة ذي قار في العراق، ولدغت العائلة باكملها وقتلت 20 شخصاً) وعقب الراوي (... وهناك افاعي جديدة ظهرت في المنطقة أدت الى نزوح الاهالي الى مناطق اخرى وناشد مدير ناحية سيد دخيل صحة ذي قار لايجاد علاج للدغات هذه الافاعي، وطالب الحكومة التدخل) واضاف : (... وهناك انواع كثيره من الافاعي تحاول دخول مركز المدينة واسم هذا النوع من الافاعي "ابو صليب" ظهرت اول مرة في العراق عام 1914، وظهرت الان في ناحيه سيد دخيل وهذه ليس قصة وانما حقيقة).
أما عضو مجلس النواب عن محافظة ذي قار كميلة الموسوي عن حزب الفضيلة الإسلامي وزميلتها من كتلة المواطن فقد طالبتا رئاسة الوزراء ومجلس النواب ووزارة الصحة ولجنة الصحة البرلمانية الى اتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ سكان المحافظة من خطر أفعى سيد دخيل .قالت الموسوي في بيان لمكتبها الاعلامي: (من خلال زيارتنا للمسؤولين في المحافظة ومصادرنا الخاصة تأكد لنا ان وصول افعى سيد دخيل الى مركز المحافظة ليس مستبعدا، وانها باتت تشكل خطرا على حياة المواطنين ولابد من معالجة الامر) .وأضافت: (سنخاطب الجهات المعنية كافة بكتب رسمية أيضا للحيلولة دون تعرض المزيد من المواطنين الى خطر لدغات أفعى سيد دخيل. وتعد هذه الأفعى من اخطر الأفاعي المهجنة في العالم، لصغر حجمها ومفعول سمها القاتل والذي لم يكتشف له علاج لحد الان).
بتاريخ 17 سبتمبر اعلن مرة اخرى عن: (ارتفاع الإصابات بلدغة "أفعى سيد دخيل" في ذي قار) وعن (ارسال مجلس النواب وفدا من لجنة الصحة والبيئة النيابية إلى محافظة ذي قار للوقوف على حجم الإصابات التي شهدتها المحافظات جراء لدغات أفاع ... وقال عضو اللجنة جواد البزوني إن الوفد سيطلع في زيارته على الإجراءات الصحية المقدمة للمصابين بلدغات الأفاعي.). وفي الوقت الذي سمع الرأي العام العراقي والدولي عبر حصة (قضية راي عام) التي بثتها قناة البغدادية يوم 24 سبتمبر 2011 مسجلة من قرية سيد دخيل وتحدث العديد من اهالي الضحايا عن تعداد قتلاهم وضحاياهم ومعاناتهم، التي لم يكفي لاستيعابها وقت الحصة التلفزيونية على مدى ساعة ونصف بغياب ممثلي السلطات الرسمية من صحة وبيئة وزراعةوالتي لم تحضر البرنامج رغم دعوتها للرد على التساؤلات والاتهامات الخطيرة التي احتج بها المتحدثون عن مأساة عوائلهم. رغم الحقائق نقرأ تصريحا لاحد اعضاء لجنة مجلس النواب المدعو البزوني الذي نقلت عنه الوكالات قبل ذلك بتصريحه: (... نفى البزوني الإحصائيات التي أشارت إلى وفاة 50 شخصا في ذي قار بسبب لدغات الأفعى المعروفة بأفعى سيد دخيل، موضحا أن الإحصائية الحكومية تشير إلى وفاة شخص واحد خلال العام الجاري). هل سيتجرأ السيد النائب بالاعتراف بخطأ تصريحاته.
ولا ادري ما إذا سيرد البزوني على الرأي العام المحلي والعراقي وهو يرى احد مضايف ناحية سيد دخيل وهو مكتض بممثلي الاسر المنكوبة وقد جاءت للحصة التلفزية لطرح مأساتها مع هذه الأفعى. شاهدناالعشرات منهم بقى خارج اطار صورة الكامرة التي لم تستوعب كل أعضاء المشهد المأساوي لسكان سيد دخيل. وهل الاكتفاء ببعض العبارات للمواساة والتضامن اللفظية سيعفي السلطات عن المسؤولية التامة باكتفائهم القول: ( ويتسبب ارتفاع درجات الحرارة، فضلا عن شحة المياه في فصل الصيف إلى خروج أعداد كبيرة من الأفاعي والحشرات الزاحفة من مناطق الأهوار باتجاه مدن جنوبي العراق، الأمر الذي يتسبب بارتفاع عدد الإصابات بلدغات الأفاعي).
وما ذا سيرد البزوني وممثلي محافظة ذي قار في البرلمان والمجلس المحلي للناصرية على التقارير الصحفية لمعظم الفضائيات العراقية والامريكية ومنها ما جاء في تقرير مراسل "راديو سوا" في بغداد عمر حمادي: باختصاره المأساة من خلال الخبر التالي الذي نقله الى مستمعيه صباح الاربعاء 7/9/2011 بالصيغة : (أودت بحياة أكثر من 50 مواطناً.. أفعى سيد دخيل.. الكابوس واللغز).
في الثامن من سبتمبر 2011 قام فريق من متحف التاريخ الطبيعي التابع لجامعة بغداد بزيارة ميدانية إلى ناحية سيد دخيل شرق الناصرية مركز محافظة ذي قار للوقوف على ظهور أفعى سيد دخيل ومهاجمتها للأهالي.نقل بيان لوزارة التعليم العالي تلقت وكالة "كل العراق" [أين] نسخة منه عن مدير المتحف محمد صالح القول: (... زيارتنا الى منطقة سيد دخيل تأتي بتوجيه من وزارة الصحة لمعرفة نوع هذه الأفعى وإيجاد الأمصال المناسبة لها) .وأضاف صالح أن: (ظهور هذه الأفعى هو نتيجة للتغيرات البيئية التي حصلت في المنطقة بما فيها شح المياه وعمليات التصحر وعدم توفر الزراعة).
وأوضح صالح: ( قمنا بوضع ملصقات توجيهية في شوارع الناحية تتضمن عددا من النصائح للأهالي بضرورة الالتزام بها تفاديا من تعرضهم لمهاجمة هذه الأفعى فضلا عن أنواع الأمصال التي يجب أن تتوفر في المنطقة مع صحة المحافظة وتوفير سيارات إسعاف لنقل المصابين الى المستشفى بأسرع وقت ممكن). وأشار صالح إلى أن (متحف التاريخ الطبيعي وبالتعاون مع جامعة ذي قار سيقيم ندوة مطلع الأسبوع المقبل في ناحية سيد دخيل للحديث عن هذه الأفعى، والوقاية منها، وأنواع الأمصال التي يمكن أن تعالج الأشخاص المصابين بها). لافتا النظر إلى
... إن هذه الأفعى تعتبر احد أربعة أنواع الأخطر في العالم والتي تفتك بأرواح البشر؛ حيث ساعدت ظروف قلة الزراعة وشحة المياه وظاهرة التصحر ، على انتشارها) .كما أن نوع الأفاعي الموجود في ارض العراق ليست من نوع الكوبرا القاتل الذي ظهر في الناصرية أو النوع الثاني الذي يسمى " ام الصليب " التي تبيض من 4 إلى 5 بيضات، وفي كل بيضة 60 أفعى صغيرة تخرج باعداد هائلة متجة الى المناطق والبيوت.
المفارقة ان الرابط بين مأساة الافاعي وظهور التماسيح في العراق في وقت متقارب هو أن الحيوانين من النوع البيوض، وهما من الحيوانات التي تتكاثر بسرعة عالية، كما أنهما من أخطر المخلوقات على وجه الأرض ليس منهما اية فوائد لا بيئية ولا اقتصادية. والمعلومات المتداولة تفيد أن تماسيح نهر الديوانية من نوع تماسيح القارة الأمريكية، اما الأفاعي فهي من النوع الأفريقي أو الآسيوي. وهذه ليست معطيات علمية دقيقة بقدر ما هي إشاعات قابلة للتثبت او الدحض العلمي، ولكن الثابت والمنطقي أنه يستحيل أن تصل هذه الحيوانات والكائنات وتتسرب الى العراق بشكل طبيعي.ومعنى هذا أن "يدا" و"جهة" معينة جلبتاها الى العراق، وأن العملية تندرج في إطار الإرهاب البايولوجي، والتخريب للتوازن البيئي، وهو الأرهاب الامريكي الجديد الذي بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي وما زال مستمرا،وسيدمر بيئة العراق والعراقيين ومحيطهما الاقليمي.
ان كل الاصابات التي تناقلتها وكالات الانباء والشهادات التلفزيونية كانت قاتلة تزامنت وتشابهت في صورة معاناة الضحايا المنقولين بمساعدة عوائلهم الى مستشفى الناصرية مع عذابات التسمم القاسية الموصوفة: بحالات العمى والنزيف الموضعي الحاد عند موقع العضة ومن ثم الاطراف، اضافة الى نزيف الانف والاذن والحنجرة والتقيؤ والهستيريا العصبية ونوبات فقدان الوعي. وعند وصول الضحايا ابواب المستشفيات الموصدة لايقابلوا بالرعاية الصحية والإنسانية في المستشفى المختزلة خدمتها بالتهرب عن المسؤولية من خلال عبارات " لا توجد لدينا أمصال" أو " هاتوا قناني من الدماء" او " اذهبوا الى البصرة" كي يموتوا أخيراً باليأس من جدوى الحياة وهم يقطعون طريق الآلام الى البصرة.
لقد بخلت الدولة على قرية سيد بخيت حتى بالاسعافات الاولية وسيارات الاسعاف الكافية او بالقيام بالتوعية المطلوبة والملصقات التوضيحية والارشاد وتقديم الاجراءات البسيطة اللازم اتخاذها للعناية بالضحايا قبل نقلهم الى مركز المحافظة، منهم فتاة أنقذها القدر المحتوم عندما شد والدها رجلها بضمادة بقوة لمنع انتقال السم الى ساقها عبر الدورة الدموية وتسمم البدن.هكذا عاشت الطفلة زهرة حسين ناصر بشهادة ووعي والدها الشجاع امام محنته وقيامه بإجراء ابسط وسائل تقديم المساعدات الاولية التي يمكن ان يقدمها أي مركز صحي في الناحية،ومهما كانت إمكانياته قبل نقل الضحية الى المستشفى البعيد في الناصرية. ان شهادات مماثلة لحالة الطفلة زهرة حسين تؤكد انقاذ حالات مماثلة بعد أن تم تقديم الإسعافات الأولية المطلوبة للضحايا.
تصف عوائل الضحايا ومرافقيهم لوسائل الاعلام مشاهد الرعب واللامبالاة وسيادة الرشوة لإدخال الضحايا الى بوابةواسرة وردهات الموت في مستشفى الناصرية او عند نقلهم الى البصرة، يكفي تكرار الناس اخبار أفعى سيد دخيل، ورعبها أو ما يطلق عليها " حية أم الصليب" التي يتم تداول أخبارها منذ سنوات، قيل عنها بأنها من أصول آسيوية أو من صنف الكوبرا الهندية وانها سمية وقاتلة. رآها الناس في بيوتهم وحملوها الى المسؤولين من ناحية سيد بخيت حتى المنطقة الخضراء، فهي تتراوح أطوالها بين (30 – 100)سم. وتسير بشكل حلزوني، وتحمل علامة الصليب بمقدمة رأسها وقابلت المسؤولين من كل التخصصات حية وميتة ولم يهتز لها ضمير الواجب المطلوب.
شهادة احد الناجين المدعو حسين كوين الذي يبلغ من العمر (55) عاماً، من سكان قرية الجزرة، وهي إحدى القرى التابعة لناحية سيد دخيل في محافظة ذي قار، يروي تفاصيل الحادث الذي تعرض له قائلا: (هاجمتني الأفعى المعروفة بـ"أفعى سيد دخيل" حينما كنت في طريقي إلى القرية المجاورة ليلا لزيارة أحد الأصدقاء.. فبينما كنت أسير أحسست بوجود شيء غريب تحت قدمي، وإذا بي أرى الأفعى وقد التصقت بإحدى قدمي، حاولت جاهداً أن أتخلص منها من خلال تحريك ساقي بقوة لكنها لم تتركني إلا بعد أن لدغتني في أحد أصابع قدمي).
ويضيف حسين كوين: ( بعد مرور أقل من دقيقة بدأت أتصبب عرقا وأصبت بدوار، وما هي الا لحظات حتى بدأت أفقد الوعي شيئاً فشيئاً، ولم استفق الا في المستشفى حيث قضيت عشرة أيام أتلقى العلاج، وقد نجوت من الموت بأعجوبة). وتابع كوين انه بدأ ينزف دماً من أسنانه وأصابع قدميه، خلال مدة علاجه، وكان الملاك الطبي في المستشفى يعوضه بقناني الدم بإشراف الدكتور حيدر الياسري، ثم بدأ يستعيد صحته تدريجياً لحين تماثله للشفاء التام ومغادرة المستشفى. (... بدت علامات الخوف تغطي وجهه عندما استفاق ليجد نفسه مستلقياً على سرير بين أربعة جدران، ولا وجود لأي أثاث سوى منضدة صغيرة متحركة وكرسي قديم، سرعان ما تيقن أنه راقد في ردهة مستشفى حينما رأى جهاز إعطاء مربوطاً بأنبوب بلاستيكي يخترق طرفه الآخر إحدى ذراعيه،استعاد حسين كوين ذاكرته حينما دخل عليه أحد افراد عائلته كان يرافقه في المستشفى حيث يتلقى العلاج اثر تعرضه الى لدغة الأفعى المعروفة بـ"أفعى سيد دخيل".).
لقد كان حسين كوين واحدا من المحظوظين الذي عاش رعب الموت وهو ينتظر بقاء الحياة بوصول المصل او العناية المطلوبة به، وحين وجد طبيبا متفهما لحالته الانسانية والطبية عالجه بصبر من دون وجود الأمصال، وهناك من تبرع له بقناني الدم المطلوبة لسد فقدان النزف .
ولم يكن حسين كوين وزهرة حسين ناصر، الضحية الوحيدة التي نجت، فهناك عشرات الضحايا الذين تعرضوا للدغة الأفعى في تلك المنطقة وعاشوا بعد تقديم المساعدة. يروي الضحية عبد الله مزعل من قرية أم الدهن التابعة للناحية نفسها تفاصيل حادث مماثل تعرض له في الحقل حيث كان يمارس عمله في الزراعة، يقول: (بينما كنت أسير بين ألواح الخضرة في الحقل شعرت بوخزة في قدمي اليسرى تشبه الى حد ما وَخزة الإبرة، لكنني تجاهلت ما حصل وحاولت مواصلة المسير ولم اخط سوى خطوات معدودة حتى ساورني الشك بما تعرضت له، قررت اثر ذلك أن أعود أدراجي الى المكان الذي أصبت فيه حيث وجدت أفعى رمادية اللون تحمل علامة الصليب في مقدمة رأسها، علمت حينها ان الوخزة كانت لدغة أفعى سيد دخيل). ويضيف قائلا: (سارعت فوراً بالعودة الى منزلي القريب وتم بعد لحظات نقلي الى المستشفى العام وهناك تلقيت العلاج بعد أن فقدت كمية كبيرة من الدم، وتماثلت للشفاء بعد ذلك بأيام).
والحال لم تختلف كثيرا مع سعد مهدي داغر، وهو من سكنة قرية آل حسن التابعة للناحية. إذ يقول: ( في أحدى الليالي وبينما كنت في طريقي إلى الحقل هاجمتني أفعى بتراء رمادية اللون يبلغ طولها نحو نصف متر، وتحمل على رأسها صليباً، فتأكدت أنها الأفعى القاتلة المعروفة بأفعى"سيد دخيل"، وبعد أن لدغتني من قدمي، أسرعت بربط ساقي بقطعة قماش في محاولة لمنع سريان السم في أنحاء جسدي. ويضيف: "تم نقلي الى المستشفى ورقدت فيه تسعة أيام فقدت خلالها كمية كبيرة من الدم من جميع أنحاء جسدي، لكنني خضعت الى علاج طبي وتحسنت حالتي الصحية تدريجيا) . وتابع: ( وبعد مرور أربعة أيام تعرضت شقيقتي حسنة مهدي البالغة من العمر25عاما إلى لدغة الأفعى أيضا عندما كانت تجني محصول الخيار من الحقل وفارقت على اثرها الحياة بعد ساعات قليلة).
وعندما يشهد أحد المواطنين من ضحايا عضة أفعى سيد دخيل عام 1994، انه عاش بعدها ، ولم يتوان لحظة عن تقديم المساعدة لضحايا آخرين و: ( انه كان يلبي طلبات الناس بالتوجه الى المستشفيات بالتبرع بدمه لمن يحتاج الى التطعيم او المصل وقد تبرع باكثر من 26 لترا من دمه للملدوغين دون ان تهتم السلطات الصحية بحالة صحته التي استنزفها التبرع المتكرر بالدم).
حضرت تصريحات مسؤولي البيئة المحلية وغابت وزارات الصحة والزراعة والاهوار وخبراء وزارة التعليم العالي ومخبر الاحياء المركزي بجامعة بغداد الذي اكتفى بوضع الافعى ضمن مقتنياته الثمينة ووضعها على رفوفه الاكاديمية واوصى بنشر ملصقات في قرى ناحية سيد دخيل متمنيا لهم الشفاء والوقاية من شرور سموم الافاعي. ذلك هو المشهد الدرامي لناحية سيد دخيل ظل متوقفا عن اجراء الحراك العلمي المطلوب من جامعات القطر وليست جامعة ذي قار الفتية التي لا تملك شروى نقير في عالم السموم والامصال. صار المشهد مجرد اجتماعات وتوصيات على الورق حين اختلف الفقهاء في السياسة والقانون والادارة في تسمية حالة ناحية سيد دخيل: هل هي ناحية منكوبة أو في حالة كارثية، او مجرد في حالة طوارئ مؤقتة. اكتفى الآخرون بالتفرج على نقل الجثامين الى مقابر النجف لدفنها لمن استطاع اليها سبيلا.
لم يخف المواطنون مأساتهم منذ عقود سواء مع الافعى او غيرها من كوارث العراق المنكوب وقد أوجزها حسنة الإبراهيمي، نيابة عن العشرات المنتظرين للتصريح أمام كامرة قناة البغدادية مساء 21/ 9/ 2011 في برنامج "قضية رأي عام" : ( بأن الأفعى هي الإرهاب بغياب الكهرباء.... وان الأفاعي نعرفها هنا منذ الثمانينيات... ولم تقدم مصالح البيئة او الصحة لنا شيئا... وان الوصول الى مستشفى الناصرية ودخوله لا يتم إلا برشوة علنية وعلى رؤوس الاشهاد من الباب الى الردهة والسرير.... و بعدها يُطلب من أهل الضحية نقلها إلى مستشفى البصرة بحجة عدم توفر الأمصال... خيار البقاء في الناصرية عذابا او الانتقال إلى البصرة يأساُ ، ويعني الموت المحقق للضحية).ويحتج مواطن آخر: ( إن إجبارنا على التنقل مع الضحية المشرفة على الموت الى البصرة باتت وسيلة ليتخلص فيها مسؤولوا صحة ذي قار من تسجيل عدد الوفيات في مستشفاهم).
ومن دون تردد صرخ أحد المواطنين أمام كامرة البغدادية: (حتى في زمن الطاغية كانت تتوفر الامصال... اين الحكومة التي استقبلناها في وقت الحملات الانتخابية) وأضاف حسين شيال: ( انا اعيش هنا منذ 40 سنة والفت رؤية كثير من أنواع الأفاعي من الكوبرا الى أُم رأسين ومنها باطوال تزيد على المتر، ولكن لم اعتد أن أرى الأفاعي تدخل بين النوم وتلدغ ابني وتقتله).
يحذّر مدير بيئة ذي قار المهندس راجي نعيمة، من خطورة زحف أعداد من هذه الأفاعي باتجاه مركز مدينة الناصرية، موضحا ان الظروف مهيأة تماما لذلك بسبب اتساع مساحات التصحر وارتفاع درجات الحرارة. لكن المواطنين بخبرتهم الحياتية وحسهم الفطري يضيفون أسبابا أخرى، إضافة إلى الجفاف والتصحر وارتفاع درجات الحرارة، هي الصيد الجائر للطيور والسموم التي انتشرت في البيئة التي قضت على الكثير من الحيوانات والطيور القادرة على القضاء على هذه الأفاعي كالقنافذ والجرذان والصقور والإهمال الرسمي الذي تجاهل الكارثة قبل استفحالها، ويذهب البعض إلى التشكيك في ظهور عدد من الأنواع من الأفاعي والحيوانات لا عهد للسكان بها قبل الغزو كفصائل من الكلاب الشرسة. ان تعليق الاخطار على مشجب تجفيف الاهوار لا يمكن ان يفسر الظاهرة بشكل ناجع وعلمي دقيق.
تطرح ارقام متفاوتة بالتقديرات المتباعدة عن وضع الحالة الكارثية، وتداول الظاهرة يتم من دون إحصاء أو مرجع رسمي يمكن الاعتماد عليه، وبات توزيع أعداد وفيات الضحايا في مستشفى الناصرية منها، أو في مستشفيات البصرة أو السماوة او الموت في بيوت المنكوبين في قرى ناحية سيد دخيل سياسة عامة وممنهجة؛ تسعى الى تبعثر الرقم الحقيقي للضحايا ونثره ما بين المؤسسات.وما بين التصريحات الصحفية المضللة، وصمت الجهات الرسمية المسؤولة تكمن المتاهة، لكن الحقيقة المؤكدة تبقى هي ان عدد الضحايا الذين فارقوا الحياة بات يتصاعد يوميا، ويميز ما بين الحالات المتداولة والمسجلة ما قبل وما بعد عام 2003 جرّاء تغير نوع الأفعى وبيئتها وسلوكها العدواني ولجوئها الى البيوت، وتعرض المواطنين من مختلف الأعمار إلى عضاتها في اغلب القرى التابعة لناحية سيد دخيل، خاصة بغياب الإسعافات الأولية وتجاهل مستشفى الناصرية وصحة محافظة ذي قار لحجم الأخطار المتفاقمة والمنتظرة حتى وصلت بيوض ورؤوس الأفاعى وصغارها إلى باب المحافظة عبر نقل الأتربة المنقولة الى مركز المحافظة. وتتعرض جميع القرى من أصل 17 قرية تابعة للناحية لمخاطر هذه الافعى ، واغلب الضحايا من قرى أم الدهن وآل حسن والفرهة والكبص والحمران وغيرها بلا أمل بالشفاء عند تعرضهم للاخطار.
بشأن معالجة هذه المشكلة، يقول معاون مدير دائرة صحة ذي قار الدكتور عدنان المشرفاوي: ( قمنا وبمساعدة المجلس البلدي في ناحية سيد دخيل وبالتعاون مع فريق من كلية العلوم، بأخذ عينات من أفعى سيد دخيل وارسالها الى معهد التاريخ الطبيعي لغرض ايجاد مصل يعمل بشكل سريع لمعالجة المصابين). والمعلوم ايضا هنا هو وصول الافعى حية وميتة الى ارشيف معهد التاريخ الطبيعي ببغداد ولم يصل ترياقها الى سيد دخيل بعد.
تؤكد مديرية صحة المحافظة إمتلاكها مصل (بولي فولنيث) القادر على علاج الحالات خلال ست ساعات من تعرض الشخص للدغة؛ بيد أنه كما توضح المديرية : أن تأخر وصول المصابين خلال تلك المدة يحول دون التمكن من علاجهم. وما بين وجود وتوفر الأمصال بات الجدل محتدما بمصداقية تلك الادعاءات وصحتها لتناقض التصريحات التي قرأناها عن الموضوع ما بين وجود مصل او عدم وجوده او انتهاء مفعوله او انه مصل لأفاعي أُخرى. وهكذا اختلط الحابل بالنابل. أهو جهل ام عمى البيروقراطية في زمن الديمقراطية في العراق. أشار المسؤول الصحي: (الى ان هناك اجتماعات مشتركة للدوائر ذات العلاقة انعقدت في مجلس محافظة ذي قار للبحث في إيجاد حلول لهذه الظاهرة). ولم نسمع سوى بتصاعد أعداد الوفيات وكثرة الشماتة بالإدارة من خلال السخرية السوداء.
كتب جواد كاظم خلف، احد زوار المواقع الالكترونية بتاريخ : الأربعاء 07-09-2011 ، واحدة من المعالجات المقترحة على المسؤولين التي غابت عنهم الفطنة منذ سنين
عليكم بإكثار الصقور والقنافذ والقطط، وهذا أفضل حل طبيعي، لا كيمياويات ولا هم يحزنون لأنها تؤثر على صحة الناس والغطاء النباتي). وعلق نفس الزائر على كلفة تنفيذ مشروع مكافحة بيولوجية كهذا : (... الموضوع فيه مبالغة أيضاً، وخاصة في المناطق الريفية .... فشراء مائة صقر صغير السن من أوربا لايكلف أكثر من عشرة آلاف دينار، ويتم تطبيعها لأسابيع في بيئة جنوب العراق قبل إطلاقها، وهي التي سوف تتعامل مع الأفاعي بشرط عدم إصطياد الصقور!). وعلّق آخر بخبث وذكاء مقصود: (... لابد من وزارة جديدة لاستيراد وتربية وتغذية الصقور... ويجب ان توضع لها ميزانية خاصة لا تصل الى جيوب مدراء الفساد الإداري والمالي في الوزارات والمحافظات وحتى منظمات المجتمع المدني... أما القنافذ المقترحة لإصطياد أفعى سيد دخيل فهناك خشية من تطور الأفعى أساليبها الهجومية وتعلمها إستراتيجيات جديدة للهجوم لاصطياد وابتلاع القنافذ والقطط وحتى الصقور قبل أن تهاجمها وتخّلص سكان سيد دخيل من شرورها). تعليق آخر لا يقل طرافة،إشارة الى العلامة التي تُمّيز رأس أفعى سيد دخيل هي طبعة الصليب على رأسها المثلث بقول أحدهم: ( إنها حرب صليبية تكمل حروب بوش العسكرية والبيئية في العراق التي تمت تحت رايات صليبية رفعها المحافظون الجدد).
دعا النائب البرلماني محمد كاظم الهنداوي حكومة المنطقة الخضراء الى التدخل السريع لإنقاذ أهالي ناحية سيد دخيل في محافظة ذي قار من الخطر الذي تشكله ظاهرة انتشار الافاعي السامة والمعروفة بأفعى سيد دخيل. وأشار ألهنداوي في مؤتمر صحفي عقده في مبنى البرلمان قبل أيام: ( إن الأفاعي التي انتشرت نتيجة الجفاف الذي أصاب الأهوار تسببت بمقتل 36 شخصا حتى الان). وبتصريحه هذا يكذب تصريح زميله السابق جواد البزوني الذي اختزل الرقم المتداول بين السكان من 50 ضحية الى تسجيل ضحية واحدة فقط خلال هذا العام. طالب النائب محمد كاظم الهنداوي الجهات المختصة ( باعتبار ناحية سيد دخيل منطقة منكوبة، وبناء مركز صحي ي -
السكايا البابلية وقدر الملوك في الخريف العربي
السكايا البابلية وقدر الملوك في الخريف العربي
ا.د. عبد الكاظم العبودي
لعل أشهر ما إشتهر به جيمس فريزر(1854 ـ 1941) هو كتابه المعنون:"الغصن الذهبي... دراسة في السحر والدين"، الكتاب الذي ظل لفترة طويلة موضع جدل طويل، تضاربت حوله الآراء ما بين معجبين به، يجدون في طياته الكثير من حكايات الملاحم الانسانية والأساطير التي تركها الاقدمون تروي قصصاً وعبرا لمن يقرأها، وما بين مستخفين به وبجهده واستنتاجاته، بوصف كتاباته أنها مجرد "هراء علمي"، إنطلاقا من نظرتهم اليه، والى أصحاب المدرسة التطورية التي إعتمدت إعتماداً كبيراً على التاريخ الظني أو التاريخ التخميني Conjectural Historyالذي كان الباحث بمقتضاه يتصور وجود أحداث لم يقم عليها الدليل على حدوثها بالفعل في الماضي وذلك حتى تظهر نظريته في صورة منطقية محكمة. ونظراً للنقص الشديد في المعلومات الاثنوجرافية المؤكدة عن ماضي بعض الثقافات يجري الالتجاء لوسيلة اخرى تعتمد على ما يسمى بـ "الرواسب الثقافية" او مايسمى "التاريخ الظني" كمصادر يمكن الاستعانة بها عند البعض.
عمل فريزر بطريقة منهجية على ربط الآراء أو"النظريات" العديدة التي صاغها عن الدين والسحر والفولكلور والطوطم والتابو وأرواح الموتى وما إليها ليتصور منها إجابات كان يطمح في الوصول اليها. وقد أثر كتابه "الغصن الذهبي" تأثيرا كبيرا في الأنثروبولوجيا البريطانية حتى مطلع وأواسط القرن الماضي.
ما يهمنا من ذلك الكتاب، في عصر الربيع العربي الذي يتواصل الآن مع خريفه، ما يتعلق بالاساطير التي سجلها هذا الكتاب حول "نظام الملك"او "الحكم"والتنظيمات الإجتماعية في المجتمعات البدائية، وكيف تقرر تلك المجتمعات طريقة منح الحكم او عزله عن الأفراد.لعل نظام أو سلطة"المَلِك"قد انتقلت بصيغة ومن مصدر بدأبـ"المقدّس" أو "المؤَلّه" الى "الملك" الحاكم على الأرض، بوصفه كائناً متميزاً، ورد بصيغة إله تارة أو نصف إله تارة أخرى عند البدايات التي أشارت اليها أساطير الخلق والتكوين، أو من سلالة بشريةبـ "نصف تأليه"أو هو من"أبناء الآلهة" نفسها،قد يكون وصل الى الحكم بصورة بشرية.
كثيرون بعدهم وجدوا الصيغة للحكم التي تُلائم تطور عصرهم وزمانهم عندما يكتسبون الحكم بعناية أو توصية إلهية، وهم يستمدون في أغلب الأحوال شرعيتهم من خلالها، مباشرة أو بالتفويض أو بمباركة الهيئات الدينية وكهان المعبد أوالمؤسسة الدينية التي تجتهد لإختلاق صيغة الحكم واللقب للحاكم الذي يحكم به مواطنيه ، فتارة هم"خلفاء"، و"حكام" و "ملوك" من نسل نبيل، وهم أيضا"سلاطين" موَّرّثون، وهم مُبايًعون وأُمراء للمؤمنين أو المسلمين. حتى الإنقلابيين لهم نصيبهم من التفسير فهم قد حفظتهم وإختارتهم الاقدار والعناية الإلهية لحكم شعوبهم، وسيمنحهم الكرسي المحمي بالدبابة والعسس ودعاء الامة شرعية البقاء حتى تقرر القوة الأكبر منهم نزع السلطة عنه.
يبدأ الكتاب بمعالجة أسطورة قديمة مؤداها: (ان كاهن الإلهه ديانا في نيمي ـ وهو في الوقت ذاته "ملك الغابة" التي تسكنها الآلهة ـ لا يصل الى مكانته السامية إلا إذا تمكن من قتل الكاهن، الملك السابق له، الذي يحتل المكانة بالفعل، واستولى منه عنوة على السلطة بنوعيها: سلطة الملك وسلطة الكهنوت... وإنه قبل أن يفعل ذلك لا بد من أن يقطع غُصناً معيناً من شجرة معينة بالذات،[يعتقد الكاتب انه الغصن الذهبي الذي ورد ذكره في شعر قرجيل]. فاذا ما تم له النصر على خصمه، كان عليه أن يعمل ما استطاع للمحافظة على حياته ومنصبه، وأن يدافع عنهما طيلة الوقت، فهو يُدرك تماماً أنه كما قتل سَلَفه فسوف يُقتل بيد خَلَفَه؛ فهذا مصير كل ملك كاهن وقدره).
ان الشخص الاسطوري في اسطورة "ديانا وفيربيوس"، التي كان مسرحها مدينة أريكيا La Riccia الواقعة عند سفح جبل البا، يدعى "فيربيوس"،وكانت تمثله في الأزمنة التاريخية سلسلة من الكهنة الذين كانوا يعرفون بإسم "ملوك الغابة"، اما "ديانا" فهي "ربة الغابة". قدر اؤلئك الكهنة أو ملوك الغابة أنهم يهلكون دائماً بسيوف خُلفائهم، كما كانت حياتهم ترتبط، بشكل ما، بشجرة معينة بالذات داخل الغيضة المقدسة؛ على إعتبار: أنه ما دامت الشجرة سليمة، فقد سلمت حياتهم أيضا من الأذى.تلك كانت شريعة الهيكل المقدس، (... ألا يصل شخص الى منصب الكهنوت إلا اذا قتل الكاهن السابق، فاذا تم له ذلك إحتفظ لنفسه بذلك المنصب حتى يموت بيد شخص آخر، يكون أشد بأساً وأكثر دهاءاً. كان المنصب الذي يتولاه، والذي يتعرض من أجله لكل تلك المخاطر يحمل صفة " الملك". ولكن من المؤكد انه لم يكن هناك من بين أصحاب الرؤوس المتّوجَة، من كان يغزو نومه المضطرب، مثل تلك الأحلام المزعجة التي كانت تهاجم ذلك الملك الكاهن. لقد كان يتعين عليه، على مر السنين وتعاقب الفصول وإختلاف الأجواء، أن يقوم بنفسه بتلك الحراسة الفردية. وحين كان يتمكن من الإغفاء لبعض لحظات خاطفة سريعة؛ فإنما كان ذلك على حساب تعريض حياته للخطر).
من هذه البداية البسيطة تتبع فريزر الأسطورة في أشكالها وصورها المختلفة في كثير من شعوب الارض، سواء في العصور الغابرة أو في الازمان الحديثة، حيث توجد مشكلة الحكم وطريقته، توجد الأسطورة ؛ بل والنظام ذاته يكاد أن يتكرر بصيغة أو أخرى. كان بعض الأنثروبولوجيين الغربيين يظنون أن الظاهرة مرتبطة بالمجتمعات التي وصفت من قبلهم بـ "الهمجية" أو " المتخلفة" أو "البربرية" أو " البدائية" لدى عدد من القبائل الإفريقية والمجتمعات المنغلقة، وعبر البعض عنها متسائلاً: إن كان هذا النظام قد إندثر الآن تماماً أو كاد، مثل جيمس فريزر، رغم أن بعض هذه القبائل لا تزال تقوم بتمثيل الأسطورة، حين تتقدم السن برؤسائها، ويُطلب اليهم إعتزال مناصبهم، وتركها لزعماء آخرين من الأجيال التالية.
لقد شدت تلك الاسطورة انتباه فريزر اليها، فاهتم منذ البداية بالبحث عن إجابة لسؤالين هامين في نظره؛ الأول هو: لماذا كان يتعين على كاهن ديانا في نيمي أن يقتل سلفه الذي سوف يحل محله؟. والثاني: لماذا يتحتم عليه قبل أن يفعل ذلك أن يقطع ذلك الغصن الذي أشرنا اليه، والذي اتخذه فريزر عنواناً لذلك الكتاب؟ . وفي محاولته الإجابة على هذين السؤالين كتب فريزر كتابه الضخم بأجزائه الاثني عشر باحثا في سر الاساطير والدين والسحر.
رغم ان مسار فريزر في محاولته لتحقيق هدفه كان طويلاً ومتعباً،للوصول الى تفسير تلك القاعدة الغريبة في الحكم،والتي كانت تنظم، مثل عملية تنظيم منصب الكهنوت الخاص بالإله ديانا في أريكيا. بحث فريزر طال لأكثر من ثلاثين سنة، وحصيلته مؤلف تضخم الى إثني عشر مجلداً لإيجاد الحل الجائز لتلك المشكلة،أو إيجاد حتى حل مقبول وعقلاني لهذه المسألة؛ فرغم إيجازه، لكنه قدم الكثير من الشواهد والأمثلة الصارخة لأنماط الحكم التي تعاقبت بمأساوية ودموية، وتكررت لدى الكثير من الشعوب والبلدان. وقد يعتقد البعض بمثل مايرده فريزر هنا، ان الحالة قدتظهر في احدى المراحل البربرية للتطور الاجتماعي، لكن فريزر يُشير الى أنها استمرت حتى في عصر الإمبراطوريات، ومنها الرومانية، ويبدو ان جيمس فريزر كان يقصد بإحدى إشاراته الى كلوديوس الاول. والواقع كما ترده الوقائع التاريخية: إن إثنين من أباطرة الرومان، كانا يحملان اسم كلوديوس، ومنهما كلوديوس الاول، الذي حكم ما بين (41 ـ 54)م.، وهو أخو الإمبراطور تيبريوس Tiberius ، كان في شبابه ماجناً ومهرجاً الى حد كبير، لكنه لم يلبث ان تحّول الى طاغية بعد ان تولى الحكم بعد الإمبراطور كاليجولا المشهور بنزواته وقسوته، وقد قتل زوجته الثالثة ميسالينا Messalina لخيانتها وعلاقاتها الفاضحة، وتزوج بعدها من أجربينا Agrippina الصغرى التي تآمرت عليه بعد أن أعلن إن ابنها سوف يتولى العرش بعده، ثم ندم على ذلك، واراد الرجوع عن قراره. وقد تولى ذلك الإبن العرش، وعُرف بإسم نيرون المشهور، نيرون الطاغية، حارق روما.
وما نعرضه هنا باختصارعن حالات أخرى ظهرت في عهود متأخرة نسبياً كأمثلة مختصرة، ومنها:
هناك نمط من الحكم الملكي محدد بفترة زمنية مرسومة النظام كان سائداً في مملكة الخزر القوية التي قامت في جنوب روسيا في القرون الوسطى، حيث كان الملوك يتعرضون للموت، إما عند نهاية فترة زمنية محددة، وإما حين تنزل بالبلاد إحدى الكوارث العامة كالجدب أو القحط أو الهزيمة في الحرب؛ مما كان يُعتبر علامة على إضمحلال قواهم الطبيعية وتدهورها. وبالتالي لا بد من قتلهم أو موتهم.
يقول فريزر حول مثل هذا المثال: (لقد سبق لي أن جمعت في مكان آخر[يقصد ما ورد كتابه الآخر "مقتل ملوك الخزر" ] القرائن والشواهد الخاصة بنظام قتل ملوك الخزر، وهي مستمدة في عمومها من كتابات الرحالة العرب القدامى).ويقول: (... كذلك تزودنا إفريقية بكثير من الأمثلة الجديدة عن نظام مماثل لقتل الملوك. وربما كان أبرز هذه الأمثلة العادة التي كانت مُتّبَعة في الماضي عند "البونيورو"Bunyoro، والتي تقوم على إختيار "ملك زائف" كل عام من عشيرة معينة بالذات، ويفترضون أنه يتقمص شخصية الملك الراحل، ويُباح له بذلك الإتصال جنسياً بأرامله في المعبد الذي دُفن فيه الملك، ثم يقتلونه بعد أن يحكمهم لمدة أسبوع ).
ومن الامثلة المشابهة لنظام الملوك الكهنة السائد في أريكيا أيضاً وجود نظام للكهنة والملوك الأفارقة يعتمد طريقة إرسال هؤلاء الملوك الى حتوفهم في نهاية فترات زمنية مُعّينة، تتراوح بين عامين وسبعة أعوام، كانوا يتعرضون خلالها لكثير من الهجمات، إلى أن يتمكن أحد الرجال الأشداء من قتلهم، وتولي منصب الكهنوت أو الملك بعدهم.يرى فريزر ان تلك الحالة الإفريقية تشبه شبهاً قوياً عند بعض عادات البابليين القدماء في "عيد السكايا" Sacaea؛ فقد كان البابليون يختارون لذلك العيد ملكاُ زائفاً يضعون عليه ملابس الملك الحقيقي ويُبيحون له الإستمتاع بمحضياته وجواريه، وتولي مقاليد الحكم فيهم لخمسة أيام، بعدها يجردونه من ملابسه، ويُنزلون به أشد أنواع العذاب حتى يلقى حتفه. وحسب فريزر أيضاً: لقد تم العثور على بعض النقوش الآشورية التي تلقي المزيد على مثل هذا المعبد وتلك الطقوس؛ والتي يبدو انها تعزز ما يفسره البعض : في إحتفال السنة الجديدة عند القدماء، وهو أصل عيد البوريم Purim عند اليهود.
بعد عرض الكثير من الامثلة وغيرها من العادات المماثلة لدى قبائل وشعوب لم يعد من الميسور أن تعتبر تلك الاساطير أو تلك الأحداث قاعدة للخلافة للحاكم، أو تولي منصب الكهنوت الخاصة بالإلهه ديانا، أومسرحها مُنحصراً في أريكيا كحالة استثنائية، فهي أمثال، تُشكل بلا ريب ظاهرة، أو نظام شائع الى حد كبير، في ازمنة وأمكنة متعددة في العالم. وإن كانت معظم الحالات والامثلة المشابهة تأتي من أفريقيا أو بلدان وصفت بالتخلف. لكن الانقلابات في الانظمة الشمولية التي شهدها القرن العشرين فيها من الأمثلة الكثيرة على عنف التداول على السلطة ضمن الحزب الواحد والعائلة الحاكمة الواحدة والبلد والعشيرة والواحدة.
يسجل فريزر زعمه المماثل، مُسجلا بعض الوقائع والحقائق التي تدل على أن إيطاليا قد تعرضت لبعض التأثيرات الوافدة من إفريقيا، أو إن بعض الجماعات الافريقية، تكون قدإستوطنت في جنوب أوربا في زمن مبكر، فالعلاقة بين القارتين في عصور ما قبل التاريخ غامضة. وهو يطلب المزيد من البحث والتحري في مثل هذه الظواهر.
ان النقطة الرئيسية التي تسترعي الانتباه لدى فريزر وغيره، هو التوقف عند لقب السلطة المسمى "الملك"، ولماذا كان يسمى "ملك الغابة"؟ ولماذا كانت وظيفته توصف بأنها "ملكية" أو انه "الملك"؟ . وقد كان مثل هذا الامر في إيطاليا وفي بلاد الاغريق، حيث أخذ الكهنة في روما وغيرها في مدن لاتيوم القاباً، من مثل "ملك القرابين" أو " ملك الشعائر المقدسة"، كما كانت زوجاتهم تحمل لقب " ملكة الشعائر المقدسة" أيضاً. حتى في أثينا الجمهورية، كان الحاكم الثاني، الذي يُختار سنوياً للدولة يلقب بـ "الملك". وتدعى زوجته بـ "الملكة"؛ رغم أن واجباتها، يُفتَرض ان تكون دينية خالصة. كذلك كان لكثير من الديموقراطيات الإغريقية الأخرى ملوك إسميون، لهم وظائف دينية تدور حول الموقد العمومي للدولة، كما كان لبعض الدول الإغريقية عدد من الملوك الإسميين الذين يتولون السلطة معاً في وقت واحد. وفي روما كانت التقاليد تقضي بتعيين "ملك القرابين والأضاحي" حتى بعد إلغاء النظام الملكي لكي يقدم القرابين التي كان يقوم الملوك بتقديمها في الماضي.
وقد شهد انهيار سلطة الخلفاء العباسيين والأمويين عدم تحكمهم من السيطرة على أطراف دولة الخلافة الاسلامية، التي تعطيهم وحدهم لقب "أمير المؤمنين" وتتم لهم بالبيعة العلنية. فقد ظهر ولاة و" أشباه ملوك" يتسمَّون تارة " ولاة" أو حتى " سلاطين" كما هو الحال في العهود البويهية والسلجوقية، حيث يحكم السلاطين وابنائهم تحت ظل وجود رمزي " للخليفة" لا يحكم ولا يقرر بأي شئ.
وهكذا فان الجمع بين الوظائف الكهنوتية والسلطة الملكية كان أمراً مألوفاً في كثير من المناطق، فلقد كانت آسيا الصغرى مثلا مركزا لعدد كبير من العواصم الدينية الكبرى التي سكنها آلاف من العبيد المقدسين ويحكمها رؤساء دينيون كانوا يجمعون بين السلطتين الزمنية والروحية مثل بابوات روما في العصور الوسطى.
واذا كانت كل الأنظمة الملكية العربية المعاصرة، قد طرحت مشروعية إمتلاكها الملك أو العرش، اما بالانتساب لملوكها الى العرش او النسب الهاشمي أو العلوي، ومنها أُسّر تلقبت بمشروعية دينيةمثل "خادم الحرمين الشريفين" او "حامي القدس" او ورثة"سدنة الكعبة الشريفة" أو "إمارة المؤمنين"؛فإنها، في كل الأحوال، لا تبتعد عن فكرة إغتصاب سلطة تحت عنوان مُعّين، مثلها مثل الأقوام التي نعتها الانثروبولوجيون الغربيون في المجتمعات" الهمجية" و"البربرية" و"البدائية" السابقة التي تمكنت من إقناع أتباعها بوجود فكرة "الإله الإنسان" وصورت عوالمها بعالم مقدس، بملئ الفراغ الروحي.
لقد كان الملك في المجتمعات المبكرة يقوم بدور الساحر والكاهن والحاكم معاً، فأصبح الملك والحاكم العربي ورئيس الجمهورية صورة مستنسخة عن عالم متخلف بالاختلاء بالسلطة وتربيبها، فهو يقوم بدور "القائد الضرورة" أو "المعجزة" او "ملك الملوك" أو "عميد الرؤساء" أو "الزعيم الأوحد" أو " الزعيم الخالد" أو " الزعيم العبقري" او " القائد الفذ" ... الخ. ويبدو ان الحاكم العربي عندما تخونه الإمكانيات للتوافق مع أحد الألقاب، سيجد في بطانته من وعاظ السلاطين والأتباع من يحاول أن يُبرّز براعته الكامنة والمزعومة والمُنتظرة، بإتجاه فّض، يدعم تسلط الخرافة القديم والمتخلف على العقل البشري متجاوزاً كل عصور التردي التي عاشتها الأزمان والبلدان.
وفي الوقت الذي اكتشفت فيه الشعوب العربية خُرافة وجود كائنات بشرية حاكمة، خارقة للعادة في التسيير الأمثل للموارد والامكانيات لإقناع شعوبها بأهلية الحكم وتأكيد حضور حالتها فانها لم تلج بعد باب التحضر والمعاصرة، بانتزاع نفسها من تلك الخرافة البائسة الموشومة في عقل الحاكم العربي، ومن محيطه الانتهازي المستغل للسلطة والحكم وامتيازاتها. والغريب ان كل حاكم عربي بات يخشى مصيره، لكنه يظل متشبثاً بما تقول له عرافاته وقارئات فناجينه وخطوط كفه في مجلسه وندوات إذاعته، وهناك من يتنبأ له بالفوز والنصر الدائم على خصومه، وانه بحق وريث الإلهام والسلطة والعناية الإلهية حتى لحظة وفاته سرسريا على كرسي السلطة وسريرها النقّال.
ان جلّ حُكّامنا مصابون بهذا المرض الوبيل؛ لذا فهم معذورون سايكولوجياً، إذا ما سمعناهم يَهْذُون دون وعي، حتى لحظة السقوط الاخيرةبذلك الهذيان والخطاب المخزي بعد شبه إستفاقة عن غيبوبة عقود الحكم، فهم يثرثرون تحت وقع صوت التظاهرات:باأهم لازالوا يمتلكون القوى الإعجازية أو الخارقة للطبيعة للشروع بالاصلاح فوراً لتصحيح الخراب المنفلت من كل صوب.
لقد إنتهت الاناشيد الصادحة ببطولاتهم وسط المباخر في القصور، وحانت لحظة الحقيقة من حولهم وما عليهم الا مشاهدة الواقع، تماماً كما تكلمت عنها الاساطير، عن ذلك الخلف الذي سيقتل السلف، إن لم ينزاح طواعية ومن دون شروط، عليه أن يُسّلم الغصن الذهبي من دون قتال ومناورة حول مصير القصر الملكي او الجمهوري او الأميري أو السلطاني.
للأسف لازال في الوطن العربي، حكام من طراز الدالاي لاما، الذي يظن انه الرجل الوحيد الذي ينتحل دور الإله الذي سيحكم بعد ثلاثين إله سبقوه وإختصت التبت بحكمهم، وهو الإله البشري الذي تنتظره الهمالايا والتبت، سيعود بالوهم، حتى ولو ظل مُتسكعاً في مقاهي المنافى وأروقة الامم المتحدة وصالات الفنادق من فئة خمسة نجوم، أي إله هذا، يفتش عن جائزة نوبل للسلام، كي يلمع صورته في أرذل العمر، يدفعها حتى لو كلّفَ نصف ميزانية شعبه الجائع وكرامة الصين، ثمنا لشراء تلك الجائزة.
لقد غاب عن الدالاي لاما وأمثاله من حكامنا المخلوعين والمنتظر خلعهم، ان الصين تحولت من الشيوعية الى دولة رأسمالية وصناعية عظمى، ولم تعد تحتاج إلى إله مريض يمشي على الأرض على عكازة أمريكية، وقد حكمت الدولة الصينية عقول ودماء جديدة وتُسير دفة إقتصادها الروبوتات والأتمتة المعلوماتية المُبدعة.
الربيع العربي مر بصيفهالساخن جدا، ورغم أنه لم يحسم كل اجنداته التي تنتظرها شعوبنا، لأن البعض لازال يحلم ببقاء الوظائف المقدسة والتكليف له بالشرعية الدستورية التي نصبته يوما زوراً بنسبة 99% من الاصوات، وهناك من ينتظر سرقة ربيع الثورات، كل هؤلاء عليهم أن يقرأوا "الغصن الذهبي" ومصير الألقاب الملكية الغابرة؟، وأين هو"ملك الغابة" في نيمي؟ وأين هو"الملك المختص بتقديم القرابين" في روما الى؟ وأين هو" القاضي" الذي سمى نفسه "ملكاً" في أثينا؟.
إنتهت العصور البربرية والهمجية والمتخلفة، وحلت انظمة ديمقراطية، منها ما سارت على سكة حقوق الانسان وكرامته، ومنها تبربرت وارتدت خلف الصندوق مرة أخرى الى جاهلية القمع والتوريث والتزوير، منها جمهورية تملّكَت، وصارت جملوكية، ورثت لبلدانها أكثر من نيرون، ينتظر حرق بغداد ودمشق وصنعاء والقاهرة وطرابلس والرباط وعمّان وغيرها.
لا يوجد حاكم عربي لديه معجزة تؤهله إستحقاق الحكم؛ فلا هو صاحب معجزة بإسقاط المطر المائي ولا النفطي ولا الحامضي، ولا هو ملك الأرض الخصبة وأرض السواد، هم جميعاً ملوك النار والهشيم من بعدهم حريق دائم. لقد كانت ديانا إلهه للخصوبة، ومثلها عُشتار، أما زوجات الآلهة الملكية العربية والجمهورية المعاصرة فقد كن محضيات وصلن العروش من دون تيجان، وورثن أبنائهن عروشا جمهورية وملكية من سيقان وتوريث المبغى السياسي، لم يكن يوماً أمهات طاهرات، بطُهر الأرض التي يحاولن سلبها بما عليها من رقيق الأرض ومواطنيها من الشعوب المبتلاة.
إن غداً لناظره قريب -
كم ستعوض فرنسا لضحايا تفجيراتها النووية في الجزائر
نص المقابلة مع البروفسور د. عبد الكاظم العبودي مع جريدة البلاد الجزائرية الصادرة يوم 5 جويليه/ تموز 2011 حول موضوع التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر وقضايا التعويضات لضحاياها
ف. زماموش : يعود الى الواجهة الحديث عن التعويضات لضحايا التجارب النووية الفرنسية في الجزائر ، كيف يمكن تقدير حجم التعويضات المحتملة، وما هي المعايير التي تعتمدها السلطات الفرنسية بهذا الشأن ؟.
البروفسور كاظم العبودي:
أولا: وقبل الحديث عن التعويضات المالية للضحايا وقيمتها ،كما تدعي حكومة ووزارة الدفاع الفرنسية، لا بد من تسليط الأضواء على جملة من المشاكل المغيبة عن قصد ومكر خبيث مُبيتين، من خلال ما يطرحه الإعلام الفرنسي وتوابعه، وبما يوجه للتضليل أساسا، لتغييب جملة من الحقائق التي يجري طمسها أمام الرأي العام الفرنسي والجزائري حول هذا الموضوع، ومنذ قرابة السنتين والحديث يجري عن "قانون" لا يمكن وصفه إلا أنه غير منصف، وغير عادل أصدرته حكومة فرنسا بشكل إنفرادي وظرفي تحت باب "تعويض ضحايا تجاربها النووية " . وهو قانون غير معقول" علميا" وغير مقبول "قانونيا" نظرا لشروطه التعجيزية أمام الضحايا وعوائلهم للحصول على التعويضات الموعودة المنصفة.
الملف النووي الفرنسي في الجزائر برمته، لابد أن يعترف به الجناة الفرنسيون بأنهم مارسوا جرائم كبرى ضد الإنسانية من خلال الاستهتار النووي الشامل، المتمثل باستباحة مساحات واسعة من الأراضي الجزائرية، وتخريبها إلى آلاف السنين، وممارسة سياسة الصمت والتكتم على حجم الخسائر التي لحقت بأجيال متعاقبة من الجزائريين؛ كون أن الجريمة الإشعاعية النووية لازالت مستمرة، ولآلاف السنين القادمة، في حصد أرواح إضافية من الضحايا ولأجيال جزائرية متعاقبة . جرى تدمير البيئة وتركها من دون اعتراف، ومنح الفرصة لأهالي البلاد من معرفة حجم الأضرار الحقيقية وتقدير مساحات وأبعاد الهول النووي المتبقي على ارض الجريمة في رقان وغيرها.
الجانب المهم في "لاعدالة" قانون التعويضات الفرنسية انه حصر التعويض"المادي" في عدد محدد صغير ومجهول لحد الآن من الضحايا، يكون اغلبهم قد مات مجهولا، ومنهم لازال حيا، لكنه يعجز عن تقديم الملف الطبي المطلوب وفق الشروط الفرنسية الجائرة. كما يجرى تجاهل عشرات الألوف من الإصابات المرضية الناجمة عن التعرض للإشعاع النووي ستمس أجيالا من الجزائريين، سواء من أبناء المنطقة وما جاورها، ومن سكنها، أو ممن حتمت عليهم الظروف والعمل أو العيش فيها، أو ممن تنجم إصاباتهم المرضية بالأمس واليوم وحتى غدا، بسبب التماس مع المواد النووية والكيماوية المشعة ومع النفايات بكل أنواعها الخطرة، وهي تُقدر بمئات الألوف من أطنان المعدات العسكرية والمدنية كانت في القواعد النووية والعسكرية الفرنسية المنتشرة بالصحراء، والتي تركها الفرنسيون من دون دفن عميق أو تسليم وثائق الأرشيف الخاص بالموضوع النووي لكي يتم حماية البشر والزرع والضرع من الموت المحتم مستقبلا، هذه المواد لازالت متبقية بكثرة وعلى الأرض الجزائرية وعلى مساحات شاسعة تصل إلى بضعة مئات الآلاف من الكيلومترات المربعة، موزعة في أقاليم بشار بوادي الناموس وبني ونيف، وتوات بولاية أدرار ونواحي ولاية تمنغست وشرقها وصولا إلى الأراضي الليبية وحدود النيجر وباقي أرجاء الصحراء الجنوبية.
والسؤال المطروح اليوم أمام فرنسا والعالم : من أين يبتدئ التعويض وأين سينتهي؟ ولمن من الجزائريين؟ وهل ان 10 ملايين يورو المخصصة من وزارة الدفاع الفرنسية لكل ضحايا التفجيرات والتجارب النووية الفرنسية في الجزائر وبولونيزيا مجتمعين مع آلاف الفرنسيين من العسكريين والمدنيين ممن عملوا في المشروع النووي الفرنسي وكانوا من ضحاياه. وباختصار ان المعايير الفرنسية تجاوزت الحق الإنساني والبيئي للتعويض، كون الجلاد النووي لا ينصف ضحاياه، وهو مصر على الإنكار، وعدم الاعتراف بالجريمة، ولازال يصفها بعبارة تجارب؟ ولا يعترف بالتعاون مع الطرف الضحية بشكل شفاف وواضح.
ف. زماموش : عمليا هل يمكن إزالة الإشعاعات النووية وكيف يمكن ذلك .؟
البروفسور كاظم العبودي:
باختصار شديد ليست العملية بهذه السهولة، كما يطرحها البعض إعلاميا للاستهلاك المحلي، وما يقال اليوم لا يمكن وصفه إلا بالسذاجة العلمية والبيئية التي تنكر حجم الجريمة أولا وعدم الاستعداد لرؤيتها بروح التعاون الدولي ثانيا، كما فعلت دول أخرى في سعيها لمساعدة ضحايا تجاربها وتفجيراتها على أراضي الغير(كما فعلت اليابان مع الصين) بالعمل على تحديد المواقع الملوثة، ووضع ميزانيات مالية ضخمة للتطهير، ولتقليل الأضرار على الأقل، ومتابعة الوضع الصحي للضحايا وتعويضهم، وتجنيد خبرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية والدول النووية الكبرى للتصدي المشترك الى مشاكل التلويث البيئي بالمواد المشعة والكيماوية.
لم نسمع من فرنسا بعد جملة واحدة مفيدة حول هذا الموضوع ، وعلينا الاعتراف أيضا إن إمكانياتنا الوطنية التقنية والعلمية والاقتصادية ليست بالقدر الكافي للتصدي إلى مشروع ضخم كهذا في إزالة وتطهير شاسعة من مناطق الخراب النووي الفرنسي في الجزائر، لنظرا لتعقيد الموضوع، وقلة الدراسات حوله. إن الموضوع يحتاج إلى جهد وطني شامل، وبدعم واسع من العالم النووي ذي الخبرات النووية والبيئية، وفي مقدمتهم فرنسا. السؤال هل أن فرنسا مستعدة لرفع النفايات النووية الفرنسية من قواعد ومواقع التفجيرات والتجارب التي أجرتها ؟ متى ؟ وكيف؟ . ومع من ستتعاون بعد الاعتراف بالمسؤولية الناجمة عن افعالها العسكرية والنووية هنا. إن زيارات خبراء فرنسيين إلى المواقع وتصريحاتهم الإعلامية حول الاستعداد والتعاون لإزالة آثار كارثة الإشعاع من المناطق الصحراوية مجرد نكتة سمجة تمرر إعلاميا وعلى الأغبياء تصديقها.هذه القضية ليست بهذه البساطة وتحتاج إلى اتفاقيات ملزمة بشكل دقيق وواضح ولا تنتهي بحكاية التعويضات الموعودة لعدد من الأفراد لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة.
ف. زماموش : نريد ان نفهم ..هل يمكن لاحقا إعادة بعث الحياة في المناطق التي جرت فيها التفجيرات او شملتها الإشعاعات ؟
البروفسور كاظم العبودي:
بطبيعة الحال تتفاوت مستويات التلوث الإشعاعي أو الكيميائي من منطقة إلى أخرى؛ فالتفجيرات السطحية في رقان وعددها 4 و13 من التفجيرات الباطنية ومنها الفاشلة التي خرجت عن نطاق التجربة الباطنية إلى الخارج من تحت جبل اينيكر بمنطقة تمنغست أحدثت ظروفا لا رجعة فيها للحياة، ولكي لا يُبالغ البعض في حجم الأخطار زيادة أو نقصانا، والتخوف المرعب من احتمالات الإصابات السرطانية والأمراض الإشعاعية الأخرى، والتأكد من وجود مناطق ملوثة هنا وهناك، لابد من إجراء مسح شامل، إشعاعي وصحي دقيق لتحديد مستويات الإشعاع في كل منطقة، أو تحديد مناطق التلوث العالي، وتسجيل عدد الإصابات المرضية المحتملة بسبب ذلك، والتأكد من مدى ارتباطها بالتعرض الإشعاعي.
إن الوضع لا يتعلق بالصحة وعدد الأمراض وخاصة السرطانات التي لا حصر ولأنواعها وتزايد عدادها فقط؛ بل يجب دراسة التغيرات الجينية المحتملة للبشر ممن أصابتهم الإشعاعات (الجدود والأبناء والأحفاد) ومعرفة التغيرات في سلالات الحيوان والنباتات المتواجدة في المناطق المنكوبة. الولادات المشوهة والتشوهات الخلقية وحالات العقم وتباعد الولادات لدى الإنسان والحيوان تسجل كل يوم في مناطق الجنوب المنكوبة، وتصاعد حالات الإجهاض المسجلة كلها ظواهر مقلقة، إضافة إلى تسجيل أمراض عدة، لم تكن منتشرة في تلك المناطق من قبل، كلها مؤشرات مقلقة، لا بد من معرفة أسبابها علميا وطبيا، ولا بد من تحديد خارطتها الجغرافية والجينية لتفادي الانتقالات الوراثية المشوهة بسبب الزواج والاختلاطات السكانية والحيوانية.
ف. زماموش : ما هو العدد الحقيقي للضحايا التجارب النووية الفرنسية في الجزائر ، وهل هناك أرقام بهذا الشأن، وما الدافع لتستر فرنسا عن الأرقام الحقيقية للضحايا .؟
البروفسور كاظم العبودي:
يكذب من يقول لكم أن لدية الحقائق أو الأرقام أو الإحصائيات، طالما أن الموضوع لازال محاصراً، إعلاميا وسياسيا من قبل أطراف عدة، منها تجتهد في حجب المعلومات والإحصاءات ومنعها عن النشر. للأسف لازال الموضوع عرضة للمزايدات السياسية والإعلامية. ويحشر البعض من الأطراف والأشخاص بأنفسهم في الموضوع من دون دراية أو تخصص، وهم لا علاقة لهم بالموضوع لا من بعيد أو قريب، سواء من الناحية العلمية او القانونية أو حتى السياسية.
بطبيعة الحال أن عدم توفر بنوك للمعلومات وأرشيف متخصص يلجأ إليها الباحثون، كمرجعيات إحصائية للمقارنة والتوثيق والاستنتاج، سيعقد من المسألة، ويترك للفرنسيين حرية التلاعب بالأرقام وطرح التقديرات الخاصة بملف التعويضات. لكن رغم كل ذلك، يمكن إجراء دراسات للتوقع والاحتمال، المبنية حول حجم وأبعاد الكارثة النووية مبنية على المعرفة النووية والطبية والفيزيائية وستقود هذه الجهود إلى وضع تصورات اقرب إلى الموضوع حتى يتوفر الإحصاء والبحث العلمي الرصين على يد أكاديميين وخبراء في هذا الموضوع. في نظري إن الأرقام تتجاوز عشرات الأُلوف من الضحايا المصابين بشكل مباشر من الإشعاع ومئات الألوف من البشر بشكل غير مباشر،سيحملون تشوهات جينية ووراثية ستظهر على أجيال من أبناءهم وربما أحفادهم على شكل أمراض وسرطانات وطفرات وراثية.
ف. زماموش : هل يمكن حصر الأمراض التي اصيب بها مجموع الضحايا سواء بالنسبة للضحايا الذين أصيبوا في فترة إجراء التفجيرات أو بالنسبة للأجيال التي تعيش في المنطقة منذ عقود .؟
البروفسور كاظم العبودي:
الأمراض اشرنا إليها في عدد من المقالات والدراسات باتت معروفة لدى المشتغلين في الحقل الإشعاعي والطبي أولهما السرطانات المختلفة، وطبيعتها وأنواعها، وكل حالة منها مرتبطة بحالة التعريض الإشعاعي ومستوى الجرعات، وفترة التعريض، وفي العموم هناك تصاعد في الأرقام السرطانية في الجنوب، تسجلها الإصابات التي تستقبلها المراكز الطبية في عموم البلاد، كما ان هناك إصابات مرضية تتعلق بإصابات وضعف الجهاز المناعي والعقم وإصابات العيون والإجهاض المبكر والتشوهات الخلقية وغيرها.
ف. زماموش : فرنسا جربت لأول مرة المحارق في الجزائر كيف تعلقون على ذلك و هل لديكم رؤية حول المحرقة مثل محرقة " النقمارية " في مستغانم غرب الجزائر ؟
البروفسور كاظم العبودي:
يسجل التاريخ الإجرامي لجنرالات فرنسا اعترافهم، من خلال تقاريرهم العسكرية، وافتخارهم باستخدامهم لأول مرة في تاريخ الإبادات للمدنيين العزل مصطلح " هولوكوست"، تم ذلك قبل قرن من ظهور النازية الألمانية (1939 ـ 1945) وجرائمها في الحرب العالمية الثانية واستخدامها محارق الأفران لتصفية خصومها . لقد سبق أن افتخر العقيد الفرنسي بيليسيه Pelissier بتنفيذه حرق قبيلة أولاد رياح بكاملها في منطقة النقمارية بواد الفراشيش في منطقة الظهرة، تابعة لولاية مستغانم الحالية، في السابع عشر من جوان عام 1845، نعم تم حرق البشر، وحتى حيواناتهم، في محرقة المغارات الثلاث التي لجأت إليها قبيلة أولاد رياح على يد فيلق العقيد بيليسيه المتكون من 10000 عسكري.
هذا الاعتراف الفرنسي بـ "الهولوكوست" الأول المبكر في التاريخ نفذه العقيد بيليسيه بأوامر الجنرال بيجو ، ويصفه احد جنود الحملة الفرنسية بنص ووثيقة تاريخية، وكشاهد على ما جرى لأولاد رياح : (... النار تم تزويدها بالوقود طوال الليل... أرى كتائب الجيش منهمكة في تقوية نار جهنمية، يسمع أنين أصم للنساء والرجال والحيوان وأصوات فرقعة الصخور التي بدأت تتفتت وتنهار من شدة الاحتراق فتتهاوى ). في اليوم التالي دخل الجندي الفرنسي، صاحب الشهادة المنشورة في عدد خاص بالمغارات للمجلة الإفريقية عام 1930يصف المشهد: (... في مدخل المغارة رأيت ركاما من الأبقار والحمير والأغنام الميتة، دفعتهم الغريزة والتعلق بالحياة للتوجه نحو مدخل المغارة، بحثا عن الهواء للتنفس. بين هذه الحيوانات وتحتها كانت جثامين نساء وأطفال موتى... رأيت رجلا ميتا ساقطا على ركبته ويداه ممسكتين بقرون ثور وبجانبه امرأة تمسك طفلا بين ذراعيها. هذا الرجل اختنق هو والمرأة والطفل والثور وماتوا عندما كان يحاول حماية عائلته من هيجان الثور... قمنا بتعداد 760 بهذه المغارة ...الخ. ) ، شهادات لضابط اسباني آخر، مُشارك في الحملة تقدر عدد الجثث المحترقة من أولاد رياح تجاوز الألف. بعد هذه الصورة المُرعبة يُعيد السفاح بيليسيه، بعد ترقيته وأصبح جنرالا واحدة من أبشع جرائم الإبادة الأولى في التاريخ الإنساني، باستخدام الفرنسيين الأسلحة الكيماوية لأول مرة في التاريخ ضد السكان العزل بإبادة مدينة الأغواط في ديسمبر 1852م. وهكذا انتقلت فرنسا تدريجيا بتنفيذ مجازرها بالحرق بالنار أولاً لقبيلة أولاد رياح جوان ،1845 إلى المحرقة بالأسلحة الكيماوية لمدينة الأغواط، ديسمبر ،1852 ، إلى المحارق النووية في ستينيات القرن الماضي. ونبقى ان نتساءل الآن: كم هو مقدار التعويض لكل هذه الآلام والضحايا والعذابات يا فرنسا الحضارة وحقوق الإنسان؟ ولمن ستدفع التعويضات من الأجيال؟؟ وكيف يتم تقدير التعويض ومعاييره؟؟ والى متى سننتظر؟؟وأين حقوق الإنسان من كل هذا؟؟.
تحياتي الخالصة
ا.د. عبد الكاظم العبودي -
لك بعد صيام الشعر
لك بعد صيام الشعر
يطوف حولي بيت وعصف من الشعر
وخصلة من شعر داكنة سوداء
لازالت معلقة على كتفي
و الرحيل القريب البعيد
خصلة تبقى على مرادها
تعلقت بي كقصائد الشعراء
معلقات
بجدار الطواف حول كعبة من محبة
تدور الارض بها من رهافة المعنى
بأعاصير للحب
وللهفة التائهة هنا بمروج الثلج
تلتزم خطاها الليلة معي رتيبة
كمسار الصلوات في مواعيدها
كتبا موقوتة
تتمسك بشذرات الكلام
اغان ومواويل حول خطى جوادها
ومهد اليباب البعيد
اطرق الباب بصفير الريح
علها ترد لي حمحمة لفارس
الذي أعيته المسافات
وحن الى خطوته الاولى بباب محمد الصائم
فخط رحاله حيث هي
هناك تنسج وحدها
خطوط شروق الشمس في دفتر الصغير
وتوعده انبلاج الصبح
وتدثره عند برد الفجر
بمراسم الورد فوق عتبة الباب المنتظر
اجراسه
لذلك القادم بالوعد الجميل
فارسة من بني خالد
ارخت وحدها سدول الليل
وباتت ساهرة حول كانون من نار الانتظار
ترى وحدها مكامن العشق الذي ظل مشتعلا هناك
في اطراف البيت
وفي جنبات ضربات القلب
وفي حدةالثرثرة
والغضب البليد
ومن جمر الاماسي
وخفوت حدة الاعتذار
وباكوام من الجمل المستطارة
كشرار البرق
و من جرح العتاب
ظلت خالدتي اكبر من جميع تواريخ الميلاد
وحقب العشق
والوجدان
تتهجى الليلة اساطير بابل بوهران
تفك الاسرار في بيت من شعري
وخربشة من رسائلي
وتخلو الى غرفة من بيتي احتجزتها الكتب
وفوضى الاشياء المبعثرة
علها تسمع صدى
اوكلمة من هنا او هناك
وعد من كلام
آخر يحمله المحمول بكلمات بخيلة بالدفئ
لاتساوي بلاغة الجمل القصيرة
هو الوهم يوسوس
من الريح الأتي من صقيع القارة العجوز
قارة جرحت وجهها بدسوم المكياج
ومواد التجميل ولفح الهواء المجفف بالبرد
وهناك بوهران
ارض الله تزدهر بالربيع زهورا
يانعة
في ظهر مرجاجو
تقلب فاتنتي باقة وردها وتراجم الجواد في هذيانه
وتقلب في جرح الليالي
صبرها
بأسئلة من صمتها
وباجابات تقطعت بها سبل الاسفار
والتأشيرة الغبية
والليلة تعتصر الحبيبة نبيذ الكلمات
وتسكر في ملكوتها
وتُصير الماء بوهران كوثرا من شوق الى عطش
ومن رواء زمزمها
ترنو الى ظمأ الليالي العطشى في واحات الاصيل
رتيبة لها من عسل الكلام
شهدا ترسله في البوح اليه
فراتا عراقي المنابع لايجف الريق به
اذا مادارت السواقي وغدران توسنينة نحوه
وربما هي لاترى في القصيد معنى
اذا لم يلق الشاعر
قصيده في حجرها وهي ملكة الماجدات على صخر الارض
مليكة قلبي المرهون في سني عمرها الفتي
تجمع للاعراب من قصيدي
ما تبقى من حديث اعراب قريش ويثرب والمربد
وما قدم جميل لبثينة في حومة العكاظ
يروي لها من سنن العشق قلائدا
وبلبلة الغدير اقراط تطرب لها الاذن وخرير السواقي
سنوات ثلاث مرت
او مررنا بها هياما ومتاهة
نسأل عن درب وصومعة العشق الذي سيكبر بنا
في سباق مع خطى جود
كان الليل يختلي بنا
و بين شغاف القلب يمرر دفقة الرعشة الازلية
كزلزال الكون الالهي
يدغدغ الاحاسيس ويرمي هناك نطفة من خير
ويطوف بالاحلام في تخوم الليل
ايما وقفت ناقة السعد
وحطن رحالها ما بين غرداية ووهران وميسان
تقطر قافلة بنا قطنة من حكمة الليالي
وتقول
للدنيا هنا في صدرها
مسك من لبن طهور
صبرا صديقتي
صغيرتي
رهينتي
حبيبتي الى اجل
تقدره اعمار الارض والنظائر المشعة
ازلي حبي كدفق الارض
للاخضر فيها عشبا اخضرا
للازرق فيها
ماء غزيرا
لك مني من هنا
يهرب الشعر في جنبات دوحك الزاهي
بسمة من ربيع الفصول
يفر مني
كغزلان البراري الطريدة
عندما
يحاصره الثلج والصمت والغربة والبيوت تطفأ الانوار
قبل الخامسة وما بعد سابعة النهار
اهو خوف السهر او الضياع
في مساومات السؤال
من انا ومن اين اتيت الى هنا؟
الى اين نمضي والصبر عجلة لا استقرار لها
تدور كطاحونات الفرات في جفاف المواسم
مرة تجتاح المحطات غافرة للدرب كثر التواءه
ومرة
تشكر الاله عند الابواب التي لاتعرف دورات الفرج
لمزلاجها
الليلة غادرتني السكتة الشعرية الى الابد
صحوة ايقظتها كلمات العتاب
لماذا الصمت
ولماذا تستنزف شركات المحمول دماء قلوبنا
من الاغلى الحب اوم الصمت
ام نزيف الكلمات في الميكرو
يجتاحني عصف من الحب الملولب
يدور كإعصار تائه
لاطريق امامه
الا سواك
ليتنصت الانفاس
ورصدك عند الباب
تتسمعين خطى الصاعدين النازلين
علها صوت اقدامه
علها كانت خطاه
وعلها كانت لمساته الرقيقة عند الباب الموصود منذ ايام
طرق له على باب القلب يفتح به الشريان
ياكاظم الغيظ
لا تطرق الباب عنوة
انها تعبت من طول الساعات ومن فرط الانتظار
اطرق على الخاطر كل لحظة
ودع مطرقة الباب والاقفال سكينة
لكي لايستفيق مهرنا الصغير
ويحدث الجلبة
ويقود قافلة للفتح غرب الجزائر
بخطى جديدة من طارق وعقبة
ويحرق سفنه
ولا يجتاز هذه المرة
الا عتبة تريد النصر لفرسانها
ايها اللبيب
الرتيب
القادم من بين خطى المعاني
تعال وبت الليلة في خيمتي الثلجية
تعال الليلة الى بيت الشعر
لنغني معا اراجيز التفاعيل
ونعزف على قيثارة القلب
لحن اللقاء
اعرف الليلة
ان الاغطية باتت اثقل من الجبال
في ليل الزمهرير
اذن
لنلتحف دفئ الكلمات
وقواميس المعنى
وتتدثر بنا الاماني
في الليالي الحالكة
وللصباح موعده
يأتي بغنغنة من لثغة جواد
وصهيل القافلة
يطرق ابواب النهار
بابا .... و بابا ....
والمكان هو المكان
كل شئ في وضعه
الا بوابة الامل تتحرك طارقة الوجدان
لك مني الليلة
صبر القصيد
وخطى فارسك العنيد
نحوك آت
بفرح من عمق الليالي
بأثواب العيد
لنستعيد
ما اهملته الغفلات من زمن لم نحتسب له
سوى ان نرتب له غدا اسعدا
جميلا يزدهي بالورد والقرنفل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الغالية ....
اعرف اني ممقوت شعريا في حضرتك
وعندما اهذي بغموض المعني اخاف السقوط في هفوة المصارحة المباشرة
لا اقول لك احبك كما يعتاد الناس تكرار الجملة المستهلكة في الافواه
ولا اقول لك آي لاف يو لانها مكررة
الا اني اجد في اعماق سكينة روحي اجراسا من الفردوس تتناعم في عمقك انت اكثر مني احساسا لانك الاصغر عمرا والاكثر صدقا ومحبة
ارواحنا ووجداننا تقول لنا احضروا هنا ستجدون بحماية الله وحفظه
تحاببوا بلغة لا تستهلكها الالسن العادية
جملة الحب غريبة عن جميع السنن والحان وقواميس جميع لغات العالم
تحسونها وحدكم انتم العشاق المحلقين فوق جوادالبراق بعمق المحبة الكامنة في النفوس.
لك حبي الذي تغتصبه مني الليلة الهة الشعر ومتن نصوص الاسطورة
شعري لك ايتها الرائعة سيكون ارجوزة كاظمية ستدركها رتيبة يوما؟
انها إمرأتي فلها وحدها لحني ولحن مزمار الكلام الغامر بالحب الذي يعزف للدنيا كلها لحن المحبة والوفاء.
اسلمي لي انا في رحابك متنسكا في محراب الحبيبة
كاظمك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجاء الانتظار...